Menu
حضارة

جل البحر يغرق.. بين الأونروا والفصائل

العاصفة والإهمال يضربان تجمّع "جل البحر" الفلسطيني جنوب لبنان

بيروت _ خاص بوابة الهدف _ انتصار الدّنّان

يتوزع اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ضمن 12 مخيًما مُسجلًا لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إلى جانب تجمعاتٍ أخرى لا تعترف بها الوكالة ولا تشملها بالخدمات الأساسية والبُنى التحتية، من بين هذه التجمعات "جل البحر"، الذي يقطنه نحو 2500 فلسطيني.

"جل البحر" الذي يُعَدّ أكثر التجمعات الفلسطينية في لبنان فقرًا، يُعاني سكّانه من أزمات عدّة جراء انعدام مُقوّمات العيش الآدمي، من مياه شرب وبنى تحتية وخدمات أساسية، إضافة للموقع الجغرافي السيئ بالقرب من البحر، وفي ظلّ هذا الواقع البائس، لا أحد يُغيث الأهالي أو يُسهم بالحدّ من معاناتهم.

ويقع التجمع عند المدخل الشمالي لمدينة صور، جنوب لبنان، أنشئ في العام 1954، ويضم حاليًا نحو 350 منزلًا، جدرانها من حجارةٍ ضعيفة مسقوفة بألواح زينكو، ما إن ترتطم بها الريح حتى تتهاوى فوق رؤوس ساكنيها.

مأساةٌ أخرى في جل البحر، تتجلّى في كلِّ شتاءٍ، فلا جُدرانٌ تقي الأهالي البردَ القارس ولا بنى تحتية أو مُساعدات إغاثية تنتشلهم من سيول مياه الأمطار وطوفان البحر الذي يُغرقهم وأطفالهم كلّما ساءت الأحوال الجوية.

f42853e7-ea39-426c-ab2a-a4a7ec0d3fd3.jpg

"بوابة الهدف" وثّقت شهادات عددٍ من سكان التجمع، الذين رووا الظروف التي مروا بها خلال العاصفة "نورما" التي ضربت لبنان مؤخرًا، وتضررت بفعلها عشرات المنازل.

اللاجئة الفلسطينية، الحاجة لطفية، قالت "بيتي هو الوحيد الذي لم تصله أمواج البحر، وذلك بفعل حفرة عميقة أُقيمت سابقًا خلفه، لكنّني لم أسلم من مياه الأمطار التي تسربت لمنزلي بشكل كبير".

ec59bdb2-b617-403d-8c34-e478835fd749.jpg

وأضافت السيدة المُسنّة التي تعود جذورها إلى قرية ترشحيا في الجليل الأعلي، بالداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، "لم أستطع النوم في فراشي بسبب المياه والبرد القارس"، وأكملت بسخرية "مياه الأمطار مفيدة، لكن لريّ البساتين لا ريّ بيتي".

وعن أحداث الليلة التي ضربت فيها العاصفة التجمّع، روَت "لقد طاف البحر على البيوت المجاورة، واجتاحت مياهه المختلطة بمياه الصرف الصحي منزل جاري، لتغمره حتى النصف، فطلب الجار النجدة من أحد أقربائه، الذي جاء وانتشله مع أفراد أسرته من المنزل الغارق".

e48f3f62-763e-4ea6-a3b9-f118ef093797.jpg

جل البحر يغرق.. بين الأونروا والفصائل

وكالة الغوث لا تقدّم أيّة خدمات للتجمع الفلسطيني، بحجّة أنه غير مسجلٍ لديها، ولسان حال الأهالي يقول "ما ذنبنا إن كُنا ولدنا هُنا ووجدنا أهلنا سبقونا باللجوء إلى هذا المكان؟".

تنتشر النفايات في التجمّع، فلا تُوجد حاويات أو أماكن مخصصة لجمعها، كما لا يُوجد عمال نظافة يقومون بهذه المهمة، كما أنّ مياه الصرف الصحي تصبّ في البحر، بسبب انعدام البنى التحتية. الحاجة لطفية قالت إنّ السكان كانوا يجمعون النفايات ومن ثمّ يجففونها ويلقون بها في البحر، قبل أن يُقدّم "الصليب الأحمر" حاويات صغيرة لفرز النفايات، لكنّ مشكلة الصرف الصحي مستمرة حتى اليوم بدون حلول.

030ccf5f-1310-457c-9b60-c61aa57ff66d (1).jpg

الظروف المعيشية الصعبة في تجمع جل البحر لم ترحم كذلك المرضى من سكانه، ومنهم السيّدة مريم، التي هاجمت أمواج البحر منزلها، خلال العاصفة، وتسببت بغرق الأثاث وكل ما فيه من مُقتنيات.

قالت السيّدة المُسنّة "إلى أين يُمكنني الذهاب، لا أملك سوى هذا المنزل، لذا بقيتُ فيه، وهذا الأثاث الذي تضرر، لا أملك حتى تبديله، لا أحد هُنا يُقدم المساعدات لنا، لا فصائل ولا أونروا".

القصص متشابهة في التجمع الفلسطيني، الذي تتواصل مآسيه منذ عام النكبة حتى اليوم، فلا خدمات ولا أعمال ولا حياة إنسانية كريمة لسكانه. تقول اللاجئة خديجة محمود "عندما اشتدّت رياح العاصفة، هاج البحر ودخلت المياه إلى بيتنا، لم نستطع النوم ليومين متتاليين من شدة البرد".

19a998a7-11b3-4a3d-af1d-5933dc3343f9.jpg

منزل العائلة الذي جرى ترميمه منذ سنوات قليلة، من خلال منحة نرويجية، بات غارقًا بأثاثه وكلّ محتوياته في المياه، تقول السيّدة خديجة "بتنا معرضين للتهجير مرة أخرى".

بعض أهالي التجمع أشاروا للهدف أنّهم يرزحون تحت تهديد الترحيل والطرد من أرضهم، في ظلّ ملاحقتهم قضائيًا من قبَل أشخاص يدّعون أنهم أصحاب الأرض، وهو ما يُشكك الأهالي بصحّته، ويقولون أنّ الأرض التي يقطنونها "أرض وقفٍ للمطرانية"، وليست ملكية خاصة. وبسبب وجود قضايا مرفوعة ضد بعض الأهالي، باتوا اليوم ممنوعين من بناء أي منشأة، وسط تهديدات بالسجن.

اللاجئ الفلسطيني أبو إبراهيم قال للهدف "إن منزلي ملاصقٌ للبحر، ما جعله عرضةً لارتطام الأمواج طوال أيام العاصفة، وكذلك مياه الأمطار، التي لا تحمينا منها أسقف الزينكو".

وتابع أبو إبراهيم في حديثه للهدف "لو كنّا في الشارع واحتمينا في مدخل إحدى البنايات لكان وضعنا أفضل"، مضيفًا "لا أحد يهتمّ لأمرنا؛ الأونروا لا تقدم لنا الخدمات المطلوبة وتقول إننا نقطن في تجمعٍ وليس مخيم، كما أنّ الجمعيات تمتنع عن تقديم الخدمات لنا، سيما الترميم".

اللاجئ أبو خليل، لم يكُن حاله أفضل، فمنزله قريبٌ جدًا من البحر، وخلال العاصفة تدفقت إليه المياه من كل الجهات، ولا قدرة لديه الآن على إصلاح ما تضرر بسبب الوضع الاقتصادي السيء.

خدمات هشّة

مسؤول منطقة صور في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، أحمد مراد، قال للهدف: "إنّ تجمّع جل البحر محرومٌ من الخدمات الأساسية، ويُعاني سكانه الأمرين في ظل عدم وجود مياه الشرب، وتكدّس النفايات، وانعدام الكهرباء، تحت ذريعة أنه تجمع وليس مخيمًا"، مُضيفًا أن "الأهالي ممنوعون كذلك من البناء أو حتى ترميم ما يتضرر من منازلهم الآيلة للسقوط، في ظل حرمانهم من إدخال الإسمنت، يتزامن هذا مع تهديدات متكررة من السلطات اللبنانية بإزالة التجمع بالكامل".

وعن مشكلة فيضان مياه البحر على منازل السكان، قال إنّه "جرى منذ مدّة بناء سدٍ بحري للتخفيف من أضرار الفيضان، غير أنّ البناء لم يُستكمل، وظلّ عدد من بيوت الأهالي مُعرضٌ لمياه البحر".

ووفق مراد فإنّ الكثير من المشكلات يُعالجها الأهالي وحدهم، وبعض القضايا الصغيرة يُحاولون معالجتها عبر علاقات شخصية واتصالات مع بلدية صور، وكذلك بلدية العباسية التي يتبع لها التجمع، إلى جانب بعض القوى اللبنانية.

وتحدّث عن بعض المساعدات التي تُقدّمها جهات دولية ومحلية، إلّا أنها تقتصر فقط على تقديم أغطية وفراش فقط!.

يتمنى الفلسطينيون لو يسيرون في الحال نحو فلسطين، تاركين خلفهم حتى الملابس التي لا يستطيعون شراء غيرها إن فقدوها، بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشونها. ولا يحتاجون الآن إلّا العيش بحياةً كريمة كي يستطيعوا النضال من أجل عودتهم إلى أرضهم التي هجروا منها. فهل تستيقظ الفصائل لإسنادهم؟! أو تصحو الأونروا لإغاثتهم؟!