Menu
حضارة

ذكرى الحكيم، بأية حالٍ عُدْتِ يا ذكرى؟

جلبير الأشقر

الحكيم جورج حبش.jpg

قدمت في المؤتمر الثاني للحكيم

سبعُ سنوات فقط مضت على رحيل فقيد الحركة الثورية العربية، الرفيق الدكتور جورج حبش ، وكأننا في عالم عربي آخر. فالانتفاضة العربية الكبرى التي أسماها الإعلام "الربيع العربي" قد مرّت من هنا، وجاء على إثرها الخريف ومن ثم الشتاء، بل شتاءٌ قارس، وها نحن في لحظة من تاريخنا هي بلا منازع أسوأ ما عرفته منطقتنا في ذاكرة الأحياء. فالعفن الإجتماعي والأمراض السياسية التي تراكمت منذ عقود طويلة – ولا سيما الإيديولوجيا الظلامية التي روّجتها المملكة السعودية بمعونة أسيادها الأمريكيين، مضافاً إليها القبلية والطائفية التي لم تغذّيها الأنظمة القائمة عليها بالأصل فحسب، بل غذّتها أيضاً وبإمتياز أنظمة ادّعت النطق بإسم الأمة العربية جمعاء (ناهيكم بالاشتراكية) وانتهى بها الأمر إلى اللعب على العصبيّات المتخلّفة، فضلاً عن انخراط النظام الإيراني في لعبة الطائفية على الصعيد الإقليميّ – كل هذه الأمراض استفحلت منذ ثلاث سنوات بصورة فاقت أبشع كوابيسنا.

وبعد، فهل نكتفي بلوم الأعداء على الانتصارت التي أحرزوها على حسابنا أم حريٌّ بنا أن نبدأ بلوم أنفسنا – نحن اليساريين العرب – على هزائمنا. فقد أخفقنا في تحقيق الأهداف، بل الأحلام، التي رسمناها لأنفسنا منذ أن ظننا في السبعينيات أن زمن الناصرية سوف يليه زمن الماركسية لنجد أن الذي هيمن على ساحة الاحتجاج العربي بعد حينٍ إنما هي تيارات الأصولية والسلفية الإسلامية على أشكالها. فما الذي حصل، بعد أن بدت الماركسية وكأنّها روح العصر العربي الجديد في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، عندما كادت الشبيبة العربية تكون يساريةً بالفطرة وكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القطب الأبرز في ذلك الأفق الثوري، وها نحن قد هبطنا في انحطاط لا سابق مثيل له، وقطبه الأبرز يُسمّى داعش؟

طبعاً ليست هذه الكلمة القصيرة مجالاً كافياً للردّ بإسهاب على تساؤل بهذه الأهمية وهذا التعقيد. بيد أننا نستطيع أن نجيب بإشارة سريعة ومقتضبة إلى لبّ المشكلة. وهذا اللبّ ما هو إلا عجز اليسار العربي عن أن يشقّ طريقاً تحرّرياً وثورياً خاصاً به، على مسافة واحدة من الأنظمة العربية سواء كانت شبه إقطاعية رجعية أو برجوازية تدّعي التقدمّية، وكذلك على مسافة واحدة من النظام العربي القمعي برمّته ومن تيارات الرجعية الدينية التي تناهضه من منطلق لا يقلّ سؤاً، إن لم يزد. فاليسار العربي قد وقع وفي كل الساحات العربية في مطبّ لعبةٍ سياسية قصيرة النظر، متحالفاً مع أحد الأنظمة تارةً وبالتغاضي عن طبيعة ذلك النظام الطبقية والقمعية، أو مع أحد التيارات الأصولية تارةً أخرى وبالتغاضي عن طبيعته الإيديولوجية الرجعية. وفي كلا الحالين، ذابت هوية اليسار وضاعت في نظر الجماهير التي لم تعد ترى فيه بديلاً عن الأوضاع المقيتة القائمة بكل تلاوينها، بل لوناً من تلك التلاوين ينتمي مثلها إلى الأوضاع القديمة البالية التي قامت الانتفاضة العربية الكبرى من أجل تكنيسها.

أما القصور الأساسي الذي نمّ عنه وقوع اليسار في المطبّ المذكور فهو غياب نظرة إستراتيجية حصيفة لدى اليسار، على خلفية من الضحالة الفكرية يفاقمها ازدراءٌ بالنظرية وكسلٌ ذهني ما انفكّا يزدادان مع الزمن وصولاً إلى الحضيض الذي أدركناه. فيسارنا اليوم غائب عن ساحة المعركة الفكرية وباتت التيارات الدينية تبدو كأنها أكثر قراءةً وثقافةً منه. ولا عجب بالتالي أن تكون جاذبيته لدى الجيل الجديد الثائر محدودة جداً، وهو جيلٌ، شأنه في ذلك شأن الشباب في كل العصور، يبحث عن إجابات على التساؤلات العديدة التي تُطرح أمامه ويطرحها على نفسه من جراء ولوجه ساحة السياسة، ولا سيما عندما يكون الولوج ثورياً كما هي الحال إبّان العاصفة العظيمة التي هبّت على منطقتنا. ولن يعاد بناء يسار ثوري له من الجاذبية ما يمكّنه أن يصبح قدوةً للشباب الثائر سوى بعد إجراء إعادة تسليح إيديولوجية شاملة يرتقي بها من يعتنقون قِيَم اليسار إلى مستوى المسؤولية التاريخية المناطة بهم. والحال أننا أما منعطف تاريخي خطير، باتت معه منطقتنا أسطع مثال على ذلك الخيار بين إحتمالين لا ثالث لهما الذي شخّصه الثوريون قبل قرن من الزمن : إما اشتراكية أو همجية. فإما ينهض اليسار إلى مستوى قيادة الانتفاضة العربية بأفق اشتراكي، أو تقع منطقتنا بأسرها فريسة صدام المجيات الذي بدأنا نرى نتائجه الكارثية.

20 فبراير 2015