Menu
حضارة

اليسار ومستقبل الديمقراطية في الوطن العربي

عبد الغفار شكر

صورة من الأرشيف للحكيم.jpg

قدمت في المؤتمر الأول للحكيم

تواجه الأمة العربية العديد من التحديات والمخاطر الداخلية والخارجية، وتتنوع وتتعدد هذه التحديات والمخاطر لتشمل كافة مجالات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، كما تتسع ساحة المواجهة لتشمل الوطن العربى بأكمله وتتجاوزه إلى آفاق إقليمية وعالمية، فهناك تحديات التنمية والتحديث والتحول الديمقراطى وإشاعة العقلانية، بالإضافة إلى مخاطر الوجود الصهيونى التوسعي، والهيمنة الأمريكية، والتهميش المتزايد للأقطار العربية فى ظل العلاقات الدولية الاقتصادية والسياسية المعاصرة. ورغم أن طبيعة هذه التحديات والمخاطر تتطلب أوسع تعبئة ممكنة للشعوب العربية كطرف أساسى فى المواجهة، وقيامها بدور فعال فى صياغة سياسات المواجهة وتحديد أولوياتها، إلا أن الحكومات العربية انفردت بإدارة هذه المواجهة ولم تتمكن الشعوب من القيام بدور أساسى فيها رغم ما تتحمله هذه الشعوب من أعباء وما تقدمه من تضحيات فى مواجهة هذه التحديات والمخاطر، وقد دفعت الشعوب العربية ثمنا باهظاً وتحملت نتائج المواجهة من خلال المعاناة الاقتصادية والتقشف الذى وصل درجة كبيرة من الحرمان، وقدمت عشرات الألوف من الشهداء. ولم يكن هناك مبرر معقول لأن تتحمل الشعوب هذه المعاناة وتقدم هذه التضحيات بينما هى محرومة من المشاركة فى تحديد أهداف المواجهة وأبعادها وأولوياتها، خاصة بعد أن أثبتت التجربة على مدار سنوات طويلة تزيد عن نصف قرن فشل الحكومات فى خوض معارك التنمية والتحديث والعقلانية والديمقراطية والصراع العربى الصهيونى بكفاءة لأنها أدارت المواجهة فى حدود مصالحها الخاصة، واستبعدت من المواجهة القوى الشعبية حتى لا تتجاوزها هذه القوى فى اللحظات الحرجة من الصراع، ويعتبر غياب المشاركة الشعبية الفعالة هو الجذر الأساسى لفشل العربى فى خوض معارك التنمية والتحديث والعقلانية والديمقراطية ومواجهة الخطر الصهيونى والهيمنة الأمريكية بكفاءة. ولهذا فإننا نلاحظ أن المناقشات الدائرة منذ سنوات بين المفكرين والمثقفين والقوى السياسية العربية حول المأزق العربى الراهن تجمع كلها على أن الديمقراطية هى المخرج الأساسى للشعوب العربية مما تعانيه حاليا من مشاكل وأزمات، فلا يمكن بدون الديمقراطية الحديث عن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو التطلع إلى تحديث حقيقي للمجتمع، أو توفير العدالة الاجتماعية، أو تعميق المشاركة الشعبية، أو الحد من مخاطر الوجود الصهيونى والهيمنة الأمريكية، ورغم الجهود المضنية والتضحيات الكبيرة والمعاناة الشديدة فإن آمال العرب تحطمت أكثر من مرة على صخرة الاستبداد والحكم الفردى.

وإذا نظرنا إلى الموقف الرسمى العربى من الصراع الصهيونى كنموذج لنهج الحكومات العربية فى التصدى للتحديات والمخاطر فإننا نلاحظ تهميش دور الشعوب العربية فى المواجهة وغياب دورها إلا فى حدود موقف رد الفعل والغضب لما يحدث للشعب الفلسطينى وحصر رد الفعل الشعبى فى أضيق نطاق، وعدم السماح له بالتعبير عن نفسه جماهيريا من خلال المواكب والمسيرات الشعبية التى تظهر للعالم غضب الشعوب ورفضها ما يجرى من مذابح على الأرض المحتلة. ولم يكن مسموحاً فى أى وقت للشعوب العربية أن تشارك عمليا فى مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلى فى الأراضى العربية المحتلة، كما أغلقت الحدود تماما فى وجه أى مساندة شعبية عربية للشعب الفلسطيني، ولم يكن مطروحا أى دور للمقاومة الشعبية سواء من خلال عمليات فدائية أو حرب عصابات أو غيرها. وهكذا يتأكد أن غياب الديمقراطية فى كثير من أرجاء الوطن العربى يضعف القدرة على مواجهة الخطر الصهيونى بفعالية، ولا يمكن أن يساهم حرمان الشعوب العربية من حقوقها السياسية وحرياتها الأساسية فى تحرير الإنسان الفلسطيني، وهو ما توصل إليه الدكتور عزمى بشارة من عدم مصداقية بعض النظم العربية فى دفاعها عن الإنسان الفلسطينى وهى تنتهك حقوق الإنسان العربى "فالذى يريد أن يدافع عن حقوق الإنسان الفلسطينى لابد أن يسأل عن مدى احترامه هو لحقوق الإنسان والمواطن فى بلده". ويخلص من هذا الطرح إلى استنتاج هام يتمثل فى أن القوى القادرة على مواجهة العالم بحقوق الإنسان الفلسطينى فى ظل الاحتلال هى القوى الاجتماعية والسياسية الشعبية العربية، فتضامنها مع الشعب الفلسطيني هو تضامن مشروع عربيا. وفى نفس الوقت يعتبر نضالها التضامن مع الشعب الفلسطيني، ومع حرية الإنسان الفلسطيني، نوعا من التحرير الذاتى ونوعا من التمرين والتمرس على النضال من أجل حرية الإنسان العربي. فالدفاع عن حرية الإنسان الفلسطيني لابد أن يؤدى فى النهاية إلى تطوير الانعتاق الذاتى كهدف وكحلم "يقود التضامن العربى مع تحرير الإنسان الفلسطينى إذا ما تم بناؤه على استراتيجية صحيحة ليس فقط إلى تحرير القدس ولا الإنسان الفلسطينى فحسب وإنما أيضاً إلى تحرير الإنسان العربى".

إذن تتطلب المواجهة الفعالة للصراع العربى الصهيونى وسائر التحديات والمخاطر المحيطة بالوجود العربى تحرير الإنسان العربى أولاً، وإطلاق طاقاته ليصبح القوة الأساسية فى هذه المواجهة، ولا يمكن الحديث عن تحرير الإنسان العربي طالما بقيت رواسب الاستبداد قائمة فى المجتمعات العربية، وما لم يشمل التحول الديمقراطي كافة مجالات المجتمع، فإنه لا مجال للحديث عن تحرير الإنسان العربي، لأن الديمقراطية فى الأساس هى طريقة فى الحياة وأسلوب لتسيير المجتمع وإدارة صراعاته بوسائل سلمية، وهى بهذا المفهوم تتضمن قيما ومؤسسات وآليات ولا يمكن الحديث عن الانتقال إلى الديمقراطية بدون إشاعة ثقافة ديمقراطية تعمق القيم الموجهة لسلوك المواطنين فى هذا الاتجاه. كما لا يمكن الحديث عن الانتقال إلى الديمقراطية بدون بناء المؤسسات التى تمارس من خلالها هذه الطريقة فى الحياة، أو بدون توافر الآليات التى يتم من خلالها وضع هذه القيم الديمقراطية موضع التطبيق وشمولها المجتمع كله.

الديمقراطية ومقوماتها الأساسية

وقد اختلفت النظرة إلى الديمقراطية باختلاف المواقع الأيديولوجية، وتعددت المسميات بين ديمقراطية بورجوازية وديمقراطية اشتراكية وديمقراطية شعبية وديمقراطية اجتماعية، إلا أننا نفضل أن نتناول الديمقراطية وفق مفهوم اجرائى يراها كما تحققت فى حدها الأدنى باعتبارها "صيغة لإدارة الخلاف والصراع فى المجتمع الطبقى بوسائل سلمية، من خلال قواعد وأسس متفق عليها سلفا بين جميع الأطراف تضمن تداول السلطة بين الجميع من خلال انتخابات حرة وتزيهة".

ويشترط لتحقيق هذه الصيغة الديمقراطية توافر المقومات الأساسية التالية:

- إقرار الحقوق والحريات السياسية والمدنية.

- الاعتراف بالتعددية السياسية فى المجتمع بكل ما يترتب عليه من نتائج.

- إقرار مبدأ سيادة القانون، ودولة المؤسسات، واستقلال السلطة القضائية.

- تداول السلطة من خلال انتخابات دورية حرة تجسد نتائجها إرادة الناخبين.

وقد أثبتت التجربة أن تطوير مفهوم سليم للديمقراطية يتطلب بالإضافة إلى هذه المقومات التأكيد على الحقائق التالية:

-لا تتحقق الديمقراطية السياسية ما لم تتحقق الديمقراطية فى المجالين الاقتصادى والاجتماعى أيضاً، وذلك إن الحقوق السياسية لا يمكن أن تؤدى وحدها إلى تمتع الأفراد بقوى سياسية متساوية طالما أن هؤلاء الأفراد غير متمتعين بحقوق وقوى اقتصادية متكافئة.

-أهمية تجاوز البرلمانية التمثيلية إلى صور من الديمقراطية المباشرة لتوسيع نطاق المشاركة الشعبية لكل فئات الشعب، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال تشكيل مجالس لإدارة وحدات الخدمات يشارك فيها المستفيدون من هذه الخدمات، ومجالس لإدارة وحدات الإنتاج يشارك فيها ممثلون للعاملين فيها.

-إن غياب أى تعبير مستقل من جانب القوى الاجتماعية إزاء سلطة الدولة يجعل أى حديث عن الديمقراطية بدون معنى لأن الديمقراطية تصبح مستحيلة فى هذه الظروف. ويعنى هذا ضرورة فتح الباب أمام استقلالية المبادرة الشعبية بدعم المنظمات الجماهيرية ومؤسسات المجتمع المدني.

-لا يمكن السير بنجاح على طريق التطور الديمقراطى بدون النجاح فى تحقيق تطور ثقافى يدعو إلى قيم تخدم هذا التطور الديمقراطي، وبصفة خاصة قيم التسامح والحوار واحترام الآخر والتنافس السلمى والتعاون.

-إذا كانت الرأسمالية هى الحامل الاجتماعى للديمقراطية فى المراكز الرأسمالية المتقدمة نظراً لظروف أوروبا وأمريكا فى القرنين التاسع عشر والعشرين فإن الحامل الاجتماعى للديمقراطية فى المجتمعات المعاصرة سيكون تحالفا شعبيا واسعا يضم الفئات الوسطى والفئات العاملة والفلاحين بالإضافة إلى قطاع من الرأسمالية المحلية ترتبط مصالحها بدعم الاستقلال الوطنى لبلادها.

-أهمية قيام حكم محلى ديمقراطى حقيقي، يقوم على انتخاب المجالس المحلية ورؤسائها على كل المستويات، وإعطاء هذه المجالس صلاحيات فعلية فى إصدار القرار وفى تنفيذه وتدبير الموارد المالية المحلية وتحديد أولويات إنفاقها على الخدمات المحلية والمرافق العامة.

-حرية وتعددية وسائل الإعلام، فمن حق المواطن أن يعرف حقائق الأمور وأن يتابع اختلاف الآراء حول القضايا المختلفة باعتبار حرية تدفق المعلومات من مصادر متعددة شرط أساسى لكى يشارك المواطنون فعلاً فى صنع القرارات والاختيار من بين البدائل المطروحة عليهم.

-تبنى مفهوم جديد للتنمية يقوم على التنمية للشعب بالشعب وتوفير ضرورات الحياة للمواطنين والتوزيع العادل لعائد التنمية، وبذلك تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية.

وإذا كانت هذه هى المقومات الأساسية للديمقراطية كما يراها الكثيرون فى الوقت الحالى فإن الحاجة إلى تطوير مفهوم الديمقراطية ستظل قائمة، ولكن يبقى جوهرها واحداً هو أن يشارك الشعب فى اختيار حكامه، وأن يكون له الدور الأساسى فى القرار السياسى وهو ما يتضح جليا من المادة رقم (21) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان التى تنص على أن حق الإنسان فى المشاركة يتم ممارسته من خلال:

1- الحق فى الاشتراك فى إدارة الشئون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً.

2- لكل شخص نفس الحق الذى لغيره فى تقلد الوظائف العامة فى البلاد.

3- إن إرادة الشعب هى مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجرى على أساس الاقتراع السرى وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أى إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

  • الديمقراطية دائما المدخل الحقيقي لأى تطوير سياسى أو اقتصادى أو اجتماعى حقيقي ينتقل بالمجتمعات العربية إلى آفاق أرحب تمكنها من المحافظة على وجودها وحماية مصالحها.

تنجح الديمقراطية فى تنظيم الصراع الطبقى سلميا بقدر ما توفر للمجتمع نظاما للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ينظم العلاقات بين أفراد وطبقات المجتمع من ناحية، وينظم العلاقات بين الدولة المجتمع من ناحية أخرى، وينظم العلاقات داخل الدولة وبين مؤسساتها تنفيذية، وتشريعية، وقضائية من ناحية ثالثة، وغني عن الذكر أن هذا التنظيم للعلاقات فى المجتمع وبين مؤسسات الدولة يفضى فى النهاية إلى الآلية الرئيسية لتحقيق سلمية الصراع وأعنى بها تداول السلطة السياسية سلميا بين مختلف الطبقات الاجتماعية والقوى السياسية المعبرة عنها من خلال الانتخابات العامة الدورية الحرة والنزيهة.

ومن المهم هنا الوعى بأنه لايمكن قيام الديمقراطية دون تحقيق المساواة بين المواطنين، وخاصة المساواة أمام القانون، وكذلك التداول السلمى للسلطة بشكل دورى عبر انتخابات حرة. وتعتبر المساءلة والشفافية سمتين أساسيتين ومميزتين للحكم الديمقراطى، سواء كان ذلك عبر البرلمان ( السلطة التشريعية ) أم وسائل الإعلام أم مؤسسات المجتمع المدنى وأنشطة الرأى العام، ولذلك فـإن حق التعبير والمشاركة السياسية هما من أركان العملية الديمقراطية، إذ لايمكن بدونهما سواء عبر الأغلبية فى الحكم أو الأقلية فى المعارضة أن تكتمل العملية الديمقراطية .

وعلى هذا الأساس، فالديمقراطية لا تعنى حرية اختيار الحكام من جانب المحكومين فحسب، بل هى أيضا مجموعة الضمانات القانونية ضد التعسف السياسى، أى إعمال إرادة الحرية وتحقيق قدر أكبر من التمثيل السياسى، على قاعدة من المساواة وتنظيم الحقوق المجتمعية من خلال مشاركة سياسية للحد من سلطوية الدولة وتغولها ضد حق المواطنين قدر الإمكان.

تكتسب الحريات وحقوق المواطنين أهمية خاصة فى الديمقراطية، فالمطلوب توسيع دائرة الحريات والتأكيد على حقوق المواطنين التى تسمح للرأى العام وللأفراد، على اختلاف انتماءاتهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية بالمشاركة فى التفكير الجماعى الحر والمنظم فى المستقبل. المطلوب هو بناء أطر تفكير عام ووطنى ليس كهدف فى حد ذاته، بل نأمل منه أن يساعد على إعادة بناء وهيكلة الفكر السياسى والقوى السياسية والاجتماعية التى تشكل وحدها الحامل لأى مشروع مجتمعى مهما كان نوعه. ومن دونها ليس هناك مهرب من التسليم بسيطرة القوى البيروقراطية العسكرية والمدنية التى ليس لها غاية ولا هدف ولا منطق فى وجودها سوى إعادة إنتاج نفسها ومراكمة امتيازاتها وتوسيع دائرة نفوذها وسيطرتها، وبالتالى هدر موارد الدولة والمجتمع بصرف النظر عن التفكير فى أى مشروع مجتمعى.

دور اليسار في النضال الديمقراطي

مصر نموذجا

يتحمل اليسار العربي مسؤولية كبرى في النضال من أجل الديمقراطية لما تحققه من دعم لمصالح الطبقات الكادحة على النحو الذي أوضحناه من قبل, وتشمل هذه المسؤولية بلورة رؤية فكرية سليمة عن التحول الديمقراطي المطلوب, وقيادة تحالف سياسي شعبي واسع من اجل النضال لتحقيق هذا التحول, وتوفير الشروط الضرورية لنجاح هذا النضال في تحقيق أهدافه, و لعله من المفيد هنا أن نقدم اليسار المصري ودوره في النضال من أجل الديمقراطية كنموذج لما يمكن أن يقوم به اليسار العربي من أدوار في هذا المجال.

ساهم اليسار المصري بدور كبير في بلورة مفهوم جديد للديمقراطية ومدى الارتباط بين الاشتراكية والديمقراطية وتحديد ابعاد الديمقراطية المطلوبة, وانخرط اليسار المصري في نضال ديمقراطي مشترك مع القوى السياسية الأخرى وساهم في بناء تحالفات سياسية مع القوى السياسية الأخرى لتحقيق هذا الهدف ابتداء من اللجنة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية 1983 و 1986 كما شارك في إقامة لجنة التنسيق بين الأحزاب والقوى السياسية سنة 1995 و الائتلاف الديمقراطي سنة 2008 و نظرا للحيز المحدود المتاح في هذه الورقة فإننا سوف نكتفي هنا بعرض الدور الفكري لليسار المصري في تأكيد أهمية الديمقراطية للمجتمع الاشتراكي وملامح ديمقراطية المستقبل

الديمقراطية والاشتراكية:

دارت نقاشات عديدة في مصر حول الديمقراطية شاركت فيها مختلف قوى وأحزاب و قيادات اليسار المصري, كما حفلت أدبيات ووثائق المنظمات اليسارية بمعالجات موسعة لمسألة الديمقراطية، حيث يسعى اليسار يسعى لبناء مجتمع اشتراكى جديد فى مصر عندما تتوفر الظروف لذلك على أساس من الاقتناع والاختيار الديمقراطى، وليس على الفرض والقهر. لقد بينت التجربة أن بناء الاشتراكية نتيجة لقدرة أقلية ثورية على الاستيلاء على السلطة يؤدى، مهما حسنت النوايا، إلى محاولة بناء الاشتراكية لصالح الجماهير وليس بواسطتها، ويؤدى ذلك فى النهاية إلى قدر أو أكثر من القهر وفرض الإرادة باسم مصلحة الجماهير بما يلغى ركنا أساسيا من أركان الاشتراكية وهو ديمقراطيتها.

إن الاختيار الاشتراكى لابد أن يجرى تجديده بصفة مستمرة على أساس ما يحققه النظام الاشتراكى من إنجازات فعلية فى إطار من تعددية سياسية تتيح لكل القوى الاجتماعية والسياسية حرية التنظيم والاجتماع والرأى وطرح برامج بديلة، ويسعى لتبادل السلطة سلميا.

أدى هذا النقد للتجارب الاشتراكية السابقة وغياب الديمقراطية عنها إلى الربط بين الديمقراطية وبناء الاشتراكية مستقبلا, ويتفق نبيل الهلالى مع الطرح الذى يقول بأن اشتراكية المستقبل ستقوم على التعددية وتداول السلطة وضرورة تجاوز الديمقراطية البورجوازية دون تجاهل ما بلورته من أسس وأطر، وأنه يختلف مع من يتخوفون من هذا الطرح على أمن السلطة الاشتراكية ومستقبل إنجازاتها الاقتصادية والاجتماعية.

ويتفق الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله مع هذا الطرح فى أن الديمقراطية ضرورة لبناء اشتراكية تصفى الاستغلال والقهر معا. إننا راغبون فى توسيع الديمقراطية إلى ما وراء ما حققته الشعوب الغربية بتدبير وسائل المشاركة الشعبية الفاعلة فى كل مستويات القرار وكل أنشطة المجتمع وأنه حتى فى مجتمع اتفقت الأغلبية الساحقة من سكانه على اختيار طريق التطور الاشتراكي، فليس معنى ذلك اختفاء ضرورة تعدد الاتجاهات، لأن بناء الاشتراكية فى بلد محدد، فى زمن محدد وفى ظروف محلية ودولية محددة، عملية مفتوحة تحتمل الاجتهاد، والخلاف فى الرأى هو الوسيلة المضمونة لمنع كل الحماقات، فتعدد الاتجاهات وتعددها المنظم ضرورة للديمقراطية وما لم يكن للاتجاهات المعارضة فرصة جدية، وما لم يكن فى النظام ذاته الآليات التى تسمح لمن هو فى الأقلية اليوم أن يصبح فى الأغلبية غدا، وأن يمارس السلطة فنحن لسنا فى ديمقراطية. ويؤكد الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله أن الديمقراطية بهذا المعنى لا يمكن أن تكون عقبة فى سبيل التنمية، ولا عقبة فى سبيل التحول الاشتراكى بل هى ضرورة للتنمية الحقيقية المطردة والمستقلة والتحول الاشتراكى.

وفى هذا السياق يؤكد حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى أن الديمقراطية هى أساس نضاله من أجل الوصول إلى الاشتراكية. وهى شرط ضرورى لمرحلة الانتقال إلى الاشتراكية وكذلك فى مرحلة الاشتراكية نفسها، حيث يجب أن تكون أساس استمرار النظام الاشتراكى وإعادة تجديد ثقة الشعب به على أساس إنجازاته. ويطرح الحزب الشيوعى المصرى موقفه من العلاقة بين الديمقراطية والاشتراكية فى برنامجه العام الصادر ن المؤتمر العام الثالث، نوفمبر 1992 فيؤكد حرصه على إعادة بناء جهاز الدولة على أسس شعبية ديمقراطية، وأن الأزمة التى طرأت على النموذج الاشتراكى هنا أو هناك يجب أن ينظر إليها باعتبارها أزمة طارئة يتعين استيعاب دروسها ووضع أسس راسخة تكفل إدارة أكفأ وأكثر ديمقراطية وشعبية للدولة والاقتصاد ومختلف مناحى الحياة فى النموذج الاشتراكى

يتناول الدكتور سمير أمين العلاقة بين الديمقراطية والاشتراكية على صعيد دولى فيؤكد أن النضال من أجل الديمقراطية قبل وبعد إتمام الثورة يظل ضرورة ملحة لأن الديمقراطية تمثل المحور الأساسى من أجل تطوير الثورة نحو الاشتراكية. فليست الديمقراطية ترفا يمكن الاستغناء عنه، بل هى الوسيلة الوحيدة من أجل تقوية النزعة الاشتراكية.

إن المهمة الأساسية للقوى التقدمية فى المحيط هى اليوم فرض هذا البعد الديمقراطى الغائب، وليس من أجل إحلال هذا البعد محل البعد الوطنى والشعبى، بل يهدف تقويتهما معا. أقول هذا لأن أطروحة التحرر الوطنى القديمة تجاهلت إلى حد كبير البعد الديمقراطى الضرورى من أجل دفع التقدم الشعبى.

المفهوم الجديد لليسار المصرى للديمقراطية:

لم يكتف اليسار المصرى بنقد مواقفه السابقة من الديمقراطية، أو بتأكيد العلاقة بين الديمقراطية والاشتراكية، وتحديد موقف جديد من الديمقراطية البورجوازية يقوم على رؤية نقدية تعترف بالأسس التى بلورتها فى مجال الحريات والحقوق السياسية ويضيف إليها ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية الاجتماعية فى تركيب جديد وصيغة تتجاوز حدود الديمقراطية البورجوازية. بل نجح اليسار المصرى فى السنوات الأخيرة فى بلورة مفهوم جديد للديمقراطية، وقد ساهم فى هذا الإنجاز بعض الأحزاب والتنظيمات السياسية وكذلك عدد من مفكرى اليسار المهمومين بهذه المسألة وكذلك بعض القيادات السياسية اليسار التى لم تكن تطرح فى حقيقة الأمر توجهات فردية بشأن الديمقراطية بل كانت تطرح آراء يجرى النقاش حولها فى أحزابها سواء كانت علنية أو سرية.

يطرح حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى قضية الديمقراطية فى برنامجه السياسى العام (بناء مجتمع المشاركة الشعبية الصادر عام 1999 على أنها أفضل نظام سياسى لتطور النضال المصرى حاليا ومستقبلا، وأنها قاعدة أساسية فى المجتمع الاشتراكى الذى يكافح الحزب من أجل تحقيقه ويؤكد أن الديمقراطية النيابية (البورجوازية) لم تمنحها الرأسمالية تعطفا منها من الجماهير، وإنما جاءت نتيجة للنضال الجماهيرى، وأن هذه الديمقراطية توفر ثلاثة عناصر جوهرية:

أولها: احترام حقوق الإنسان بما فيها حرية التعبير عن الرأى وحرية التنظيم.

ثانيها: حرية إنشاء الأحزاب دون قيد أو شرط وحرية نشاطها.

وثالثها: تداول السلطة بين الأحزاب عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة. وهذا التداول أمر بالغ الأهمية لأنه يعنى تمكين المواطنين من تغيير الحكام.

وأن هذا النظام قد مكن القوى الشعبية من التنظيم السياسى فى أحزاب وفى نقابات وجمعيات ..الخ. ويسر انتشار الفكر الاشتراكى بما فى ذلك الأحزاب الشيوعية فى أغلب الدول.

ويؤكد الحزب أنه سيقيم الديمقراطية على هذه الأركان الثلاثة، ولما كانت هذه المقومات فى المجتمعات الرأسمالية غير كافية لاستفادة الطبقات العاملة والكادحة منها استفادة كاملة، فإنه يطرح أسلوب المشاركة الشعبية كعامل تصحيح متجدد فى الممارسة الديمقراطية.

ويؤكد الحزب أن المشاركة الشعبية هى جوهريا اشتراك الجماهير فى اتخاذ القرارات على كل المستويات، وهذا ما يمكنها من إدارة شئونها بنفسها وفرض مصالحها فى معظم الأحوال وهذه المشاركة تضمن تسارع عمليات التنمية والتوزيع العادل لثمار التنمية وتصحيح أخطاء صانعى القرار.

ويركز الحزب على أهم أشكال المشاركة الشعبية وهى:

- حكم محلى ديمقراطى حقيقى.

- مشاركة العمال فى إدارة الوحدات الإنتاجية.

- مشاركة ممثلى المستفيدين فى وحدات الخدمات.

- إطلاق الحرية الكاملة للقطاع الأهلى.

- حرية وتعددية وسائل الإعلام.

- التنمية الشعبية.

ويؤكد البرنامج العام لحزب التجمع أن ما يستهدفه تحقيق أكثر من مجرد تحقيق ديمقراطية ليبرالية حقيقية مع ما يرتبط بذلك من قيام نظام برلمانى سليم وتعددية سياسية حقيقية ونظام انتخابى لا يشوبه التزوير، وأن الديمقراطية التى يتطلع إليها الحزب تستوعب الحريات السياسية والديمقراطية الليبرالية وتتجاوزها، بالإضافة إليها وتعميقها. لأن الديمقراطية الليبرالية لا تؤدى دورها بفاعلية كآلية لإدارة الاختلاف والصراع الاجتماعى ما لم تستند إلى قاعدة تلتزم بحقوق الإنسان السياسية والاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وما لم تمتد لتكفل فرص المشاركة فى صنع القرار أمام مختلف القوى الاجتماعية على كل المستويات وفى شتى المجالات.

ويؤكد الحزب أن الديمقراطية هى أساس نضاله من أجل الوصول إلى الاشتراكية، وهى شرط ضرورى لمرحلة الانتقال إلى الاشتراكية وكذلك فى مرحلة الاشتراكية نفسها، حيث يجب أن تكون أساسى استمرار النظام الاشتراكى وإعادة تجديد ثقة الشعب به على أساس إنجازاته، ويطرح برنامجا للإصلاح الديمقراطى يتضمن الإجراءات المحققة لهذا المفهوم.

ويطرح الحزب الشيوعى المصرى رؤيته للديمقراطية فى برنامجه العام الصادر من المؤتمر العام الثالث نوفمبر 1992 فيؤكد حرصه على إعادة بناء جهاز الدولة على أسس شعبية ديمقراطية. وأن الأزمة التى طرأت على النموذج الاشتراكى هنا أو هناك يجب أن ننظر إليها باعتبارها أزمة طارئة يتعين استيعاب دروسها ووضع أسس راسخة تكفل إدارة أكفأ وأكثر ديمقراطية وشعبية للدولة والاقتصاد ومختلف مناحى الحياة فى النموذج الاشتراكى.

ويطرح الحزب قبوله العمل المشترك مع كل الأحزاب والقوى السياسية التى تقبل بمبدأ تداول السلطة ديمقراطيا. ويضع فى مقدمة أهدافه العامة تحقيق تحول ديمقراطى شامل يكفل تداول السلطة بين الطبقات والقوى السياسية من خلال الانتخابات ويؤدى إرساء حكم وطنى ديمقراطى بديل. ويطرح برنامجا تفصيليا للإصلاح الديمقراطى يتضمن إطلاق حرية تكوين الأحزاب، وحرية إصدار الصحف، وإلغاء المحاكم الاستثنائية، وكفالة حرية العقيدة والاحترام الكامل لمختلف الأديان، بهدف إرساء مجتمع مدنى حقيقي على أسس مؤسسية يكفل إمكانية تداول السلطة ديمقراطيا عبر انتخابات حرة ونزيهة.

وفى وثيقة الخط السياسى الصادرة عن المؤتمر العام الثالث أيضا يرى الحزب أن الانهيار الذى حدث للنموذج السوفييتي لعدم مراعاة تعاليم لينين عن دور الحزب والطبقة العاملة والتحالف العمالى الفلاحى.

أما الحزب العربى الديمقراطى الناصرى فهو يقبل العمل فى الواقع فى إطار التعددية السياسية وتداول السلطة من خلال انتخابات دورية، واحترام الإنسان وحرياته، ومبدأ سيادة القانون. وقد لعب دورا أساسيا فى العمل المشترك بين الأحزاب والقوى السياسية فى مصر لتطوير موقف متقدم من الديمقراطية وشارك فى إصدار برنامج الإصلاح السياسى والديمقراطى فى ديسمبر 1997 الذى يتضمن تفصيلا لهذه المبادئ وغيرها، وقد أشار الحزب فى برنامجه العام الصادر عن المؤتمر العام الأول للحزب فى ديسمبر 1992 إلى أن الديمقراطية السياسية التى تقوم على كفالة التعددية الفكرية والتنظيمية وتداول السلطة وسيادة القانون، كأساس لقيام دولة المؤسسات واحترام حقوق الإنسان وحرياته، مع إيماننا بأن الديمقراطية السياسية ليست بديلا عن الديمقراطية الاجتماعية ولا يمكن أن تقوم على حسابها. ويؤكد أن الديمقراطية الاجتماعية تشترط توفير ضمانات للمواطن حتى تكون له حرية التصويت فى الانتخابات، وهى التحرر من الاستغلال ونصيب عادل من الثروة الوطنية، والتخلص من كل قلق يبدد أمن المستقبل فى حياته، ويؤكد على مطلب الدولة القوية ودورها المركزى وأن ذلك لا ينبغى أن ينفصل عن كفالة كافة حقوق المواطن وحرياته الأساسية فى جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأن حرية الإنسان الفرد هى أكبر حافز على النضال وعلى العمل والإبداع ويطالب بإعطاء كافة القوى السياسية والحزبية حقوقا متساوية لاستخدام أجهزة الإعلام المملوكة للدولة، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات والتمسك بالنص الدستورى الذى يضمن 50% للعمال والفلاحين، وتأكيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتأكيد سلطة المجالس الشعبية المنتخبة فوق سلطة أجهزة الدولة التنفيذية وتوفير ضمانات قانونية لاستقلال وحرية النقابات والتعاونيات والجمعيات.

ويطرح حزب الشعب الاشتراكى المصرى موقفه من الديمقراطية فى وثيقته الرئيسية المسماة الوثيقة البرنامجية لحزب الشعب الاشتراكى المصرى- مارس 2003 "يناضل حزبنا من أجل تحقيق تحول ديمقراطى شامل وجذرى. ويؤمن حزبنا بأنه لا توجد خارج حدود بلادنا صيغة جاهزة للديمقراطية صالحة للاستيراد أو الاستنساخ، وشعبنا مطالب بالتوصل إلى الصيغة الملائمة لواقعنا. وهى صيغة يجب أن توفر فى آن واحد الشكل السياسى والجوهر الاجتماعى الاقتصادى، بحيث تربط بين الحقوق السياسية والمدنية للمواطنين وبين المضمون الطبقى للديمقراطية الذى يوفر للمواطن حقوقه الاقتصادية والاجتماعية كاملة. والتحول الديمقراطى المنشود لن يتحقق بالعودة للديمقراطية الليبرالية ذات الطابع البورجوازى المحدود والتى لا يستفيد منها سوى البورجوازية بمختلف فئاتها، فالليبرالية السياسية لا تعطى من الحريات السياسية إلا القدر الذى يخدم تعميق التوجه الرأسمالى فى بلدان العالم الثالث، وهى تفصل فصلا تعسفيا بين حريات المواطن السياسية وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية، ومع ذلك فإن حزبنا لا يدعو إلى نبذ الديمقراطية الليبرالية فى مجملها فهناك قيم ديمقراطية ابتكرها الفكر السياسى والقانونى التقدمى عبر القرون تجسدت فى قوانين حقوق الإنسان. وهذا الإنجاز التاريخى الضخم الذى تحقق بنضالات وتضحيات الشعوب جيلا بعد جيل إرث إنسانى نعتز ونتشبث به ونؤمن بأن المكتسبات الديمقراطية التى حققتها نضالات الشعوب فى ظل النظام الرأسمالى لابد أن تصبح من مكونات الديمقراطية فى ظل النظام الاشتراكى وكبديل عن الدولة البوليسية المفروضة على الشعب، وفى مقابل الدولة الدينية التى يدعو إليها الإسلام السياسى، والدولة الليبرالية التى تطالب بها البورجوازية، فإننا نطالب بجمهورية مدنية ديمقراطية شعبية علمانية تفصل الدين عن الدولة وعن التعليم دون إنكار دور الدين فى المجتمع باعتباره مكونا أساسيا من مكونات وجدان الشعب المصرى، لكنه يجب أن يظل من الأمور الشخصية التى لا يجوز للدولة التدخل فيها

كما يؤكد الحزب على أن استراتيجية التنمية الوطنية الشعبية التى يطرحها فى وثيقته البرامجية تؤمن بأن الديمقراطية هى ركن جوهرى من أركان التنمية، فلا تنمية حقيقية إذا ما غيبت شمس الديمقراطية. والتنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بالقرارات الفوقية التى ينفرد بإصدارها حاكم أو حزب حاكم. والضمان الأكبر لنجاح التنمية الوطنية الشعبية يتمثل فى مشاركة الجماهير الشعبية فى تحقيقها

ويستكمل أحمد نبيل الهلالى هذا الطرح لقضية الديمقراطية يؤكد فيه أنه "من المهم أن نحدد موقفا صحيحا من الديمقراطية البورجوازية لأن الصيغة المشوهة للديمقراطية" التى قدمتها (تجارب الاشتراكية السلطوية) أطلقت العنان لظاهرة الهرولة نحو الديمقراطية البورجوازية وكأنها تمثل الملاذ أو طوق الإنقاذ، أو البديل الذى لا بديل سواه وأنا اتفق مع الطرح الذى يقول بأن اشتراكية المستقبل ستقوم على التعددية وتداول السلطة وضرورة تجاوز الديمقراطية البورجوازية دون تجاهل ما بلورته من أسس وأطر. واختلف مع من يتخوفون من هذا الطرح على أمن السلطة الاشتراكية ومستقبل إنجازاتها الاقتصادية والاجتماعية.

وانطلق فى ذلك من مجموعة الاعتبارات التالية:

1- أكد لينين دوما ضرورة استخدام الديمقراطية البورجوازية والنظام البرلمانى لفوز البروليتاريا بالسلطة، وبالتالى يجب أن يستمر التمسك بالتعددية وتداول السلطة بعد الوصول إلى مواقع الحكم حتى نحافظ على موقفنا المبدئى ومصداقيتنا أمام الجماهير.

2- الماركسية اللينينية بريئة من اعتبار نظام الحزب الواحد شرطا إلزاميا للانتقال إلى الاشتراكية وانفراد الحزب البلشفى بالسلطة وبالساحة السياسية كان وليد أوضاع استثنائية وظرف تاريخى خاص بروسيا، وكان لهذا أثر كبير فى فشل التجارب الاشتراكية السلطوية. فالمجتمع الانتقالى وحتى المجتمع الاشتراكى لا يخلو من التناقضات ،وبالتالى فإن التعددية السياسية والحزبية هى القناة الشرعية للتعبير الصحيح عن هذه التناقضات وحلها ديمقراطياً وتغييب هذه التعددية يقود التجربة لا محالة إلى كارثة طال الزمن أم قصر.

3- التعددية السياسية والفكرية ضرورة موضوعية أيضاً حتى فى المجتمع الاشتراكى، فبناء الاشتراكية مهمة معقدة تفترض بالضرورة إتاحة الفرصة أمام تعدد الاجتهادات.

4- يجب أن يتسع إطار التعددية السياسية والحزبية فى المجتمع الاشتراكى للقوى المعارضة للاشتراكية، لأن الطبقات المالكة لا تختفى من المجتمع الاشتراكى بفرمان، وإنما يتطلب ذلك ردحاً من الزمن يظل خلاله للقوى الاجتماعية وجودها ومصالحها المتميزة، ومن مصلحة التجربة الاشتراكية الاعتراف بحقها فى التعبير عن آرائها وممارسة النشاط السياسى فى العلن شريطة أن تحترم الشرعية الاشتراكية الجديدة، وأن تلتزم بأساليب النضال الديمقراطى، وأن تتجنب التآمر والانقلاب. قالت روزا لوكسمبرج (الحرية المتاحة فقط لأنصار الحكومة ولأعضاء الحزب وحدهم مهما كان عددهم كبيراً ليست بالحرية الحقيقية، فالحرية دائماً هى فقط الحرية للرأى الآخر).

5- من المهم ألا تحبس السلطة الاشتراكية نفسها داخل إطار الديمقراطية البورجوازية الضيق، وهى مطالبة بابتكار نموذجها الخاص والأرقى للديمقراطية. وأن نتحاشى انحرافين: أحدهما يسارى يرفض رفضاً تامًا كافة أشكال الديمقراطية البورجوازية التى انتزعتها الجماهير فى ظل النظام الرأسمالى، والثانى إصلاحى يقنع بالديمقراطية البورجوازية كما ورثتها السلطة الاشتراكية من المجتمع القديم ويتصور إمكانية بناء الاشتراكية من خلال قنوات وآليات الديمقراطية البورجوازية وهو ما أكدت تجربة شيلى خطأه.

إن الموقف الصحيح هو أن الديمقراطية الاشتراكية لا تلغى الديمقراطية البورجوازية جملة وتفصيلاً، بل ترث كل ماله قيمة من التطور التاريخى السابق على قيام الاشتراكية حتى تتواصل التقاليد الديمقراطية بين المجتمعات المتعاقبة ونلتزم بالمبادىء والمؤسسات الديمقراطية فى المجتمع القديم التى تجسد مكاسب تاريخية انتزعتها الطبقة العاملة والطبقات الكادحة. كما يجب أن تلتزم باحترام القيم الديمقراطية التى أبدعها الفكر السياسى والقانونى التقدمى عبر القرون.

6- لا يجوز فى ظل المجتمع الاشتراكى مصادرة حق الجماهير فى سحب ثقتها من حزب شيوعى حاكم حاد عن الطريق القويم، تطلعاً لاختيار سلطة اشتراكية أكثر أصالة ونقاوة وأصدق تمثيلاً للطبقة العاملة وأغلبية الشعب. وإقرار مبدأ تداول السلطة ضمانة هامة لإلزام السلطة الثورى باكتشاف أخطائها وتطهير صفوفها من الانتهازية والفساد والبيروقراطية.

7- من حق الجماهير الشعبية سحب ثقتها من أية سلطة منحرفة حتى لو كانت تحكم باسم الاشتراكية. وأى حزب حاكم يخطئ فى حق شعبه ويفقد ثقة الجماهير غير جدير بالبقاء فى مواقع السلطة لحظة واحدة أياَ كان الاسم الذى يطلقه على نفسه أو الهوية التى ينسب نفسه إليها والراية التى يرفعها، لأن جواز مرور الحزب إلى مواقع السلطة واستمراره فيها هو ثقة وتأييد الأغلبية العظمة من الشعب.

وانتقال حزب شيوعى حاكم من مواقع السلطة إلى صفوف المعارضة بقرار شعبى لن يكون نهاية التاريخ، بل سيكون بداية أكثر صواباً وصحة للتاريخ، وفرصة للتصحيح والتقييم ولاستعادة الحزب ثقة الجماهير والعودة مجدداً إلى السلطة من خلال آليات تداول السلطة (مثال روسيا- وبولندا).

8- التعددية وتداول السلطة لا تمثل خطراً على سلطة اشتراكية حقيقية، ولا تفتح النوافذ والأبواب أمام رياح الثورة المضادة كما يتصور البعض وقد أساء مبدأ العزل السياسى إلى التجارب الاشتراكية.

9- إن الدرس الذى يجب أن نخرج به من التجارب السلطوية هو أن الاعتماد فى حماية الثورة الاشتراكية على مجرد الإجراءات الاستثنائية وأجهزة الأمن خطأ قاتل (يتم ذلك فقط فى مواجهة الانقلابات والعنف الرجعى) ولكن فى غير حالات الاستثناء يجب أن يكون التصدى لأعداد الثورة بأساليب ديمقراطية:

أ- تصفية نفوذها الاقتصادى يكون عن طريق الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية والجذرية وتصفية العلاقات الاستغلالية القديمة.

ب- الاعتماد على الدور الحاسم للجماهير الشعبية وتعبئتها وتحريكها دفاعاً عن مصالحها بما يقتضيه ذلك أحياناً من توزيع السلاح على الأغلبية الشعبية .

ومن موقع يسارى آخر يطرح صلاح العمروسى موقفاً من الديمقراطية لا يختلف من حيث الجوهر لكنه يتناولها من زاوية مختلفة.

يمكن النظر إلى الديمقراطية الاشتراكية باعتبارها نفى للديمقراطية البورجوازية، ولكنه نفى بالمعنى الجدلى، حيث تلغى العناصر الرجعية فى الديمقراطية البورجوازية التى تحرم أوسع الجماهير من المشاركة فى صنع القرارات. وتتلاعب مراكز الضغط الرأسمالية والبيروقراطية وأجهزة الإعلام بإرادة الجماهير.. الخ. ولكنها (أى الديمقراطية الاشتراكية) تحتفظ بالعناصر الإيجابية فى الديمقراطية البورجوازية وتدمجها فى تركيب أعلى بصورة كيفية أوفر حرية يتلاءم مع محتواها الطبقى الجديد، وذلك من خلال الجمع بين الأشكال التمثيلية والأشكال المباشرة للديمقراطية التى توفر مشاركة شاملة لجماهير الطبقة العاملة والفلاحين ومختلف الفئات الكادحة الأخرى فى صنع القرارات التى توجه مختلف نواحى الحياة فى المجتمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.... الخ.

وهى تضع بذلك أساسا أرسخ وأعمق لحرية الصحافة والتعددية الحزبية وحرية التنظيم النقابى، وتكوين مختلف أشكال الجمعيات والاتحادات، وتكفل حق الإضراب والتظاهر والحريات والحقوق السياسية والمدنية بالترابط مع كفالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية باعتبار كل ذلك شروطاً ضرورية لعملية تحرير العمل وممارسة الديمقراطية المباشرة والتمثيلية، وإطلاق مبادرات أوسع جماهير الطبقة العاملة والطبقات الشعبية فى المشاركة فى صنع القرارات، وحل التناقضات التى تثور فيما بينهم بصورة ديمقراطية .

ويعطى اليسار المصرى اهتماماً خاصاً بالديمقراطية المحلية القاعدية يعبر عنه الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله بقوله "يجب أن نولى عناية خاصة لما يمكن أن نسميه "ديمقراطية فى المستوى القاعدى"، على مستوى القرية، شئون القرية، لا سلطة الأمن فيها أو الحكم فحسب، بل كل شئونها الاقتصادية والاجتماعية والتعليم... الخ لأن هذا المجتمع الصغير، مجتمع القرية، يمكن للمواطن العادى أن يبدى الرأى فى مشاكله بقدر من المعرفة أكبر من إبداء الرأى فى قضايا السياسة على مستوى بلد أو قطر بأكمله. لأن هذه حياته المباشرة، ويعرفها ويستطيع أن يكون له رأى محدد فيها.

يمتد ذلك إلى الديمقراطية فى مراكز الإنتاج والوحدات الإنتاجية، سواء كانت مزرعة أو جمعية تعاونية أو شركة صناعية.. الخ يجب بتنسيق حياة ديمقراطية، وأن يكون للعاملين فيها حق المشاركة فى إدارة شئونها الديمقراطية فى التعليم وفى داخل المدارس وفى المؤسسات التعليمية هذه الديمقراطية على مستوى القاعدة عملية تربوية أساسية وتعطى البناء التحتى أو الأساسى المتين الذى تقوم عليه الديمقراطية من أعلى، لأنها تعطى الفرد العادى فرصة الممارسة الفاعلة والمؤثرة والممارسة الصادرة عن معرفة، لأن القرار محكوم بتنمية المعرفة لدى من يتخذ القرار. ثانياً هذه الممارسة تكسب البعد الآخر للديمقراطية، فالديمقراطية حرية ومسئولية معاً، والديمقراطية يجب ألا تفهم على أنها مجرد حق النقد. هذا أسهل جوانب الديمقراطية التى نطمع إليها هى ديمقراطية المشاركة فى صنع القرار ومن يشارك فى صنع القرار يشارك فى تحمل مسئولية هذا القرار سواء نجح أو أخفق. وهنا يتم التدريب الحقيقي على الحكم. ومن هنا يشترك الشعب بالفعل فى الحكم. وصعوداً من هذه القاعدة إلى أعلى مستويات الدولة وفى كل نواحى الأنشطة والعلاقات يجب أن يكون مبدأ المشاركة هو الأساس .

وتطرح مجموعة اليسار الديمقراطى فى نشرتها البوصلة جانباً آخر من قضية الديمقراطية المتعلقة بالعلاقة بين الديمقراطية ومصالح الناس فتؤكد أنه لكى ينجز الديمقراطى مهام إقامة نظام سياسى حر عليه أن ينتشر فى المجتمع عليه أن يحصل على تأييد جماعات وفئات من الناس تلتقى مصالحها مع الحرية السياسية والديمقراطية. وهذا ما نفتقر إليها فى مصر حتى هذه اللحظة. المزيد من الناس يميلون إلى تبنى الفكرة الديمقراطية، ولكن أقل القليل قد اقتنع أن الديمقراطية ستحقق مصالحه المباشرة، أو تتيح له مصادر للقوة تسمح له بتحسين شروط حياته المادية والمعنوية. لا تزال الحركة الديمقراطية محصورة فى أوساط النخبة التى يميل بعض أفرادها إلى تبنى الديمقراطية كقيمة فى حد ذاتها. ولكنها لم تستطع جذب فئات وجماعات واسعة على أساس أن الديمقراطية ستخدم مصالحها الاقتصادية والاجتماعية. أن الصراع السياسى عموماً وحول الديمقراطية على وجه الخصوص، ليس منبت الصلة عن المصالح المباشرة للأفراد والجماعات، ولا يدور بمعزل عن التطورات الاقتصادية والاجتماعية فى البلاد .

المراجع

  1. عبد الغفار شكر: الصراع حول الديمقراطية في مصر, مركز البحوث العربية والإفريقية، القاهرة, الطبعة الأولى، 2009.
  2. عبد الغفار شكر: التحول الديمقراطي في مصر الفرص والتحديات, الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية, القاهرة، 2009.
  3. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, وثائق أساسية, المنظمة العربية لحقوق الإنسان, القاهرة، 1985.
  4. عبد الحسين شعبان: الانتقال إلى الديمقراطية في الوطن العربي, في كتاب مداخل الانتقال إلى الديمقراطية في البلدان العربية, تحرير علي خليفة الكواري, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, الطبعة الاولى, 2003.
  5. احمد نبيل الهلالي و صلاح العمروسي: في كتاب اليسار العربي و قضايا المستقبل, تحرير عبد الغفار شكر, مركز البحوث العربية و الإفريقية, القاهرة، 1998.
  6. سمير أمين: مستقبل الاشتراكية, قضايا فكرية, الكتاب التاسع و العاشر, دار الثقافة الجديدة, نوفمبر، 1990.
  7. البرامج السياسية لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي والحزب الشيوعي المصري وحزب الشعب الاشتراكي والحزب العربي الديمقراطي الناصري.