Menu
حضارة

عن الأسير.. عن الشارع

بوابة الهدف

غزة_ بوابة الهدف

لم تتورع إدارة مصلحة السجون الصهيونية عن نشر مقاطع من الفيديو تسجل قمعها للأسرى الفلسطينيين في معتقل عوفر، وذلك فعل من يدرك غياب الرادع الحقيقي، وزيف الادعاءات القيميّة التي تعلنها المنظومة الدولية بمركباتها المختلفة.

جرائم الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين لم تبدأ بهذه الجريمة التي طالت أسرانا في معتقل عوفر مؤخرًا، فتاريخ الحركة الأسيرة ونضال شعبنا دون مئات آلاف الجرائم الاحتلالية، التي لم تبدأ بالتعذيب والتنكيل، ولم تنته بمنع الزيارات، أو حرمان الأسرى من العناية الطبية، هذا عطفًا على الجريمة الأساسية المرتبطة بوجود الاحتلال، واحتجاز أصحاب الأرض الأصليين كأسرى دون وجه حق، ولكن ما يلفت الانتباه هو الهجوم الصهيوني الوحشي الهادف لانتزاع كل ما حققته الحركة الأسيرة من انجازات وطنية، عمدت بدماء الشهداء، وبتضحيات عشرات وربما مئات الآلاف من الأسرى الذين خاضوا الإضرابات المتتالية عن الطعام، وقارعوا الاحتلال رغم ضيق الزنزانة التي لم تحبس سعة الفكرة، و عظمة الإرادة، وقوة الاتصال بين الأسير وقوة شعبه.

قد نتمكن من تجرع جنوح الكثير من أبناء شعبنا لتحليل سياسات الاحتلال عوضًا عن مواجهتها، و بذلك نصنف الهجوم المتزايد على أسرانا من قبل الاحتلال بوصفه نوع من المزايدة الانتخابية بين أقطاب حكومة الاحتلال، ولكن هذا يغيب جزء من الحقيقة، أو بالأصح يتعامى عنها، فالاحتلال يستفيد من حالة الضعف الفلسطيني العام، وتراجع الحالة التضامنية مع الأسرى، ليس فصائليًا أو رسميًا فحسب، ولكن حتى جماهيريًا، وعلى مستوى أبسط البنى والحالات والتراكيب الشعبية التي نهضت بمهمة إسناد الإضرابات الأخيرة للأسرى في السنوات السابقة (2006- 2014)، وكأنّ كسر كبير لحق بالإرادة الشعبية الفلسطينية، كسر بلغ ضرره أنه فكك الحالة التضامنية البديهية والفطرية مع قضية الأسرى ومعاناتهم اليومية، باختصار خطير لقد ظهر الأمر كما لو كنا تركنا أبنائنا وراء قضبان الاحتلال، وأدرنا ظهورنا لهم وهو ما تدركه حكومة الاحتلال وأجهزتها الأمنية، وتسعى لاستثماره، أولًا لكسر إرادة الحركة الأسيرة، وثانيًا وهو الأخطر لتعميم نموذج الاستسلام على الكل الفلسطيني وسحق أي استثناءات او جيوب للمقاومة والصمود الفلسطيني، والذي طالما شكلت الحركة الأسيرة عنوانًا له كنموذج، وفتيل لإشعال الجهد الشعبي الوطني المضاد للاحتلال.

أمام ما يجري تبدو المناشدات عارٌ آخر يلحق بنا، وصمت على شاكلة نداء واهن مهزوم، فيما يصرخ الشارع بأنه الحل، حيث تحترق كل رايات البؤس والاستسلام، وتشهر الحجارة على خطوط التماس، معلنة عن إرادة هذا الشعب الأبي، معلنة عن التحامه الدائم بالواقفين في الخندق الأول، بالأسرى والشهداء، وإذا كان ثمة معنى تبسيطي للفعل المقاوم اليوم، ولرفض وجود الكيان الصهيوني وسياساته، والتمسك بحريتنا وقضيتنا، فهذا المعنى يتجسد في طي المسافة القصيرة التي تفصل معتقل عوفر عن تجمعاتنا السكنية ومدننا وبلداتنا، وفي أن يسمع الأسير صوت الجماهير، ويرى انعكاس فعلهم في عيون السجانين المهزومة متى ما ثار هذا الشعب وانتفض.

فلعل المفارقة تكمن في كون فعل التلاحم مع الأسير يجب أن يكون في هذا الفضاء الفسيح الحر المسمى الشارع والميدان، فضيق الزنزانة والمعتقل الذي يعيشه الأسير ما كان إلّا ثمنًا لحريّتنا وحقنا في النزول لشوارعنا ومقارعة المحتل فيها.