Menu
حضارة

مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (الجزء الأول)

د. وسام الفقعاوي

صورة تعبيرية.jpg

يكاد يكون مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم المثيرة للجدل والحوار والاجتهاد، ليس بين المعارضين والمؤيدين لها فحسب، بل حتى داخل الصف الواحد، سواء المؤيد لها، أو المعارض، فلا التأييد لها ينطلق من ذات المرتكزات والأسس، ولا معارضتها تتخذ شكلاً ومحتوى واحداً، بل ثمة أطياف مختلفة ومتبادلة لمعارضيها، مثلما حال مؤيديها أيضاً.

ويبدأ الجدل حولها من تناول التسمية وتاريخ المفهوم، فمنهم من يشتقها من العلم (عِلمانية، بكسر العين)، ومنهم من يشتقها من العالم (العَلمانية، بفتح العين)، ومثل هذا الخلاف يغدو شكلياً ولا قيمة كبيرة له، إذا عرفنا أن العلمانية ليست شعاراً مجرداً، أو مفهوماً يختصر بكلمات محددة، بل هي حالة متحولة، تنطوي على تواريخ عديدة، وتطبيقات وتعيينات شتى، لكل منها تمايزاته وتحديداته المختلفة عن الآخر.

ووفق ذلك يمكن الانطلاق من تعريف عام للعلمانية مستخلص من تجارب الشعوب الغربية التي أفرزت تجاربها السياسية والاجتماعية تفاوتات في فهم وتطبيق العلمانية؛ لكنها انتهت إلى صياغة قواعد عامة تحدد أسس إدارة الدولة وقواعدها بما يميز بين الحياة الخاصة للأفراد وبين الحياة العامة. و"تعني العلمانية تنظيم العلاقة بين الدين ومؤسسات الدولة، حيث لا تتدخل المؤسسة الدينية في آلية اتخاذ القرار السياسي بشكل مباشر. وبموجب ذلك، يصبح الاعتقاد الديني مسألة فردية خاصة"[1].

وفي تعريف العلمانية، فهي تعني "فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة والحياة العامة، وعدم إجبار الكل على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية"  أي أن الدين لن يفصل عن الحياة والمجتمع، بل عن الدولة ومؤسساتها فقط، فالدولة لا تمارس أي سلطة دينية، والمؤسسات الدينية لا تمارس أي سلطة سياسية.

وتحيلنا الألفاظ الأجنبية المستخدمة لها على بعض تعييناتها فعبارة secularism تعني: غير ديني، دنيوي أو مدني، أو العالم الزمني في تميزه عن العالم الروحي، ثم صارت تستخدم في فصل الدين عن الدولة، وهي معتمدة في البلدان، وخصوصاً، الأنجولوساكسونية، أما البلدان المتأثرة بالتجربة الفرنسية فيستخدم غالباً مصطلح اللائكية (laique H, laicite) بمعنى الذي ينتمي للشعب، أو ابن الشعب غير المتعلم، أو عامة الناس في تميزهم عن رجال الدين (المتعلمين)، أو فئة الإكليروس، وهم في المسيحية، مجموعة رجال الدين ممن يمثلون مراتب في السلك الكنسي.

وفي جذر الكلمة اليوناني (iaos)، تشير العلمانية إلى وحدة الشعب المرتكزة إلى التمتع بحرية المعتقد، والمساواة بين كل المواطنين أياً كانت قناعاتهم الروحية، أو جنسهم أو أصلهم، والتطلع للصالح العام، والخير المشترك للجميع كمبرر وحيد للدولة[2].

إن العلمانية هي تحرير مجمل الحيز العام من النفوذ الممارس باسم أحد الأديان أو المذاهب، وهكذا يصان الحيز العام من أي تقطيع أو عزل بين شتى الفئات الاجتماعية، أو أتباع المذاهب الدينية المتعددة.

فالعلمانية تهتم بمبدأ توحيد الناس ضمن الدولة على قاعدة المواطنة، وهي تفترض تمييزاً بين حياة الإنسان الخاصة، كما يعيشها هو مثل: البعد الروحي، القناعات، المذاهب، وبين بعده العام كمواطن، حيث تؤكد العلمانية على وحدة أناس أحرار متساوين مستهدفة الوحدة الأصلية للشعب ذي السيادة المرتكزة إلى المساواة الصارمة في الحقوق بين أعضائه، تجاه كل ما يعارض هذه المساواة. وهي تشير إلى مرجعية الصالح العام في أفق ديمقراطي. فالعلماني هو ببساطة المواطن الحر الذي يقر لأخيه الإنسان (المواطن) بحرية المعتقد الديني أو الفلسفي، من دون أن يؤثر ذلك على مواطنيته، وحقوقه وواجباته تجاه وطنه.

وفق هذا فإن الدين ليس بالعامل الضروري الذي لا غنى عنه في تكوين الأمة، وصحيح أنه كانت له أهمية في العصور القديمة، ولكنها تناقصت بدرجة كبيرة في العصر الحديث. فالمسلم والمسيحي يعيشان جنباً إلى جنب، ويكونان معاً أمة واحدة... وقس على ذلك سائر الأمم التي توجد بها أكثر من ديانة وأكثر من عقيدة[3].

وفي فهمنا للعلمانية، علينا أن ندرك أن معاني المصطلحات ومدلولاتها، لا يتخذ محتوى ثابتاً أو أزلياً، بل يتبدل ويتحول، إلى أن آلت جميع المصطلحات إلى التمييز بين أمور العقل والسياسة والمجتمع، في مقابل الأمور الدينية: رموزاً ومؤسسات وسلطات، وإلى أن توضحت الحرية الدينية، من حرية معتقد وحرية ممارسة، كواحدة من الحريات الشخصية والعامة كحق حرية الرأي والتعبير.

وهذا يصح بدءاً من فرنسا التي أجرت فصلاً تاماً بين الدولة ومؤسساتها من جهة، وبين المؤسسات الدينية من جهة ثانية، إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تعرف حالة تدين كبيرة، وحضوراً بارزاً للدين، الذي يلعب دوراً مباشراً وغير مباشر، في الحياة السياسية والمجتمعية، دون المساس بالفصل التام بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية.

وهناك من يعرّف العلمانية بأنها مفهوم سياسي يتعلق بحسم مسألة دور الدين السياسي في المجتمع والدولة، وذلك يجعل الدين شأناً شخصياً بين الفرد وخالقه من جانب، ويجعل السياسة شأناً مختصاً بقضية السلطة وعلاقة الحاكم بالمواطن من جانب آخر.

أما على الصعيد المعرفي فالعلمانية تعني تحرير العقل من المسبقات، والمطلقات، أو تحرير الفكر من الأوهام والخرافات وتحرير الإنسان من العبودية التي تمتد جذورها إلى تقسيم العمل وظهور الملكية الخاصة والاستغلال الطبقي وتركز الثروة وظهور الطبقات... العلمانية ليست ضد الدين لكنها ضد الوثنية الدينية، وضد سلطة رجال الدين وتدخلهم في حياة الإنسان. العلمانية عملية تاريخية أو صيرورة تقدم في التاريخ والمعرفة، صيرورة البشر الذي يصنعون تاريخهم بأنفسهم، وهي بذلك تقيم سلطة العقل والمنطق، وتعلن نسبية الحقيقة وتاريخيتها وتغيره[4].

فالعلمانية منهج وأسلوب في الحياة والتفكير، وليست مذهبا أو موضوعا للأيديولوجيا. هو منهج الارتباط بالعالم والواقع واللحاق به ومحاولة فهمه وتفسيره، وتعهّده بالإصلاح والتقويم إذا ما انحرف عن سداد السبيل. وفي مقابل هذه العلمانية تكون الأصولية التي بدورها ليست مذهباً أيضا أو موضوعاً للأدلجة، وإنّما هي أيضا منهج وأسلوب في الحياة والتفكير. فهي تتصوّر نقطة بعينها هي البداية والأصل الذي يقاس عليه ويتفرّع عنه جميع أنواع التفكير والسلوك. وقد يكون هذا الأصل نسقاً قيمياً أو نصاً دينياً أو لوناً بعينه من ألوان التفكير... إلخ.[5]

إن الحرص على فضاء مشترك بين الناس يتجاوز اختلافاتهم، لا يتعارض مع الإقرار بوجود هذه الاختلافات، شريطة أن يؤكد النظام العام على عدم المس بالقانون المشترك الذي يسمح بالتعايش الحر، وإحلال الوئام بين الناس المختلفين في إطار العيش المشترك. ومن هنا فإن مبدأ فصل مؤسسات الدولة عن أي مؤسسة دينية، هو الآلية القانونية المؤسسة للعلمانية المؤسساتية التي تضمن وحدها، ليس حرية المعتقد فحسب، ولكن أيضاً المساواة الصارمة بين المعتقدات، وعليه، فالعلمانية هي توزيع السلطة العامة على مجموع الشعب السيد، ضمن الاحترام الصارم لحرية المعتقد والمساواة.

بهذا تكون العلمانية هي نظام سياسي واجتماعي يفصل بين المجال السياسي والمجال الديني، ويعتبر المجال السياسي مجالاً عاماً ومشتركاً يخضع للتنافس والمحاسبة والمراقبة والمسئولية أمام القانون والشعب، بينما المجال الديني مجال خاص فردي يخضع للإيمان والعلاقة بالخالق. وهذا ينسجم مع تعريف معجم روبير للعلمانية بأنها: "مفهوم سياسي يقتضي الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، الدولة لا تمارس أية سلطة دينية والكنائس لا تمارس أية سلطة سياسية". فالعلمانية لا تعني، كما يروج أعداؤها وخصومها، محاربة الدين أو إقصاؤه من الحياة الاجتماعية والثقافية للشعوب، وإنما إخضاع الممارسة السياسية وإدارة الشأن العام للقانون الوضعي - المدني الذي هو موضوع التعاقد والاتفاق بعيداً عن أية سلطة تستمد شرعيتها أو قدسيتها من المقدس، وتضعها خارج كل محاسبة أو معاقبة. في هذه الوضعية، تكون المنافسة بين البرامج الانتخابية وتكون السلطة للقانون والسيادة للشعب يمارسها عبر صناديق الاقتراع. إذن العلمانية هي إخضاع الشأن العام لسيادة الشعب وسلطة القانون[6].

العلمانية، في نهاية المطاف، هي أحد أشكال التعبير عن نضج التجربة السياسية والإنسانية، ومكسب إنساني وحضاري عام، لم يتحقق إلا بعد تجارب مريرة وتضحيات جسيمة، شهد فيها العالم حروباً أهلية وطائفية، وتاريخاً من الاضطهاد باسم الأديان والمذاهب. أما الدولة القائمة على مبادئ العلمانية فهي دولة كل المواطنين بصرف النظر عن الجنس أو الدين أو المعتقد، والنظام السياسي الذي يعتمد العلمانية ينشئ مساحة بديهية، تسمح لكل فرد بالتمتع بحرية الرأي والتعبير، وتحدد هذه المساحة من قبل السلطة السياسية، التي تضع القوانين وتطبقها.

العلمانية.. أنساق متعددة

إن العلمانية ليست نسقاً واحداً، بل هي حركة اجتماعية تنشأ في كل موطن، متأثرة بإطارها المحلي، وتأتي كانعكاس لمعطياته، فهناك أنساق متعددة من العلمانية، لكل منها خصائصها المحلية.

ففي فرنسا نشأت حساسية وطنية لدى البرجوازية الصاعدة إزاء مؤسسة دينية قوية ومصممة على استتباع الدولة لها، بعد أن منحت لنفسها سلطة عاتية أقوى من سلطة الدولة الناهضة، ونالت نفوذاً اقتصادياً (عبر ضريبة العشر)، وفكرياً وثقافياً عبر سيطرتها على مؤسسات التعليم وغيرها من المرافق. وأخذ العداء بين الطرفين موقفاً صريحاً مباشراً بعد أن وقف رجال الدين مع قوى الثورة المضاد عام 1793، وعليه، أخذت العلمانية في فرنسا، طابعاً مضاداً للكنيسة، وشكلاً شديد الخصوصية، بهدف إخضاع الكنيسة الكاثوليكية لسلطة الدولة، حيث دخلت الثورة الفرنسية في حرب ضد أملاكها، وقوضت سلطة رجال الدين (الإكليروس)، وألغت ضريبة العشر، وعممت السلطة الزمنية على التربية والتعليم.

أما النمط الأنجوساكسوني، فالدولة فيه لم تدخل في صراع مع الكنيسة، بل إن الملك في بريطانيا يظل رمزياً رأساً للكنيسة، كما حرصت الدولة في الولايات المتحدة، على حماية الدين من أي عدوان على مساحته، دون أن يلغي ذلك علمانيتها. وبرغم أن الدولة الأمريكية لا تمول أي نشاط ديني من ميزانيتها الفيدرالية، ولا تشترط حلف يمين ديني محدد في المحاكم، فإن المجتمع الأميركي يعتبر من أكثر المجتمعات تديناً، ما يؤكد أن العلمانية ليست موقفاً مضاداً للدين.

وقد "أثبت المجتمع السياسي تحت أشكال مختلفة في بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وفرنسا أنه يأخذ شرعيته من نفسه ومن السيادة الشعبية، لا من الله أو من عمق التقاليد أو من عرق من الأعراق"[7]، وهذا حصل أيضاً في دول ومناطق أخرى من العالم المتقدم. بحيث "يتحول الدين في المجتمعات المعلّمنة حديثا إلى أخلاق اجتماعية. وقد أشار مراقبو المجتمع الأمريكي، من توكفيل إلى روبرت بيلا إلى أهميته في تلك البلاد"[8].

وعلى العموم، فإن العلمانية تعكس صيرورة تاريخية أكثر منها رؤية للعالم، صحيح أن منشأها كان في أوروبا، ولكنها تجاوزت هذا المنشأ، وأفضت إلى تحقيق الأهمية والعمق في جل أرجاء المعمورة، وصارت، كما الحداثة، شأناً من شؤون حياتنا التي لا مفر منها في سياق تنظيم علاقة الدين بالمجال (الحيز) العام.

العلمانية وحال المجتمعات العربية الإسلامية:

لم تستطع المجتمعات العربية الإسلامية الاستفادة بما يكفي من تجارب الشعوب الغربية، بل تعتبر تلك التجارب غير قابلة لتبيئتها في البيئة العربية الإسلامية، ويعود الأصل في هذا التنافر الحضاري للعوامل التاريخية (الحروب الصليبية، الاستعمار القديم والجديد...) وقبلها حروب الفتوحات والغزوات والاقتتال الداخلي، حيث أنتجت هذه المراحل التاريخية تراثاً فقهياً شكل ذهنية هذه المجتمعات، وظل متحكماً فيها وفي ميولاتها وتطلعاتها. وقد غذى هذه الذهنية وقوّى تلك الميولات العنف السياسي الذي مارسته الأنظمة الحاكمة على امتداد 14 قرناً. هذه التجارب القاسية التي عاشتها الشعوب، إنما كانت بسبب استغلال الدين في شرعنة الاستبداد. وباعتبار التراث الفقهي يقدم تجربة الخلفاء في الحكم على أنها تجربة مشرقة ورائدة وأنها أشاعت العدل وأعزّت "المسلمين" وأذلت الأعداء، استدمجت الشعوب العربية الإسلامية في لا وعيها أن "دولة الخلافة" هي أسمى نموذج تطمح إلى تحقيقه على أرض الواقع. وهنا تكمن المفارقة؛ فإذا كانت الشعوب الغربية حققت وعياً تاريخياً بأن الحكم باسم الدين أنتج الاستبداد، لهذا نجدها تتشبث بالدولة الديمقراطية والقوانين الوضعية التي تخضع للتغيير والتعديل تبعاً لمصلحة المجتمعات، فإن الشعوب العربية الإسلامية لا تستطيع إنتاج مفهوم للدولة خارج تراثها الفقهي والصورة النموذجية لدولة الخلافة. ومهما تحقق من تقدم علمي واقتصادي وانفتاح سياسي ظلت غالبية الشعوب العربية الإسلامية متخلفة عن اللحاق بركب التطورات الهائلة التي جرت على الصعيد الكوني، بحيث بقيت أسيرة للقوالب النمطية المستمدة مما عرف بدولة الخلافة، خاصة مع نمو وتصاعد وجود ودور قوى وحركات الإسلام السياسي، مترافقاً مع تراجع وانحسار وجود ودور القوى الوطنية والقومية واليسارية والتقدمية عموماً.

وفي السياق ذاته، فعلى الرغم من دخولنا القرن الحادي والعشرين، إلا أن مجتمعاتنا العربية مازالت في زمان القرن الخامس عشر قبل عصر النهضة، أو في زمان ما قبل الرأسمالية، وبالتالي غربة مفاهيم الديمقراطية والعلمانية والمواطنة عن هذه المجتمعات، وذلك يعود إلى رثاثة العلاقات الرأسمالية في بلادنا وتبعيتها وطابعها التجاري الوسيط – الكومبرادوري والخدمي غير المنتج، علاوة على أن معظم شرائح "البورجوازية" في بلادنا هي وليدة الطبقة شبه الإقطاعية وامتداد لمصالحها، وهي بحكم تبعيتها وطابعها التجاري، حرصت على تكريس مظاهر التخلف الاجتماعي عبر تكيفها مع الأنظمة الاوتوقراطية والثيوقراطية الحاكمة، والشواهد على ذلك كثيرة، فالمجتمع العربي لم يستوعب السمات الأساسية للثقافة العقلانية أو ثقافة التنوير، بمنطلقاتها العلمية وروحها النقدية التغييرية، وإبداعها واستكشافها المتواصل في مناخ من الحرية والديمقراطية، ففي غياب هذه السمات، يصعب إدراك الوجود المادي والوجود الاجتماعي والدور التاريخي الموضوعي للتطور أو التبلور الطبقي، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الوعي بالظلم الطبقي لدى جماهير العمال والفلاحين الفقراء واستمرار هيمنة أوضاع التخلف الاجتماعي في أوساطهم، وتعطيل إدراكهم بوجودهم الطبقي المتميز، إدراكاً ذاتياً جمعياً يلبي احتياجات التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي على المستوى ال قطر ي أو على المستوى العربي العام، ونعتبر أن السبب الرئيس لهذه الإشكالية الكبرى، يكمن في طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التاريخية المعاصرة، باعتبارها نتاج وامتداد لأنماط اقتصادية/اجتماعية من رواسب قبلية وعشائرية وشبه إقطاعية، وشبه رأسمالية، تداخلت عضوياً وتشابكت بصورة غير طبيعية، وأنتجت هذه الحالة الاجتماعية/الاقتصادية المعاصرة، المشوهة، والمتخلفة، والتابعة.
ففي هذا الزمن الذي يعيش فيه العالم، زمن الحداثة والعولمة وثورة العلم والمعلومات والاتصال، يشهد مجتمعنا العربي –على الرغم من تفجر الانتفاضات الشعبية- عودة إلى الماضي عبر تجديد عوامل التخلف فيه، فهو مجتمع غير متبلور طبقياً، مرحلي، انتقالي، تراثي، قدري بصورة عفوية، تتجاذبه حركات الإسلام السياسي السلفية، شخصاني في علاقاته الاجتماعية، يعيش حتى الوقت الحاضر مرحلة ما قبل المرحلة الصناعية والتكنولوجية، وبالتالي مرحلة ما قبل الحداثة .
أما على الصعيد الداخلي الاجتماعي، فإن "الفجوات بين الطبقات الثرية والميسورة والمحرومة، تزداد اتساعا وعمقا، وفي ظل هذه البنية الطبقية الهرمية التي تحتكر فيها القلة السلطة وثروات البلاد، تعاني الجماهير الفقيرة حالة تبعية داخلية شبيهه بالتبعية الخارجية ومتممة لها، فتمارس عليه وضده مختلف أنواع الاستغلال والهيمنة والقهر والإذلال اليومي"[9].

من هذا المنطلق، فإن الشعوب العربية بحاجة ملحة إلى العلمانية لتحقيق هدفين رئيسيين:

أولهما: تحرير المجال السياسي من أية سلطة توظف المقدس الديني لتكريس الاستغلال والاستبداد، بالموازاة مع تحرير الإنسان والعقل والإبداع.

  • تحرير الوجدان والذهنية العربية من الفكر الطوباوي، بما يفتح المجال لأن تشكل الحداثة ومفاهيمها مساراً واضحاً في الواقع العربي، لتحفر عميقاً في هذا الواقع أولوية الإنسان/الفرد ودوره ومركزيته، في سياق اجتماعي يتشكل من مجموع المواطنين الأحرار، في المعتقد والتفكير والانتماء.

ويشكل مبدأ المواطنة أحد أهم المفاهيم التي ترسخ الأسس السياسية للعلمانية، كما أن العلمانية هي مفتاح المواطنة الكاملة بين البشر. إذن ليست العلمانية وصفة بسيطة، تختصر إلى ترتيب معين يتعلق بفصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة، كما هو شائع، ويلحظ البعض أن الاهتمام الأول في النظام العلماني يتجه إلى ما يضمن المساواة التامة بين مواطنين أحرار، متحدرين من أديان وإثنيات أو مذاهب مختلفة، عبر ترتيب العلاقة بين الدين والدولة على أساس الفصل بينهما كنصابين أو حقلين مستقلين، حيث يكون هناك مقر عام للسيادة والعمومية الوطنية: الدولة، مع ترك الدين يعمل بحرية في حقول المجتمع المدني.

بمعنى آخر، إن "العلمانية رأي في الدولة وليست رأياً في الدين"، الأمر الذي ينطوي على رفض خضوع الدولة لتأثير حصري، أو منفرد لفريق – أكثر أو أقلوي – من المواطنين سواء حزباً واحداً، أو مؤسسة دينية واحدة.

المراجع:

[1]. سمير مطر: "العلمانية في العالم العربي بين الواقع وآمال التطبيق"، موقع شبكة فولتير، بتاريخ: 12 أيلول (سبتمبر) 2007، رابط الموقع: www.voltairenet.org

2. قيس عبد الكريم وفهد سليمان: قضايا نظرية، المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات، ط.1، 2012.

3. عبد الرحمن حسنين العدوي: الديمقراطية وفكرة الدولة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط.2، 2011.

4. غازي الصوراني: الديمقراطية وسؤال العلمانية في مشهد الإسلام السياسي الراهن، موقع الحوار المتمدن، 12 تموز (يوليو) 2012، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=315462

5. كريم علي السيد وهبة: صورة المرأة في التشريع: بين الأصولية والعلمانية، موقع مؤمنون بلا حدود، 17 كانون ثاني (يناير) 2018، https://www.mominoun.com/article

6. سعيد الكحل، "العلمانية في الوطن العربي"، موقع الحوار المتمدن، العدد: 1182، 29 نيسان (أبريل) 2005، www.ahewar.org

7. سفر بن عبد الرحمن الحوالي، العلمانية، نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، دار الهجرة، السعودية، 1982.

8. موسوعة ويكيبيديا بنسخها الإنكليزية والروسية والعربية.

9. غازي الصوراني: الديمقراطية وسؤال العلمانية في مشهد الإسلام السياسي الراهن، مصدر سابق.