Menu
حضارة

لماذا لا تزال الحرب قائمة في سورية؟

حاتم استانبولي

"الحرب على سورية ومعها وفيها هي حرب مركبة، أخذت أبعادًا مركبة عميقة، وأشكال مختلفة استخدمت فيها كل الأدوات والوسائل الممكنة والمتاحة، من أجل ترويضها في حدها الأدنى، وإسقاطها وتفتيتها في حدها الاقصى".

مدخل:

منذ أن تفككت منظومة الدول الاشتراكية بدأ العالم يقاد من قبل قطب واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية التي استثمرت نتائج انهيار المنظومة الاشتراكية لتتربع على رأس الهرم الدولي لتملي سياساتها من خلال التلاعب بالمكونات الداخلية للبلدان، من أجل تفكيكها وإعادة تركيبها مستثمرة البعد التاريخي للمكونات الداخلية من خلال النبش بالتعارضات الدينية والمذهبية والقومية والإثنية، تحت شعار الحرية والعدالة والمساواة.

ومن ناحية أخرى فان 11 أيلول 2001، أعطى مبررات للولايات المتحدة الأمريكية، أن تعمم المفهوم الأمريكي الصهيوني للإرهاب، الذي يتناقض مع المفهوم الدولي القانوني لحق تقرير المصير للشعوب التي ترزح تحت الاحتلال. هذا جعل "إسرائيل" خارج المسائلة القانونية) كدولة (استيطانية استعمارية محتلة لفلسطين.

أما البعد الثالث لكي نفهم التعارض في الموقف الأمريكي علينا التدقيق ورؤية موقف الثنائي الحزبي الأمريكي (الجمهوري والديمقراطي)، اللذان يتداولان السلطة ورؤيتهما لتحقيق مصالحهما على الصعيد الدولي. إن سياسة إسقاط الأنظمة التي ينتهجها الجمهوريون عبر التدخل المباشر لإسقاط النظم المتعارضة مع سياساتها ودعم النظم الحليفة، كما حدث في افغانستان والعراق.

أما الديمقراطيون يدعمون التلاعب في المكونات الداخلية للبلدان تحت عنوان إشاعة الديمقراطية؛ لتغيير النظم أحيانا، وللضغط على أخرى لتمرير سياساتها ومصالحها.

ماذا حدث في سوريا؟

وكيف تعاملت القوى الخارجية مع ما جرى ويجري في سوريا؟

ولماذا الحرب على سوريا أخذت أبعاد إقليمية ودولية وأصبح الصراع يعني إعادة التوازن للمنظومة الدولية؟

البعد السياسي:

بعد 1990 شكلت سوريا نموذجا خارجا عن المألوف في وضع دولي حسم لصالح القوى الرأسمالية وتهاوت النظم الاشتراكية، وتغيرت التحالفات الدولية، ورغم كل ذلك بقيت سورية متماسكة، وعززت من حضورها، ووقفت أمام الضغط الأمريكي الذي ساومها على مواقفها القومية (دعمها للمقاومة اللبنانية والفلسطينية). وفي هذا السياق كانت زيارة كولن باول لسورية بعد غزو العراق، ووضعه شروط وخيارات استسلام أمريكية لسورية التي رفضها الرئيس بشار الأسد كانت إيذانا للأمريكي بأن محاولات ارضاخ واحتواء سورية فشلت.

 نتائج الزيارة الفاشلة أخرجت الملف السوري من خانة الاحتواء لخانة تغيير النظام عبر استخدام قوى داخلية من بنية النظام مستثمرة اغتيال الرئيس الحريري، ولكن هذا الخيار سقط عبر انكشاف رموزه، وترك أثارا سلبية استخدمتها القوى المعادية بشكل مزدوج ضد سورية والمقاومة اللبنانية (حزب الله).

وبعد حرب تموز 2006 ونجاح المقاومة بالتصدي للعدوان ودحره، هذا العدوان الذي كان قرارا أمريكيا واضحا كشفته المواقف الإسرائيلية لاحقا.

إضافة لفشل الاعتداءات على غزة، وتغير المشهد العراقي لصالح قوى المقاومة العراقية، جعل الإدارة الأمريكية تدرك أن سورية وصمودها ودعمها للمقاومة اللبنانية والسورية والعراقية ونجاحها في استثمار القدرات الإيرانية في المجابهة مع المستعمر الاستيطاني ودعم الخيارات المقاومة في النظام الايراني وإخراجه من بعده الديني لبعده التحرري، مما شكل احراجا للقوى الدينية السنية الرسمية في النظام الرسمي العربي.

البعض يتحدث عن احتواء إيراني لسورية، ولكن المدقق في الصورة، فإن سورية بتحالفها مع إيران عززت الموقف التحرري للنظام الإيراني، وأضفى طابعا وطنيا تحرريا لعبائته الدينية، مما جعله متصادما من على الأرضية الوطنية التحررية مع القوى المعادية من رجعيات متحالفة مع أمريكا وحليفتها إسرائيل.

البعد الاقتصادي:

 سورية شكلت نموذجا فريدا في منطقة دولها غارقة في ديونها مما أفقدها استقلالها السياسي والاقتصادي،  وجعل شعوبها تنظر للمثل السوري نموذجا يعبر عن الاكتفاء الذاتي غذائيا وتعليميا وصحيا، وعزز مكانة الدولة واستقلاليتها، وجعلها نموذجا لشعوب المنطقة.

إن اعتماد سياسة اقتصادية قائمة على القطاع العام، وتعزيز القطاع الخاص، ودعم الاقتصاد المنزلي، عزز من استقلالية سورية الاقتصادية، مما جعلها خارج تأثير مراكز رأس المال المالي (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) المتحكمة بمصير دول المنطقة.

ثقافيا:

سورية تاريخيا بكل ما تعنيه من إرث تاريخي، وثقافي، واجتماعي، وسياسي، وحضاري، وتنوع إثني وعرقي وديني مذهبي، تعد نموذجا فريدا ونقيضا للنموذج القادم القائم على أساس الصفاء السامي والديني. إن قيام دولة يهودية لا يمكن أن يتم بوجود سورية، وهنا أود أن أوضح أنني أقصد سورية التاريخية، فلا بد من تحطيم وتفتيت هذا النموذج، وإنشاء نماذج مذهبية عرقية دينية متصارعة تتيح للدولة اليهودية المنشودة مبررات إنشائها كون العامل الوطني يسقط أمام العامل الديني.

هنا تكمن جوهر الفكرة العنصرية الفاشية التي تستخدم الفكرة الإلهية مبرر للقتل والتفرقة والتفتيت. هذا ما يريدونه من إسقاط النموذج السوري التاريخي ... ويبرر لأي عملية تطهير عرقي تتم في فلسطين.

برأيي، إن سورية شكلت عقبة ونموذجا مخالفا ومتناقضا مع المشروع الامريكي الصهيوني، الذي أراد استثمار اللحظة التاريخية الدولية الجديدة لبسط سيطرته السياسية والاقتصادية والثقافية على المنطقة.

هذا لا يعني أن سورية كانت نموذجا افلاطونيا، بالتأكيد فإن للتجربة أخطاء استطاعت قوى العدوان التسلل من خلالها لتنقض على سورية من أجل تفتيتها.

الوضع السياسي السوري ما قبل الأحداث كان حزب البعث القائد الرسمي الشكلي للحكم في سوريا، وبتحالف شكلي مع أحزاب تاريخية فقدت دورها الفاعل شعبيا، وفي المقابل كان الإخوان المسلمين والقوميين إضافة إلى الشيوعيين الذين تعارضوا مع سياسات حزبهم منذ بداية السبعينيات، وشكلوا إطارا خاصا بهم، وحولهم مجموعة من الماركسيين وتجاه في البعث الذي تعارض مع سياسيات ما بعد الحركة التصحيحية وبعض الاتجاهات المدنية. هذه كانت لوحة تعدد وتوزع القوى الرئيسية.

  كيف كانت صيغة العلاقة بين هذه القوى؟

سياسيا:

 الجميع سلطة ومعارضة كان يجمعهم أرضية مشتركة متصادمة مع الكيان الصهيوني، وخلافهم على شكل مواجهته دائما، حيث كان هنالك منظورين رسمي وآخر شعبي، تراجع المنظور الرسمي لصالح الشعبي (الذي تدعمه سورية المقاومة).

اتفاقية كامب ديفيد شكلت مفصلا تاريخيا حول شكل وطابع الصراع مع الكيان الصهيوني، وتعمق الخلاف وإزداد بعد الغزو الإسرائيلي لبيروت وخروج المقاومة الفلسطينية عام ٨٢ ، وتبعها بسنوات اتفاقات أوسلو ووادي عربة.

كانت كل الخطوات والأحداث تدفع لمحاصرة المنظور الرسمي وترفع خيارات المنظور الشعبي المقاوم، وتأكد ذلك في عدوان ٢٠٠٦، على لبنان، و٢٠٠٨ على غزة، وجرى أوسع التفاف شعبي عربي وعالمي حول هذا الخيار، مما دق ناقوس الخطر على الجبهة المقابلة لمشروع المقاومة، وخاصة الرسمية العربية منها، وفي هذه اللحظة كان هنالك أوسع التفاف حول سورية الرسمية والشعبية والخيار الشعبي المقاوم.

أين المعارضة من ذلك؟

 لم يكن هنالك أي محاولات جدية للمعارضة بتوحيد صفوفها على أرضية برنامج يعزز الموقف السياسي الشعبي المقاوم سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا، كان فعلها ضعيف وإلحاقي ومن خارج تحالف السلطة، لم يقدم رؤية جمعية تكون قادرة على احتواء التعارض مع القوى المعارضة الأخرى. ناهيك عن القمع التي تعرضت له بعض القوى والشخصيات، مما دفعها لتأخذ مواقف أكثر عدائية من النظام.

 إن الخطأ الأكبر للنظام، إنه لم يفتح قنوات حوار جدية مع قوى سياسية واجتماعية تتعارض معه في رؤيته لإدارة الدولة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. هذا عن موقف القوى اليسارية والقومية.

 أما عن الإخوان المسلمون: فقد تصادموا مع الدولة منذ أواسط السبعينيات، وحاولوا إسقاط الدولة باستعمال العنف المسلح في بداية الثمانينيات ولم ينجحوا، بذلك أعطوا مبررا للدولة لتوسيع سيطرة يدها الأمنية لتشمل كافة القوى، ولم تسعَ السلطة لإيجاد أي صيغة توافقية مع المعارضة اليسارية والقومية، واستمر هذا الوضع وتعمق بعد دخول عوامل خارجية على الصراع، كان للإخوان الدور الرئيسي به بحكم امتداداتهم وعلاقاتهم الخارجية المتشعبة، وبدؤوا ومنذ أواخر التسعينيات بصياغة علاقات وطيدة مع الأجهزة الأمريكية عززت من دورهم لاحقا، حيث طبعوا رؤيتهم لإدارة الصراع التناحري مع الدولة مدعومين بالمتغيرات الناتجة عن الحراك العربي، وأعادوا إنتاج رؤيتهم في حل التناقض عن طريق العنف المسلح، وبذلك أعطوا مبررات مرة أخرى لسيطرة العقلية الأمنية لبعض أجنحة النظام من جهة، وتدخل القوى الخارجية التي رأت أنها الفرصة المؤاتية للانقضاض على سورية لإسقاطها وتفتيتها، وهنا تلاقت المصالح الصهيونية الغربية مع مصالح الأنظمة الرجعية القبلية وقوى داخلية جمعتها مصالح متعددة ومتشابكة التي رأت أن الفرصة سانحة للانتقام والثأر لكرامتها المجروحة من خطاب الرئيس بعد انتصار 2006، على مدرج جامعة دمشق الذي (وصفهم بلابسي الفساتين)، ووجدت الأرضية المشتركة بين الوهابية والإخوان المسلمون، وفتحوا الطريق للتدخل الخارجي وبدؤوا بإعلان ثورتهم.

عن أي ثورة يتكلمون؟ ما هو مفهومهم للثورة؟ ما هو برنامجهم للتغيير؟

 الفكر الديني الذي توظفه حركة الإخوان المسلمين لمصالح سياسية لا يمكن أن يكون منطلقا لثورة اجتماعية تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والمشاركة، فهم لا يملكون رؤية أو برنامج. إن معيار تطبيق القوانين الإلهية لا يمكن أن يفصل بها بني البشر مهما علت درجاتهم، وبعكس ذلك فإنهم يضعوا أنفسهم بالدرجة الإلهية، ويستبدلوا حساب الآخرة بالدنياـ

فإن تفسير القضاء الإلهي قائم على أساس محاسبة البشر حصرا كل على سلوكهم الفردي، وهنالك نص ديني واضح بذلك على الأقل في الدين الإسلامي. أما تنظيم العلاقات الإنسانية، فإنها تقوم على القوانين المدنية، فالحكم والفصل بها يعود للقوانين الإنسانية، لكن عند الخلط بين القانون الإنساني والديني فإنها تقود إلى الفوضى القانونية، ويصبح كل فرد أو جماعة دينية تملك الحق بتطبيق القوانين الإلهية خارج منظومة القوانين المدنية، ويرتبط تطبيقها بمدى الوعي والمصلحة، وتراها تتناقض ما بينها، وأحيانا تتناحر على تفسير النص الديني فيما بينها، وتقف مجتمعة ضد الوطن ومنظومة الدولة.

 لهذا لا يمكن الحديث عن ثورة تقودها قوة سياسية دينية، لأنها حتما تقود للإقصاء والتمييز ووحدانية التمثيل الإلهي، وتصادر القوانين الإنسانية المدنية لصالح رؤية الجماعة لتفسيرها الحصري للنص الديني، مما يؤدي لسيادة الفوضى والتطرف والتشرذم والتفتيت. هذه الخلفية المعرفية للإخوان المسلمين وتفريخاتهم من قاعدة وداعش وأخواتهن.

القوى والشخصيات (اليسارية والقومية):

وجدت القوى والشخصيات (اليسارية والقومية) نفسها أمام وقائع لم تكن جاهزة لخياراتها، ولا تملك رؤية متكاملة للتغيير وأدواته وأساليبه، لذلك تشرذمت بين من لحق بالإخوان، وبين من راوح مكانه، مما جعله عاجزا عن ملاحقة التطورات التي أصبح يحكمها العامل الخارجي. ومرة أخرى تشرذمت بين من التحق بالخيار العسكري، وآخر بالحكومة وآخر ضاع بين الاثنين.

أما الذي حمل موقف لا للعسكرة، ولا للحل الأمني، ولا للتدخل الخارجي، هذا التيار كان ممكن أن يلعب دورا مهما لو التقط اللحظة التي مد النظام يده للتعاون، من خلال الدعوات للمشاركة في صياغة الدستور الجديد والانتخابات لمجلس الشعب والبلديات.

كان ممكن أن يشكل مع القوميين السوريين والجبهة الشعبية رافعة للمطالب الشعبية الديمقراطية، ولكن لم يفعل بسبب أوهام سيطرت بأن النظام سوف يسقط خلال أسابيع أو أشهر، كما حدث في ليبيا . ولم يقم أي من أطراف المعارضة بتقديم برنامج واضح ومحدد لإخراج الدولة من المأزق الذي هي فيه والمسؤولية تشمل الجميع سلطة ومعارضة.

 

لم تدرك المعارضة الوطنية أن إنجاز التغيير الديمقراطي بالضربة القاضية وهم يجب أن يخرج من رؤوس اليساريين والديمقراطيين، وسياسة تسجيل النقاط التراكمية على أرضية برنامج ملموس للتغيير الديمقراطي هو الممكن، مع أهمية إدراك جدلية العلاقة بين الوطن والدولة والنظام، والحرص الدائم على أن التعارض مع النظام يجب أن لا يقود إلى تدمير مؤسسات الدولة، أو تحويل التعارض إلى تناحر يؤدي لتمزيق الوطن، هذه العلاقة التي لم يدركها بعض اليساريين الذين ذهبوا بعيدا في تحويل النقمة على السلوكيات الخاطئة لبعض اتجاهات النظام التي كانت أصلا مرتبطة بقوى خارجية، إلى نقمة على مؤسسات الدولة لتدميرها، وتحولت إلى ممر لدخول القوى المعادية لسورية الوطن.

 الأزمة السورية كشفت أن أعداء سورية كانوا مجموعات جمعها التعارض مع توجهات سورية الوطنية التحررية، إن كانوا من داخل منظومة النظام أم خارجها، وبدعم إقليمي ودولي.

أما عن العامل الخارجي، إن كان إقليميا أو دوليا، فلكل منهم كان له حيزا للحركة، وممرا للتدخل، فبعضهم لعب بورقة الإخوان المسلمون وبعضهم لعب بالورقة الكردية.

واللافت أن هذه الدول التي رفعت شعار محاربة الإرهاب وغزت دولا وأسقطت أنظمة تحت هذا العنوان، هذه الدول هي من دفعت واستثمرت في تمويل استخدام العنف المسلح لإسقاط النظام. وهي التي طلبت وشجعت دول الخليج لضخ الأموال لشراء الذمم الضعيفة في مؤسسات النظام والدولة، وكان تركيزها على مؤسسة الجيش في محاولة لتحييده أولا وتفتيته إذا ما فشل تحييده أو اخضاعه. وهي التي أحبطت محاولات النظام لاستيعاب الأحداث عبر إطلاقه لعدة مرات للعفو العام ومناشداته لمن حمل السلاح للعودة.

الجميع يذكر تصريحات هيلاري كلينتون التي دعت أبناء حمص، وخاصة أبناء حي بابا عمرو، بأن لا يلقوا السلاح،  بل دفعتهم للاستمرار في خيار العنف والإرهاب، كطريق لإسقاط النظام، الذي تحول لاحقا لشعار إسقاط وتفتيت للدولة.

وزير خارجية فرنسا يؤكد أمام اجتماع دبلن للاتحاد الأوروبي آذار عام 2013، بأنه وحكومته على معرفة دقيقة بالمجموعات المسلحة في سوريا، وهو أي حكومته تضمن وصول السلاح للأيدي الصحيحة لقلب ميزان القوى على الأرض.

الوقوف أمام هذا التصريح:

أولا: يعني أن فرنسا رسميا أعلنت الحرب على سوريا وبصورة علنية.

ثانيا: يعني أنها مسؤولة بشكل رسمي عن المجموعات المسلحة وأعمالها على الأرض السورية، بما فيها الجرائم بحق المدنيين.

 ثالثا: يؤكد أن الذي يجري في سوريا هو حرب ضد الدولة السورية لإعادة الوصاية الفرنسية بواجهة دينية، ويؤكد زيف إدعاءاتهم بشأن الحرية والديمقراطية. والتهديد بالقيام بذلك منفردة مع حليفتها بريطانيا يكشف كذب إدعاءاتهم بشأن التزامهم بالقانون الدولي، وأن هذا القانون فقط موجود للاستعمال ضد الدول غير الخاضعة لشروطهم.

أما الزيارة غير الشرعية  للسيناتور الأمريكي جون ماكين للشمال السوري، والتقائه بقادة المجموعات المسلحة، ووعوده بالضغط على الرئيس أوباما وإدارته لتقديم الدعم المالي واللوجستي لهم، يوضح مدى التدخل الأمريكي والغربي في الشأن السوري، حتى إن دولا معروفة بسلميتها مثل الدول الاسكندنافية دخلت على خط الأزمة السورية وشنت أشرس حملة إعلامية ضد سورية، واصفة النظام بالديكتاتوري القاتل لشعبه، وطيلة سنوات الأزمة لم تتطرق إلى عنف وإرهاب المجموعات المتطرفة، حتى وصل تطرفها للداخل الأوروبي حينها تحدثت بخجل عن أفعالها.

من الواضح أن موقف الدول الغربية كان أكثر تطرفا من الموقف الأمريكي بالشأنين الليبي والسوري. وهذا يعود لمدى تأثير بعض الدول الخليجية التي استخدمت أموالها في حشد أكبر جبهة معادية لسورية، إلى جانب العامل الإسرائيلي الذي كان يقف خلف مواقف هذه الدول.

العامل الإسرائيلي:

المصلحة الإسرائيلية كانت واضحة وحاسمة منذ البداية في خيار إسقاط الدولة وتفتيتها، ليفتح الباب لضم الجولان كثمرة، حيث إن التفتيت كان سيلغي قانونيا الإطار الذي حاربها من أجل فلسطين والجولان، وبذلك سيتحقق أوتوماتيكيا ضم الجولان كثمن لجهودها في دعم إسقاط الدولة السورية وتفتيتها لدويلات طائفية ومذهبية تؤمن ترابطا سنيا من محافظة حمص للأنبار وصلاح الدين في العراق، فكانت داعش أداة التدمير الذاتي، داعش التي ظهرت وأعطيت الفرصة للتمدد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا تحت أعين التحالف الدولي. والمدقق فإن داعش لم تطرح أية رؤية معادية للتحالف أو لإسرائيل، وإنما كانت أداة تدمير ذاتي لبنية الدولتين السورية والعراقية. ولم تخض أية معارك مفتوحة مع التحالف الدولي، وإنما تعايشت معه ومع إسرائيل في الحدود الشرقية والجنوبية الغربية.

 كانت إسرائيل واضحة في دعمها للطموح الكردي في الانفصال عن العراق وسوريا لإنشاء دولتهم. وإذا تحقق ذلك، تكون قد نقلت المعركة المذهبية للحدود الإيرانية، ومنها للداخل الايراني، وعزلت حزب الله عن عمقه السوري الإيراني، وتكون قوضت النفوذ الروسي في المنطقة.

الدول المعتدلة الخليجية ومن يدور بفلكها:

هذه الدول التي استثمرت في المجموعات المسلحة المغلفة بشخصيات يسارية تحت عناوين ديمقراطية، أو علمانية، هذه الشعارات التي تتناقض مع بنية الأنظمة القبلية والعائلية التي لا تعير أي اهتمام للديمقراطية، أو العدالة، أو المساواة، هذه المفاهيم التي تتناقض مع بنية هذه الأنظمة. السؤال الذي لم يتم الإجابة عليه من قبل الشخصيات اليسارية التي اتخذت مقرا لها في الدوحة والرياض: كيف لهذه الإمارات التي لا تعير وزنا لمعايير الديمقراطية من حرية وعدالة ومساواة في بلدانها أن تكون لها مصداقية لدعم تعزيز الديمقراطية، أو العدالة، أو المساواة في سورية؟

الإعلام وحرب المصطلحات والشعارات:

وفي جانب آخر كانت تخاض حرب إعلامية استخدمت فيها كل وسائل الترويج في محاولة لشيطنة النظام، وأسست استوديوهات لتلفيق الأكاذيب وضخ مجموعة من المصطلحات كالديكتاتورية، والنظام القاتل لشعبه، والنظام العميل لإسرائيل، الذي لم يطلق أية طلقة من الجولان.. الخ، والتركيز على شخص الرئيس، وأن المشكلة تتلخص بشخصه وذهابه يعني انتهاء الأزمة والمجموعات المسلحة.

وفي ذات الوقت كان هنالك تشريع للحرب المذهبية والطائفية، استخدمت فيها أبشع الوسائل والأدوات الإرهابية، ناهيك عن الحصار الاقتصادي والمعنوي والسياسي، وإخراج سوريا قصرا من مؤسسات الجامعة العربية. كل ذلك تم لمدة عامين تركت سوريا وحدها تواجه كل هذا الحلف العربي والدولي، الذي اجتمع في تونس تحت عنوان أصدقاء الشعب السوري.

وبعد أن فشلت محاولات (حلفاء سوريا) للتقريب بين وجهات النظر، وأدركوا أن أبعاد الحرب مع سوريا اعمق مما هو ظاهر، وأصبحت تطال وجودهم، بدأ التدخل المباشر من قبل حزب الله الذي تدرج في إعلان مشاركته في الدفاع عن سوريا الدولة وسرعان ما انقلبت الصورة الميدانية.

في هذا الأثناء كانت تخاض حوارات عميقة في روسيا حول الموقف من ما يجري في سوريا، وهل تترك سوريا لمصيرها كما حدث مع ليبيا؟ وما هو مصير القانون الدولي إذا ما نجح الغرب في تدمير الدولة السورية عبر ذئابها؟ وهل ستتوقف الذئاب التي جمعت من كل أصقاع الأرض في سوريا والعراق؟ أم أنه سيعاد إطلاقها شرقا لتطال عمق الأمن القومي لروسيا وحلفائها؟

كانت الإجابة واضحة من خلال كلمة الرئيس بوتين من على منبر الأمم المتحدة بتاريخ 28 سبتمبر 2015، وأعلن ان روسيا لن تسمح بتقويض أسس القانون الدولي في الحفاظ على استقلالية الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة. وأعلن تدخل روسيا عسكريا للحفاظ على الدولة السورية، وعدم تشريع أساليب إسقاط النظم عبر المجموعات الإرهابية المسلحة.

وبهذا الإعلان تغير طابع الحرب من حرب مع سوريا، لحرب على  سوريا، في سورية، وأصبح التسابق لحسم الحرب هدفا لكلا المعسكرين. وتغير خطاب الإدارة الأمريكية التي كانت ترجح أن الحرب ستنتهي خلال 30 عاما.

التدخل الروسي المباشر وضع جميع الأطراف الإقليمية والدولية المعادية لسورية في مأزق، وغير مسار الحرب وعنوانها، من حرب لإسقاط النظام إلى حرب لإسقاط داعش وأخواتها، من حيث الشكل، لكن جوهر الصراع كان صراعا مع سورية وعليها.

تغيرت عناصر الصراع من داخلية إلى إقليمية ودولية، وأصبحت سورية هي معيار وناظم لتغيير ميزان القوى الدولي، والميدان السوري فتح الباب لعالم جديد متعدد الأقطاب. أي إن سورية أعادت التوازن للنظام الدولي والاعتبار للقانون الدولي، وانخفضت الطموحات من إسقاط الدولة والنظام، إلى مشاركة المعارضة، وإلى تغييرات دستورية تحت مظلة الرئيس، كانت سورية أعلنت مرارا إنها ليست ضدها.

الخاسر الأكبر من انقلاب الصورة في الميدان السوري هي إسرائيل، حيث فقدت زمام المبادرة ميدانيا من خلال أدواتها، وأمعنت بالخسارة عندما تمادت وواجهت إيران وحزب الله على الأرض السورية، وحسمت خسارتها عندما استفزت صبر روسيا وكانت سببا في إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية ومقتل جنودها.

أما الخاسر الثاني، فهي تركيا بالرغم من ما يشاع، إلا أن الموقف التركي في سوريا في مأزق، حيث لا يمكنه الاستمرار في لعبة القفز على الحبال، وإن لحظة حسم الخيارات تقترب ما بين مصالحه القومية وأمنه القومي، الذي يلعب العامل الكردي معيارا لحركته وتموضعه المستقبلي، وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال عودة السيادة السورية على كامل الأراضي السورية لحدودها الدولية، وهي معركة قانونية تخوضها سورية مع حلفائها في إطار الحل السياسي.  المظلة الروسية الإيرانية هي تشكل عامل ضامن لاحتواء الموقف التركي، ودفعه ليتصادم مع الموقف الأمريكي، الذي يلعب بالورقة الكردية كعامل ضغط مزدوج على الحكومتين السورية والتركية.

الخاسر الفاشل الثالث، أنظمة الخليج وحلفائهم، حيث خسروا أموالهم وكشف دورهم وتحالفهم مع إسرائيل، الذي تبجح رئيس وزرائها من على منصة الأمم المتحدة أن علاقات إسرائيل مع دول الخليج أصبحت علاقات تحالفية، يجمعهم العداء لسوريا وإيران والمقاومة اللبنانية والفلسطينية.

أما الخاسر الأكبر، فقد كانت القضية الفلسطينية التي تحكمت بها خيارات التفاوض العبثي، والحل الديني(حماس) التي انقلبت على الحليف الصادق الوفي الذي دعم غزة عندما تركت وحيدة.

المصطلحات والشعارات: على مدى السنوات السابقة استخدمت العديد من المصطلحات والشعارات لشيطنة النظام، وتجريم الرئيس بشار الأسد، وسأتوقف عند شعار تنحي الرئيس، أو إسقاطه حتى وصلت بعضها للدعوة لاغتياله، وهي المرجحة الوحيدة القائمة الآن.

قبل سبعة سنوات اجتمع ممثلي ما يزيد عن مائة دولة في تونس، واتُخذت قرارات عرمرمية بشأن الدولة السورية، تمحورت حول شرعية الرئيس السوري، وطالبته بالمغادرة الفورية، وقدمتْ له خيارات إما ترحل طوعاً أو ترحل حربا. وأكدت الأحداث أنها عملت على توفير كل عناصر رؤيتها للتغيير طوعاً أو حرباً، وقدّمت نموذجين، أولهما التغيير الطوعي الذي حدث في تونس وهروب الرئيس زين العابدين إلى السعودية، وحرباً عبر تعميم الفوضى في ليبيا واغتيال الرئيس الليبي.

والكل يذكر المُدد الزمنية التي أعطيت للرئيس السوري من أجل الرحيل، والتي ترافقت مع مجموعة من القرارات العربية والغربية السياسية والاقتصادية، والجميع كان يعزف على ذات النغمة: يجب على الرئيس الرحيل. وتمحورت كل الحملة على شخص الرئيس، ولكن لم يطرحوا لماذا الرئيس؟

الرئيس السوري كان هدفهم المباشر والاستراتيجي لسبب واحد وحيد، لكونه أول رئيس عربي بعد عبد الناصر حسم خياره الاستراتيجي مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وفتح لها كل إمكانيات الدولة السورية، أرضها، وفضائها، وبدأ يؤسس لمقاومة عربية شاملة، يريد منها أن تكون عاملا لإعادة التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل. هذا ما أكدته الوقائع التاريخية عبر المجابهة المباشرة مع المغتصب المحتل، إن كان لبنانياً أو فلسطينياً.

فانتصار 2006 وصمود المقاومة المحاصرة في غزة لم يكن وقعه سهلاً على دوائر القرار في كل من تل ابيب وواشنطن أو الرياض، وهذه العواصم الثلاث أجمعت على أن راعي هذا الانتصار والصمود هو الرئيس الأسد شخصياً، حيث لم يستطع التيار الذي تدعمه في النظام السوري من تحقيق أية إنجازات وبالعكس فان رحيل كل من "غازي كنعان" و"عبد الحليم خدام"، وإخفاقهم في إلصاق تهمة اغتيال الحريري بالرئيس السوري، قد ألحق هزيمة لتوجهاتهم داخل منظومة النظام. جميع الأحداث والشعارات التي طرحت تمحورت حول شيطنة النظام ورئيسه، وخلقت أجواء عامة أن الرئيس هو العقبة أمام التغيير.

ولكنهم لم يشرحوا ولو لمرة واحدة ما التغيير الذي يريدونه، والمراقب للأحداث لا يستطيع أن يفهم كيف لدول علمانية وديمقراطية كفرنسا وألمانيا والدول الأسكندنافية، تجتمع مع ممثلي نظم ديكتاتورية وتدعم منظمات ذات توجهات دينية متطرفة بهدف تغيير الرئيس السوري. ما الرابط المصلحي الذي يجمعهم؟ إنه الخيط غير المرئي هو المصلحة الإسرائيلية، والدور الشخصي للرئيس السوري في دعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية.

معادلة الرئيس:

حرب تموز وغزة أرست معادلة أن رئيس قومي عروبي يدعم مقاومة "سنية وشيعية"، هذه المعادلة التي أرعبت كل من واشنطن وتل ابيب والرياض، لكون استمراره سيُخرج المنطقة من التجاذب المذهبي ويضع الفكرة الدينية في إطارها الوطني التحرري. فكان قرارهم حاسماً بوجوب رحيله، ولو كلف ذلك دمار سوريا. فاختاروا خيار الحرب ففاجئهم الجيش السوري بوقوفه لجانب الدولة السورية ورئيسها، والتفاف الشعب حوله، فكان قرارهم هو معاقبة الشعب السوري باستحضار كل إرهابيي العالم للذبح والقتل والتدمير، ولم ينجحوا وسقط خيارهم العسكري.

والآن بدؤوا سلماً بطرح ذات المعزوفة تحت عنوان انتقال السلطة، والذي يعني بالنسبة لهم رحيل الرئيس بشار الأسد، وأعطوا خيار استبداله لمنظومته الحليفة، وقالوا أي شخص غيره ولو كان من بطانته، فرد الوزير المعلم: إن موضوع الرئيس خط أحمر .. هذه العبارة التي أنهت الحديث بموضوع الرئيس. بقاء الرئيس أصبح عنوان للتحدي الوطني ليس سورياً فحسب، وإنما وطنياً وقوميا عربياً، لكونه يشكل الطرف النقيض لمحور واشنطن - تل ابيب - الرياض.

ولكي يشرعوا شعاراتهم استخدموا الجامعة العربية كإطار لتقويض شرعية النظام، واستخدموها كطريق لتدويل الازمة. هدف التدويل كان واضحا منذ بداية الأزمة، وأكدها الموقف السلبي للجامعة العربية من مهمة اللجنة التي كلفتها هي استنادا لقرارها رقم 7436 المتعلق بخطة العمل العربي برئاسة محمد مصطفى الدابي ( السودان )، وأعطيت مدة من  22كانون اول 2011 وحتى 28 كانون ثاني 2012 ، وبعد أخذ ورد وافقت الحكومة السورية على مهمة اللجنة، وخرجت اللجنة بتقريرها الذي أنصف إلى حد ما الحكومة السورية ،عبر ما ورد في الفقرات 26 و28، عندما أكد أن القوات الحكومية السورية، تتعرض لأعمال عنف من جانب المسلحين، استخدمت فيها القنابل الحرارية، والقذائف الخارقة للدروع، كما أشار التقرير، إلى حجم الحملة الإعلامية التي كانت تروج لأعمال لم تكن صحيحة، أو إنها حدثت بالفعل مما ترك أثرا على مصداقية اللجنة (الفقرة 28 من التقرير).

التقرير أكد أن الحكومة السورية وافقت على إصدار عفو عام في 17-01-2012 كبادرة حسن نية منها تجاه الذين خرجوا عن القانون، وترافق مع اطلاق سراح 7604 من المعتقلين على خلفية الأحداث 15-03-2011، ولكن التحريض الغربي والخليجي كان يقوض هذه المبادرات.

لقد نجحت لجنة الجامعة برئاسة الدابي إلى حد ما في توضيح الاشكالية والإطار العام للحل، وكانت من الممكن أن تكون مدخلا للحل، خاصة إن الحكومة السورية وافقت على معظم النقاط الواردة في التقرير النهائي، لكن عمل اللجنة وتقريرها لم يحظ برضى السعودية، وأعلنت سحب مندوبيها من اللجنة، مما دفع بقية دول الخليج لسحب مندوبيهم، وبهذا قوض الحل العربي للأزمة. بتقويض الحل العربي ذهبت لجنة عربية برئاسة رئيس وزراء ووزير خارجيتها لمجلس الأمن لتدويل الأزمة تحت عنوان أن النظام قوض الحل العربي، وصدمت اللجنة بالرفض الروسي والصيني (الفيتو) لقد كان وقعه مدويا.

 عندها اختارت الدول المعادية لسوريا أن تعمل ضدها من خارج منظومة القانون الدولي، وبدأت برفع درجة دعمها المادي العسكري للمجموعات المسلحة،ـ وبدأت تتداول مصطلح جديد تحت عنوان المعارضة المسلحة المعتدلة، هذا المصطلح التضليلي الذي شرع فقط من أجل سوريا.

السؤال الذي يحضر ويكشف زيف مصطلحاتهم، لماذا تشرع الدول الغربية وعلى رأسهم أمريكا الحل العسكري لمجموعات غير شرعية تصنف حسب القانون الدولي بمجموعات إجرامية، أو إرهابية، خاصة إنها ثبت بالملموس استهدافها للبنية التحتية ولمؤسسات الدولة ومصادر دخلها الاقتصادي، ناهيك عن استهدافها للمدنيين تحت شعارات دينية ومذهبية؟ هذه المجموعات التي أعلنت ولائها للقاعدة وداعش والنصرة. لماذا تشريع العنف المسلح لتغيير النظام وصفة تخص سوريا فقط ؟ والسؤال الأهم  لماذا يرفض أن يستخدم الشعب الفلسطيني المحتلة أرضه، الكفاح المسلح لتحرير أرضه وشعبه، بالرغم من أن القانون الدولي يجيز لهم هذا الحق؟

الإجابة على هذين السؤالين يعطي مؤشر على مدى الخداع الذي يمارسه الغرب تحت شعارات الحرية والعدالة والمساواة التي تعمل في سوريا، وأدواتها مجموعات إرهابية متطرفة، أعلنت عن فكرها القاعدي  منذ اليوم الأول لإطلاقها أول رصاصة ضد الجيش العربي السوري.

دروس الأزمة السورية وتأثيرها:

الأزمة السورية أثرت ايجابا على الداخل الروسي، وسرعت من حسم خيارات روسيا الدولية، وأعطت فرصة للاتجاه الوطني الذي يقوده الرئيس بوتين، وعززت خياراته وحاصرت التوجهات الأمريكية الإسرائيلية داخل المؤسسات الروسية، هذه التوجهات التي تعززت في مرحلة الرئيس يلتسن. الميدان السوري كان فرصة لروسيا وبوتين شخصيا، بأن يعيد لروسيا احترامها الدولي الذي خسرته  سورية كانت فرصة لإعادة الذئاب إلى جحورها.

الأزمة السورية أعادت الاعتبار للقانون الدولي، وحاصرت نهج العمل من خارج منظومته القانونية، كما فرزت التيار الديني، ما بين الذي يستخدم كأداة سياسية لتقويض العامل الوطني وتدمير صيغة الدولة الجامعة، وبين الذي وضع المفهوم الديني في إطاره الوطني وعزز الصيغة الوطنية الجامعة وحمى مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، وفي هذا الصدد لا بد أن نؤكد على دور حزب الله اللبناني وأمينه العام بشكل خاص، الذي كان رافعة تعزيز الدور الوطني التحرري للفكر الديني، الذي اخرجه من عباءته المذهبية ووضعه في إطاره الوطني التحرري.

الأزمة السورية عززت التوجهات الوطنية التحررية للجمهورية الإسلامية التي وضعت الشرعية الدينية لدول الخليج في خانة الشك بسبب تحالفها مع إسرائيل. إن عقلية المجابهة مع إيران الإسلامية، والتحالف مع إسرائيل العدوانية، وضع دول الخليج في أزمة أخلاقية مع شعوبها ومع الشعوب العربية. لا يمكن الحديث عن تحالف مع محتل مستعمر ومواجهة مع دولة إسلامية هذه معادلة لا يمكن أن تستوي.

الدول الخليجية تستخدم الصفة العروبية كمدخل لوراثة الموقف العروبي، وهذا تضليل لا يمكن أن يستمر خاصة بعد فشل عدوانها على سورية، صمود سورية سيعيدها لتتصدر الموقف العروبي المناهض للاستعمار الاستيطاني وحلفائه الدوليين والإقليميين.

الأزمة السورية كشفت الدور التخريبي لوسائل الإعلام التي ارتضت أن تحول دور الإعلام الوظيفي من دور لكشف الحقائق، لدور تخريبي يصل في بعض الأحيان للمشاركة في الجرائم الارهابية.

صمود سورية فتح نافذة وفرصة لإعادة التموضع الفلسطيني، اذا ما أراد الفلسطينيون مواجهة مشروع التصفية، حيث أثبتت المعطيات التاريخية أن سورية هي من وقفت وتقف وستقف مع فلسطين، رغم جراحها وعتبها، ولكنها هي دائما تغلب خياراتها الوطنية على الخيارات الصغيرة الضيقة للبعض. سورية تغفر، ولكنها لن تنسى هذه المرة، كون الثمن الذي دفعته من لحمها الحي، هو سيبقيها متنبهة مستقبلا لخصومها وسلوك من يطرقون أبوابها.

الجيش العربي السوري وشعبه:

لقد أكدت الأحداث إن بنية ونواة الجيش العربي السوري، هو كان العامل الحاسم في صمود الدولة السورية، إضافة إلى حاضنة الجيش والدولة على امتداد الجغرافية السورية وتنوعها، هذا التنوع الذي أعطى مشروعية ودعم للجيش السوري ودوره في مجابهة المحاولات التي كانت تريد أن تاخذه ليكون جيشا طائفيا مذهبيا. على مدار السنوات السابقة أكد الجيش السوري، إنه العامل الوطني الحاسم في دفاعه عن الدولة والوطن بتنوعه وتداخله. هذا الجيش الذي واجه المؤامرة على وحدته ودوره ووحدة الوطن والدولة، ورغم انشغاله في محاربة الإرهاب كان يؤكد أن معركته هي مع راعي الإرهاب في سوريا، وهي إسرائيل وأعوانها.

صمود سورية عمق أزمة الأنظمة الموقعة "معاهدات سلام" مع إسرائيل، وعزز الاتجاهات المناهضة لها،

كما عزز من الجبهة المجابهة للسياسات الأمريكية، وأكد أن مجابهة السياسات الأمريكية ممكنة إذا ما توافرت الإرادة الوطنية، وأكد هذا الصمود صحة التوجهات الاقتصادية التي تعتمد على الاقتصاد الوطني المتعدد الأشكال: المنزلي (الثابت)، والخاص (الجبان)، والأهم العام (الشجاع)، الذي كان له دورا حاسما في صمود الدولة في شقيها الاقتصادي والمالي.

إعمار سورية:

إعادة إعمار سورية نظر إليها البعض على أنها مدخل لمكاسب مادية عبر صفقات تجارية أو إعمارية،

بالرغم من أهمية الإعمار المادي، لكن هذا الإعمار لن يكون له مردود بحجم التضحيات، إذا لم يكن مدخله إعادة بناء الإنسان.

إعادة الإعمار مهمة شاملة تتطلب توحيد الجهود الجمعية للشعب السوري وأصدقائه. انتصار سورية من خلال صمود شعبها وجيشها وقيادتها يجب أن ينعكس في إعادة الإعمار. إنّ إعادة الإعمار تنقسم لعدة بنود ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية، أبرزها:

ثقافيًا: المعركة في سوريا على هذه الجبهة كانت معركة مركبة ومتداخلة استخدمت فيها جميع أشكال الحرب الثقافية.

(العلمانيون) استخدموا عبارات الديكتاتورية والظلم والاضطهاد، وأرادوا أن يُظهروا أن صراعهم ينطلق من مرتكزات أخلاقية إنسانية، مغلّفةً بعبارات ديمقراطية.

(التكفيريون) استخدموا الأفكار التي نبشت التاريخ واستلهمت منه أفكارها الفاشية والعنصرية وغلّفوها بعبارات دينية، ليُشرّعوا أعمالهم وليفرضوا سلطتهم على أنها سلطة مستمدة من (الخالِق)، واستثمروا في التحريض الطائفي والمذهبي وصوّروا أن صراعهم هو للحفاظ على أهل السنة والجماعة.

أما العدو الحقيقي فقد وَظّفَ هذين الاتجاهين في السياسة، بهدف وضع سوريا أمام خيارين: إما التدمير الشامل، أو الاستسلام للإرادة السياسية الأمريكية الإسرائيلية، وكانت الشروط واضحة منذ البداية من خلال عناوين تغيير سلوك النظام حتى وصل إلى شعار إسقاطه.

على ضوء ما حصل فإنّ إعادة الإعمار مدخله ثقافيّ، يشمل السياسات التعليمية والإعلامية من خلال إعطاء دور للمثقفين والسياسيّين الديمقراطيين لمواجهة الفكر التكفيري وعدم الرضوخ للابتزاز، وخلق ثقافة عامة أن الدين حرية شخصية وهي علاقة فردية يجب أن لا تخضع للسياسة، أو أن تستغل الدين في السياسة أو الثقافة العامة.

إنّ أيّ سياسة قادمة يجب أن تكون على أساس أن الانتصار النهائي يجب بالضرورة أن يكون على الجبهة الثقافية التي ستواجه الجبهة الثقافية الوهابية وبناتها من تنظيمات سياسية تستخدم الفكرة الدينية لأهداف سياسية.

 صمود سوريا يجب أن يستثمر في تفعيل الأطر السياسية الشعبية العربية المقاومة، وتكشف دور الأنظمة الرجعية المرتهنة للسياسات العدوانية الغربية.

إن اعادة تصحيح البوصلة النضالية التحررية بأبعادها الوطنية الديمقراطية، وفتح الحوار ما بين فصائل العمل الوطني والقومي، هو المدخل لإعادة الاعتبار للعمل العربي الشعبي، الذي سيشكل ضمانة لتعزيز مكانة ودور سورية المستقبلي. إن سنين الأزمة أكدت أن الاعتماد على التحالف الرسمي العربي يتعارض بنيويا مع سوريا وبنيتها ودورها التاريخي والمستقبلي.

اقتصاديًا: يجب أن نؤكد أن صمود الدولة السورية كان أحد أسبابه النهج الاقتصادي، الذي كان يعتمد على القطاع العام والمخزونات الاستراتيجية، بالرغم من كل الملاحظات على الفساد الذي كان حاضرًا وما زال، لكنّ النهج الاقتصادي المزدوج الذي جوهره القطاع العام وسيطرة الدولة على الإنتاج الاستراتيجي، إن كان صناعيًّا أو زراعيًّا أو تجاريًا أو ماليا, كان العامل الحاسم في الصمود السوري إضافة لصمود الجيش السوري مدعوما من حلفاء سوريا كعامل مقرر. لقد أكّدت التجربة أنّ رأس المال الفردي والعائلي بشكل عام كان رأسمال جبان، لا يحمل أي إمكانية للصمود، وإنّما اتّخذ الهروب لملاذات آمنة مخرجًا.

السياسات الاقتصادية التي مكّنت سورية من الصمود، ورغم كل الملاحظات، إلّا أنها أكدت صحّتها العامة وما يتطلبه القادم هو إعادة البناء على أسس علمية تعتمد الكفاءات والديمقراطية في تشكيل هيئاتها، من خلال إنشاء أطر رقابة شعبية وطنية محلية في كل محافظة وبلدة لمراقبة أداء مؤسسات الدولة، يكون عمادها المواطنين الذين صمدوا ودافعوا عن الوطن ودولته ومؤسساته، فهم من يعلم على الأرض من قدّم التضحيات للحفاظ على الوطن من التفتيت والضياع.

إن الاهتمام في البيئة الحاضنة للدولة والنظام والجيش، يجب أن تولى أهمية قصوى في دعمها وإعطائها دور فاعل في إعادة بناء الإنسان والدولة, مترافقة مع تشجيع بيئة المصالحات الوطنية، والرفع من أهمية الوطن كإطار، وتعزيز الدور الديمقراطي لمؤسسات الدولة، كصيغة جامعة، بعيدا عن الانتقامية والثأرية على قاعدة سيادة القانون على الجميع.

سياسيًا: من الواضح أن انتصار الدولة السورية سيفتح الباب أمام نهوض داخلي وخارجيK يكون عماده سياسة سورية الثابتة المقاومة، هذا الانتصار ما كان أن يتحقق لولا وحدة موقف قوى المقاومة، التي أساسها قائم على أسس سياسية وطنية والتي أعطت للدين البعد الوطني التحرري في مواجهة من استخدم الدين للتكفير والقتل والتفتيت، ووظفه سياسيًا لإقامة تحالف مع العدو الحقيقي.

سوريا بانتصارها السياسي ستفتح الأفق لإسقاط المؤامرة المستمرة على الشعب الفلسطيني منذ 70 عامًا، والتي أخذت أشكالًا مختلفة عبر أدوات مختلفة. انتصار سورية يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة اللّحمة الفلسطينية على قاعدة استمرار مواجهة عدوان المستعمر المتحل، وعلى القوى الفلسطينية الحية، أن تنقل مركز الحوارات إلى دمشق لإعادة اللحمة بينها، ولإعادة تموضع الموقف الفلسطيني بعد أن تبيّن أن سياسات رام الله و غزة، كانت سياسات بائسة سياسيًا، وضعت القضية الفلسطينية في المأزق الذي نحن فيه.

إنّ إعادة التموضع الفلسطيني في دمشق، يكسبه بعدًا وطنيًا محليًا وإقليميًا ودوليًا، في جبهة تمتد من دمشق عبر بيروت والجزائر وطهران وبكين وموسكو مدعومًا من القوى الشعبية في جميع الدول من المحيط للخليج.

معركة البناء، هي معركة شاملة عمادها إعادة بناء الإنسان، والحرص على من ضحوا من شهداء ومصابين، من خلال إعطائهم حقوق استثنائية في عملية إعادة البناء، تبدأ من إعادة التأهيل النفسي والسياسي والثقافي، ليكونوا مراقبين شعبيين لإعادة البناء، هؤلاء من حقهم أن يكون لهم هذا الموقع هم وأبنائهم، من قدم التضحيات الجسام في الحفاظ على الوطن والدولة. وإذا لم تنتبه الدولة لهذه النقطة الهامة سيدخل العدو الداخلي من هذه النقطة الحساسة، وسيعمل على إهمال الجرحى وأسر الشهداء، ليكونوا مادة للتحريض الداخلي وتشكيل قوى معيقة لإعادة البناء.

المواجهة على الجبهة الداخلية تكون بتعزيز أسس نظام ديمقراطي متعدد، أساسه مصلحة المواطن وسيادة القانون على الجميعK بمشاركة جمعية في إعادة البناء، قائمة على الكفاءات والخبرة، لتكون مدخلا لإعادة الكفاءات التي هربت من هول التحريض متعدد الاتجاهات، ليساهموا في إعادة بناء وطنهم. إعادة المهجرين والمهاجرين مهمة سياسية وحقوقية، يجب أن توليها الدولة أهمية قصوى وعلى الدولة أن تعزز بيئة الأمان الجمعي والفردي، لتشجيعهم للعودة لوطنه،م والخلاص من الذل الذي يعيشونه. إن ارتفاع نسبة النزعات العنصرية في المجتمعات الغربية، سيساهم في عودة المهجرين، وهذا يتطلب تعزيز سيادة القانون وتعزيز الخيار السياسي الديمقراطي التعددي .

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سورية، هو العودة لعقلية ما قبل الأزمة لحل التعارضات السياسية والاجتماعية والفكرية والقومية والدينية. سورية الجديدة مطلوب منها أن يكون لكل لون وطيف موقعه واحترامه في لوحة وطنية جامعة، من خلال هذه الرؤية يمكن حل المسألة الكردية، في إطار الحفاظ على وحدة الوطن والدولة، بالمقابل على الأكراد أن يدركوا بأن الدولة السورية هي إطارهم الطبيعي، وإن التغرير بأنهم يستطيعون أن يبنوا إطارا قانونيا منفصلا، هو بحد ذاته وهم، يصطدم مع الموقف الداخلي والإقليمي.

إن مهمة الحفاظ على الثروة الوطنية من زراعية ونفطية وغازية ومواد خام، وخاصة ما يتم الحديث عنه من احتياطيات لمادة السيليكون في صحراء سوريا الشرقية، هي مهمة ملكية جمعية  للدولة والمجتمع. وإعادة توزيع الناتج القومي والخيرات المادية بما يضمن تحقيق العدالة والرخاء.

شهداء سورية يستحقوا الوفاء.. الوفاء لهم هو بخيار سورية الوطنية الديمقراطية المقاومة الموحدة.

قبل سنوات، كتبتُ أنّ سورية ستعيد تشكيل العالم من جديد، وستعيد التوازن لميزان القوى العالمي، والآن فإنّ إعادة الإعمار إذا ما كُتِب له النجاح على أسس وطنية اقتصادية ديمقراطية مقاوِمة، فإنّ سوريا ستعيد تشكيل المنطقة من جديد على قواعد سياسية واقتصادية وثقافية جديدة، تكون مدخلًا لإنهاء المستعمر الاستيطاني سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا.