Menu
حضارة

الماركسية والقومية بمناسبة رحيل د. جورج حبش

سلامة كيلة

الحكيم.jpg

قدمت في المؤتمر الأول للحكيم

بدا لي بأن هناك ما يثير الأسئلة في ذهن د. جورج حبش ونحن نناقش مسألة العلاقة بين الماركسية و القومية ، كما بدا لي أن الماضي القومي من جهة، والتمركس الذي تحقق نهاية الستينات من جهة أخرى، كانا يشكلان ثنائية تفتقد الراحة ،لأنها تؤسس لتمزق يدفع إلى هذا الجانب أو ذاك.

وإذا كان د.حبش مقتنعاً بترابط هذا وذاك،إلا انه كان يحس بمشكلة ما من خلال حواراته مع آخرين، ربما كانوا رفاق درب, كما كان يلمس أن الوعي العام يشد في منحى يجعل منهما عنصرين متناقضين، وبالتالي كان يواجه بأسئلة حول الترابط بينهما. كيف يعتقد بأنه يوحد بينهما؟

وربما كانت الإشارة إلى تاريخية المسألة توضح هذه المشكلة ،خصوصاً في سياق تجربة د.حبش الذي رأى بأن ضياع فلسطين، وتشتت الشعب،أفضيا إلى أن يصبح القومي هو الأساس، لهذا كان "الأب الروحي" لحركة القوميين العرب ،التي تأسست من تفاعل هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين مع نمط من الفكر القومي العربي كان يترعرع في بلاد الشام،هو استمرار للفكر القومي المؤسس منذ بداية القرن العشرين، والذي أسس الحركة القومية العربية الأولى،التي عبّرت عن طموح برجوازي لتحقيق التطور والحداثة وبالتالي الوحدة القومية والعلمنة والدمقراطية، وأساساً بناء الصناعة. ولقد كان هذا الفكر مع د.قسطنطين زريق علمانياً ، بالتالي، وأقرب لان يكون فكر شرائح من الفئات الوسطى التي كانت لا زالت تطمح لان تحقق التطور الرأسمالي..

وبالتالي جاءت الحركة في تفاعل مع النظم التي كانت البرجوازية قد وصلت فيها إلى السلطة بعد جلاء الاستعمار، لكن في إطار همٍّ فلسطيني، وهو ما كان أكثر طغياناً على الفرع الفلسطيني، وما انعكس على مجمل نشاط الحركة نتيجة الدور المحوري الذي كان للدكتور حبش.

لكن الحركة تفاعلت مع التحولات التي جرت في الوطن العربي، خصوصاً مع بزوغ الناصرية، لتعتنق فكرها، وتتمثل سياساتها، متفاعلة معها من أجل فلسطين.

في هذه المرحلة كانت الحركة في صراع مع الأحزاب الشيوعية العربية، ومع الشيوعية كفكر، وكانت القومية عنصراً مركزياً في هذا الصراع، حيث انطلقت من أن الشيوعية هي في تضاد مع القومية. ولا شك في أن سياسات الحركة الشيوعية كانت تضعها في تضاد مع الميل الذي كان يحكم الطبقات الشعبية والحركة الناهضة، حيث كانت مع الاعتراف بالدولة الصهيونية، وكان موقفها من الوحدة العربية مرتبكاً إن لم يكن سلبياً، لكن نقد هذه السياسات كان يطال الماركسية وليس الحركة الشيوعية فقط، كانت تحمل سياساتها للماركسية،وليس لوعي الشيوعيين منذ ستالين. وهو الأمر الذي كرّس "مبدأ" أن الماركسية هي ضد القومية، وليس أن سياسات الحركة الشيوعية هي التي تتجاهل القومية.

هذه نقطة محورية في فهم سياق وعي د.حبش، وحركة القوميين العرب،لأنها كانت تضع قطْعاً بين الماركسية والقومية من موقعها القومي.

لكن الحركة القومية العربية ،الممثلة بالناصرية والبعث، كانت تميل يساراً، بفعل توضع مطامح التطور، وتحوّلها إلى مشروع عملي يتناقض مع الدول الامبريالية، وبالتالي يدخل في صدام معه. الأهم هو أن العالم كان يبدو أنه "ينزلق" نحو الشيوعية ،على ضوء موجة التحرر التي قادتها الأحزاب الشيوعية في آسيا، وأمريكا اللاتينية، من الصين والهند الصينية(فيتنام، كمبوديا،لاوس) وكوريا.إلى كوبا؛ والتي بدت وكأنها تكرس النصر النهائي للشيوعية. وهو الأمر الذي كان يؤسس ل"التمركس". من خلال نشؤ ميل لدى قطاعات في الحركة لاعتناق الماركسية، وسعيهم لفرضها إيديولوجية للحركة.

وكانت هزيمة حزيران، وتوضّح عجز النظم القومية،اللحظة التي فرضت الاتساق مع الميل العالمي،الذي تعزّز بالثورة الطلابية التي اجتاحت أوربا سنة 1968، وتحوّل الفيتنام إلى مثال كبير التأثير في وعي كل المناضلين من أجل التحرر وهزيمة الامبريالية. وهو ما حسم الأمر بعد تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سنة 1967.

هنا جرى الانتقال من القومية إلى الماركسية. بمعنى أن الوعي الذي كان يقوم على أن الماركسية هي ضد القومية،هو الذي ساد، وأصبح المحرك. وبالتالي جرى الانتقال من الرؤية القومية، والعمل القومي إلى الرؤية الماركسية المؤسسة على العمل ال قطر ي،الذي كانت قد أسسته "فكريا" حركة فتح. والذي أفضى إلى تفكك حركة القوميين العرب إلى أحزاب قطرية (الجنوب المحتل،عمان،لبنان،فلسطين،العراق...)وبالتالي اتسقت الحركة هنا مع السياق الذي كانت تفرضه حركة فتح فلسطينياً، والمؤسس على فلسطنة القضية الفلسطينية، وفك ارتباط العرب بها. وتحويل الصراع من صراع عربي ضد مشروع إمبريالي،الدولة الصهيونية جزء منه،إلى صراع فلسطيني/إسرائيلي. وبالتالي توافقت مع ما كانت الحركة تنتقده لدى الحركة الشيوعية، بدل أن تشكل البديل التجاوزي لها. وهي بمعنى ما اتسقت مع رؤيتها السابقة للماركسية كمضادة للقومية.

لكن هذه الرؤية للماركسية التي باتت متبناة من قبل فروع الحركة، خصوصاً في الفرع الفلسطيني، لم تكن لتلغي التوتر القائم بين الماركسية والقومية لدى د.حبش، حيث ظل "متردداً" في اعتناقه للفلسطنة، وميالاً إلى القومي ،وهو الأمر الذي كان يؤسس لتوتر مع الماركسية ذاتها.

لقد كان على اقتناع بالماركسية،ولكن أيضاً بالقومية. لكن الأسئلة كانت تثير إرتباكاً يحتاج إلى طمأنينة. فقد توصل إلى خطأ حل حركة القوميين العرب، دون أن يتخلى عن الماركسية، لهذا عاد إلى طرح مسألة العلاقة بين الماركسية والقومية كمادة للبحث.

ما هي الإشكالية التي حكمت هذه العلاقة، والتي أدت إلى ارتباك شديد، وصراع حاد بين التيارين القومي والشيوعي؟ والذي، رغم كل ما يمكن أن يقال، كان جدياً، ولمس مسائل جوهرية، خصوصاً القضية الفلسطينية. حيث كانت الحركة الشيوعية تؤسس على الاعتراف بما تحقق على الأرض ،أي تقرّ بوجود الدولة الصهيونية، وبالتالي ترسم سياستها على أساس التفاوض وليس أكثر. بينما كان التيار القومي يؤسس على ضرورة تحرير فلسطين وإنهاء الدولة الصهيونية عبر الحرب والمقاومة. لهذا كان التناقض عميقاً هنا. كذلك خصوصاً مسألة الوحدة العربية،حيث أسست الحركة الشيوعية العربية على التجزئة، لتنطلق في سياساتها من الدولة القطرية، رغم استمرار ميول فيها تدعو إلى الوحدة العربية،كانت نشأت بداية تأسيس الحزب الشيوعي السوري اللبناني، والحزب الشيوعي المصري الأول، وبدايات الحزب الشيوعي العراقي. بينما تأسست الحركة القومية على فكرة الوحدة العربية،على حتمية تحقيق الوحدة العربية.وهنا كان"التناقض الأساسي" بين التيارين، الذي كان ينضوي فيه الموقف من القضية الفلسطينية.

هنا كان يبدو موقف الحركة القومية العربية أدق، ويتسق مع الميل لتحقيق التطور الاقتصادي (رغم أن الميل الاقتصادي هو من سمات الحركة الشيوعية). ويلاقي "هوى" لدى قطاعات شعبية واسعة.خصوصاً أنه ارتبط بتحقيق الإصلاح الزراعي (الذي لم يكن أساسياً في رؤية الحركة الشيوعية)، والتأميم وبناء الصناعة، ومجانية التعليم، وضمان حق العمل (مما لم يكن يطرح بشكل جدي في برامج الحركة الشيوعية كذلك). وكذلك ارتبط بطموح لتحقيق التغيير، تغيير النظم ،من أجل تحقيق هذا البرنامج (وهذا أيضاً لم يكن في وعي الحركة الشيوعية، حيث كانت تبدو وكأنها تتكيف مع الواقع ،أو تطمح لدعم قوى أخرى لتحقيق برنامج أقل راديكالية،هي البرجوازية التي كانت دون راديكالية على الإطلاق ،بل كانت متكيفة مع الواقع المتشكل طيلة مرحلة الاستعمار).

وبالتالي ظلت القومية مرتبطة بحلم التقدم هذا، بينما سارت السياسات نحو التكيف مع الرؤية التي طرحتها الحركة الشيوعية: "السلام" والإقرار بالأمر الواقع في فلسطين، وغض الطرف عن مسألة الوحدة العربية، أو تحويلها إلى خيال، والممارسة في إطار الأمر الواقع، الذي هو دول وشعوب. وكان التمركس مرتبطاً بكل ذلك. وهو الأمر الذي كان يشعل الأسئلة، ويثير القلق.

بمعنى أن القومية حمّلت على مشروع ظل يبدو مستقبلياً، بينما كان المشروع الشيوعي "واقعياً"، أي يقرر الأمر الواقع، فيما عدا أنه يحمل مطالب الطبقة العاملة المعيشية، ويطرح التحرر بمعناه العام (أو العمومي)، ويناهض الإمبريالية. وهو ما كان يعطيه بريقاً لاشك فيه، ويحوله إلى قوة فعلية كان يمكنها تحقيق التغيير، لكن هذا المشروع كان يقوم على دعم انتصار قوى أخرى كما أشرنا للتو.

وإذا كانت الاختلافات بيّنة بين كلا المشروعين، وإن كانا يعبّران عن الميل للتطور والتحرر، ومواجهة الإمبريالية، فإن نقطة تركيزهما كانت مختلفة. وهنا يمكن أن نلمس مشكلة العلاقة بين الماركسية والقومية.

لقد جرى الانطلاق من أن الشيوعية الرائجة هي هي الماركسية، هي الماركسية الحقة، وبالتالي حمّلت الماركسية كل سياسات وتصورات تلك الشيوعية التي تبلورت مع ستالين بالأساس، وعُممت تحت مسمى "الماركسية ال لينين ية"، بينما هي "الماركسية السوفييتية" كما أطلق إلياس مرقص عليها. وكانت "أممية"، أي ترفض "التعصب القومي"، الذي عنى القومية كفكر وكقضية واقعية. بمعنى أنه عنى كل ما هو قومي، وأيضاً كانت ضد الوحدة العربية، أو أنها أشارت إليها تحت ضغط التيار الشعبي، لكن وفق "شروط"، وفي سياق، يجعلانها شعار فارغ. لكنها تنطلق من القطري، وتكيّف نشاطها فيه. لهذا غدت الماركسية ـ في الوعي القومي ـ هي أممية مضادة للقومية، وبالتالي هي ضد الوحدة العربية. الأمر الذي أفضى إلى ألا تفهم ملاحظاتها على مسألة الوحدة ودعوتها إلى دولة اتحادية إلا كرفض للوحدة.

أما القومية فقد حملت التباساً عميقاً منذ البدء، حيث تضمنت ثلاث مستويات في آن: الأول هو الأمة، والثاني هو الفكر القومي، والثالث هو الحركة القومية. ولقد باتت هذه المستويات متناغمة، متواشجة، ولا فكاك بينها. وهنا كان تناقضها مع الماركسية في المستويات الثلاث، حيث أنها مثالية كفكر، والماركسية مادية. لكنها تقرر وجود الأمة العربية وتعمل من أجل وحدتها، والماركسية الرائجة في وادٍ آخر. وهي حركة ذات طابع قومي، بينما الحركة الشيوعية تشكلت كأحزاب قطرية.

هنا نلمس بأن المسألة تتعلق بوعي كل من الماركسية والقومية، وعي الأحزاب الماركسية والقومية، كل منهما للآخر ولذاته. فهل أن الماركسية التي كانت رائجة ومعتنقة من قبل الشيوعيين هي الماركسية؟ وهل أن القومية هي الفكر القومي، هي الفكر؟

وبالتالي يجب أولاً أن نحدد معنى القومية. هذا التعبير الذي راج دون تحديد، وظل يتضمن كل الالتباسات الممكنة. فهل أنها تعني الأمة، أم تعني الفكر القومي، أو هي الحركة القومية؟ القومية هي سمة الانتماء لأمة، رابط الانتماء، شعور بالانتماء. هذا هو معناها، رغم أنها تضمنت كل السابق، وبالتالي كانت تحمل أكثر مما تحتمل، وتضفي كثافة من الغموض قاد لأن "تحتكر" الأحزاب القومية القضية القومية كلها. وهنا يجري التمييز بين الشعور أو الفكر والقضية الواقعية، التي هي مسألة الوحدة القومية. فالأمة مفككة الى دول، وهو الأمر الذي طرح مسألة ضرورة الوحدة العربية، حيث تسعى الأمة لأن تتشكل في دولة. هذا هو جوهر القضية القومية، التي تنتج التصورات حول حلها، أي تحقيق الوحدة القومية. ليبلور كل تيار فكري تصوره هذا. ولقد كانت مشكلة التيار القومي أنه خلط الفكر بالقضية الواقعية ليحصل على الملكية الحصرية لها (وهو فعل غير واع في الغالب). وهذا الربط جعل أي فكر آخر هو "غير قومي"، وخارج الإشكالية القومية، وبالتالي أن الفكر القومي هو وحده القادر على أن يتبنى القضية القومية. وهنا جرى استبعاد أي فكر آخر عن القضية القومية، وكان يتعزز ذلك بموقف الحركة الشيوعية السلبي سابق الذكر.

هذا الربط: فكر/قضية هو ربط إشكالي، حيث يحول القضية إلى فكر، ليكون الفكر القومي هو القضية ذاتها. وبالتالي من غير الممكن أن يستطيع فكر آخر تناولها، أو ليس من "حقه" تناولها. وفي هذا الربط يتحدد الطابع المثالي للفكر القومي، الذي أصبحت القضية ، التي هي قضية واقعية، هي نتاجه، وليس العكس. لنصل إلى القول بأنه يمكن تناول القضية القومية، بصفتها قضية واقعية، من منظورات مختلفة، من مواقع أيديولوجية مختلفة. لكن الماركسية الرائجة نفت القضية من أساسها وأسست لـ "وطنية" قطرية، كانت بديلها. وهو الأمر الذي كان يغذي النزوع "النرجسي" لدى الفكر القومي. وسنلحظ بأن ميشيل عفلق أسس كل تصوره على هذه النقطة بالتحديد، حيث افترق عن الحركة الشيوعية نتيجة تحول موقفها من المسألة القومية سنة 1937.

ولاشك في أن هذه النرجسية كانت تتعزز من صحة المشروع المطروح لتحقيق التطور. وبالتالي كان يتداخل الملموس بالمثالي، ويؤسس لموقف مضاد للماركسية يحمل كل الشحنة المثالية في تناقضها مع المادية. وهو الأساس الذي أفضى إلى اعتبار أن الماركسية هي مضادة للقومية تضاداً مطلقاً، أي أنها لا تقبل كل منزع قومي، وترفض الأمة تعلقاً بالأممية، مكرسة القطرية وليس أي شيء آخر. وكما ذكرنا أكثر من مرة فإن الرؤية التي كانت تطرحها الحركة الشيوعية كانت تؤكد هذه المسألة.

في هذا الوضع بدت العلاقة بين الماركسية والقومية كعلاقة تناقضية. فالماركسية تبرز ذاتها كمشروع قطري ورؤية أممية، والقومية تتمظهر في مشروع قومي. لكن هل أن أفكار الحركة الشيوعية العربية كانت تمثل الماركسية؟ ثم هل أن الماركسية ذاتها في تضاد مع القومية؟

أشرنا إلى أن العلاقة التناقضية كانت بين الحركة القومية العربية من جهة، والحركة الشيوعية من جهة أخرى. ورغم أنها شملت مسائل عديدة، إلا أن مسألة العلاقة بين الماركسية والقومية كانت في أساسها. فقد كانت تتحدد في "اختلاف" مشروعين، واحد قطري والآخر قومي، واحد ليس في رؤيته تحقيق التغيير والآخر يسعى لتحقيق التغيير، واحد "إصلاحي" والآخر "ثوري". لكن تحديد العلاقة بين الماركسية، وهنا كماركسية وليس "ماركسية" الحركة الشيوعية، "الماركسية" المتداولة لدى الحركة الشيوعية، وبين القومية، وهنا المتحددة في القضية القومية وليس الفكر القومي، لأن الماركسية بشكل عام هي ضد الفكر المثالي الذي يطبع الفكر القومي، وهي تعبّر عن الطبقة العاملة وليس عن البرجوازية أو عن الفئات الوسطى. إن هذا التحديد يفرض أن نحدد مدى العلاقة بين "ماركسيتنا"، الماركسية التي راجت في الحركة الشيوعية. والماركسية، ماركسية ماركس/إنجلز ولينين أولاً، لكي نستطيع الإجابة على السؤال: هل أن الماركسية تستطيع استيعاب القضية القومية؟ أو هل تؤسس لما هو مناقض لها؟ ومن ثم هل الأممية في تضاد مع المشروع القومي؟

ماركسيتنا والماركسية:

إن ما يجب تأكيده هنا هو أن الماركسية التي كانت رائجة منذ نهاية ثلاثينات القرن العشرين خصوصاً، تأثرت إلى حد بعيد بالتحولات التي جرت في الاتحاد السوفييتي، والتي جعلت من ستالين هو "الصيغة الأرقى" للماركسية، هو خاتم الماركسية. ولهذا تعممت الماركسية التي بلورها، والتي كانت تعبّر عن مصالح الدولة السوفييتية. ولكي تكون كذلك فقد فقدت منهجيتها الأساس: أي الجدل المادي، وصيغت في "قوالب" تطابق السياسة السوفييتية التي لم تكن تسعى لتعميم الاشتراكية نتيجة توازنات القوى العالمية، بل كرست ضرورة انتصار الرأسمالية في الأمم المخلفة من جهة، وأخضعت القضية القومية لتكتيك الدولة السوفييتية، وبهذا كان التركيز على "الأممية" هو المدخل لتأكيد دعم كلية السياسة السوفييتية والدولة السوفييتية، وبالتالي إنبنت على تجاهل الشعور القومي والمصالح القومية لمصلحة "بلد الاشتراكية الأول" في مواجهة الإمبريالية التي تسعى لتهديمه.

هنا تراكبت مسألة التخلي عن الشعور القومي لمصلحة شعور "أممي" هو في حقيقته شعور بالانتماء إلى "بلد الاشتراكية الأول"، من أجل دعمه في مواجهة الإمبريالية، تراكبت هذه المسألة مع مسألة التكيف مع مفرزات السياسة الاستعمارية في الوطن العربي، التي جزأته إلى دول. وبالتالي كانت "الدعوة الأممية"هنا متواشجة مع تكريس القطرية، والتكيف مع السياسات الاستعمارية في هذا المجال.

هذا ما أسست له السياسة السوفييتية على أنه الماركسية، وهو ما تبنته الحركة الشيوعية العربية كسياسة ماركسية.

بمعنى أن "الماركسية" التي كانت رائجة (ولازالت) كانت ذاتها "الماركسية السوفييتية"، الماركسية التي صاغها ستالين، والتي تفترق مع الماركسية الأصلية (وهذا تعبير لوكاش) في مسائل جوهرية، أولها المنهجية ذاتها، أي الجدل المادي، حيث أعادت الستالينية إنتاج المنطق الصوري متخلية عنه. وفي المسألة القومية حيث، ومن أجل الدعم الأممي، اعتبرت كل دعوة قومية هي شوفينية ومن نتاج البرجوازية، وأيضاً في التأكيد على خطية التطور التاريخي، لهذا يجب أن تنتصر البرجوازية في البلدان المخلفة قبل التفكير بتحقيق الاشتراكية، وبالتالي يجب أن تدعم البرجوازية لتحقيق ذلك.

وبالتالي فإن هذه الماركسية متخالفة مع الماركسية الأصلية، ولا يمكن أن تحمّل ماركسية ماركس/إنجلز ولينين ما أتت به هذه الماركسية. هنالك فارق في المنهجية، وفي التصورات والرؤى، للتاريخ العالمي، ولوضع مختلف الأمم.

إذن، يجب أن نضع مسافة بين "ماركسيتنا" والماركسية. أن نضع "ماركسيتنا" بين مزدوجين، وأن نشير الى أن الماركسية هي شيء مختلف، من ناحية المنهجية والرؤية والسياسات. إن ما يجب أن نركز عليه الانتباه هو أن ستالين أعاد صياغة الماركسية في كثير من المسائل، أخرجتها عن كونها ماركسية. وكانت المسألة القومية هي واحدة من هذه المسائل، وربما أهمها بالنسبة لنا.

وإذا كانت الحركة الشيوعية العربية في مرحلتها الأولى متأثرة بالماركسية الأصلية، ومؤسسة عليها، حيث لم تقع هذه العلاقة التناقضية بين الماركسية والقومية، بل أسست على أساس "قومي"، وانطلقت من العرب كوحدة، كهوية، فإن التأثر بالستالينية بعد سنة 1935، فرض التخلي عن ذلك لمصلحة تكريس القطرية (باعتبار أن القطر أمة في طور النشوء)، وأفضى إلى بلورة مشروع سياسي قطري، هو في جوهره مشروع التكيف مع البرجوازية التي كانت تُعتبر أنها صاعدة، أو يجب أن تصعد.

هذه "الماركسية" بالذات هي التي تناقضت مع "القومية"، أو مع الفكر القومي، أو مع المشروع القومي، رغم محاولات ردم الهوة التي كانت تظهر بين الحين والآخر (سنة 1956 وسنة 1968/1969).

وهذه "الماركسية" هي التي أعلت من نرجسية الفكر القومي، الذي شدد الهجوم على الماركسية، الماركسية الأصلية وليس فقط على الماركسية الرائجة، مستنداً إلى المسألة القومية بالتحديد، وبالتالي مستغلاً مشاعر الطبقات الشعبية، التي هي قومية بالمعنى العفوي العام، ولكنها تحمل حساً يجعلها ترى المشروع القومي كأمل للمستقبل. ولقد عمق ذاك الفكر من هذا الهجوم لكي تنتصر مصالح طبقية، هي بالقطع ليست مصالح الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، بل مصالح الفئات الوسطى الطامحة لأن تترسمل. وهو ما أفضى إلى أن يتدمر المشروع القومي ذاته، ويشكك في المسألة القومية. وهو الأمر الذي شهدناه في كل التجارب التي حققتها الحركة القومية العربية (الناصرية والبعث، وحتى تجربة الجزائر).

وبالتالي فإن الإجابة على السؤال حول العلاقة بين "ماركسيتنا" والماركسية الأصلية هي بسيطة، وأيضاً واضحة. حيث كانت "ماركسيتنا" هي الصيغة المسخ للماركسية الأصلية، وهي العملية التي حققها ستالين كتعبير عن مصالح طبقية بزغت بعد الاستيلاء على السلطة في الاتحاد السوفييتي. دون أن نتجاهل بأنه استند في العديد من المسائل إلى أفكار لماركسيين كبار، مثل بليخانوف، أو بدت أفكاره وكأنها استمرار لأفكار كانت تبزغ في الماركسية منذ نشوئها، وكذلك دون إهمال لدوره الذي كان مهماً ومعقداً، وبالتالي لا يمكن أن يختصر الى مستوى الفكر الذي عممه فقط.

لهذا كانت "ماركسيتنا" في تناقض مع الماركسية في العديد من المسائل الجوهرية، أساسها المنهجية، حيث ظلت منحكمة للمنطق الصوري ولم ترقَ إلى ما هو أساس في الماركسية: أي الجدل المادي. وبالتالي، وانطلاقاً من ذلك، في رؤية الواقع، وصيرورة تطوره. حيث كانت المسألة القومية في أساس هذه الصيرورة.

لكن هل أن الماركسية، التي تحدد بأنها تنطلق من الطبقات، ومن الصراع الطبقي، قادرة على استيعاب المسألة القومية؟

الماركسية والمسألة القومية:

أشرنا إلى أن الماركسية كفكر هي في تناقض مع المثالية عموماً، والكيفية التي يتمظهر فيها الفكر القومي خصوصاً. فهي كونها مادية في تناقض مع المثالية. وهذه مسألة بديهية أولية. لكن هل هي قادرة على فهم المسألة القومية؟

ما يؤسس لإشكالية هنا هو أن نظرة الماركسية للطبقات تبدو وكأنها تنظر الى الطبقة (وهنا الطبقة العاملة) كـ "هوية"، مما يجعلها (أو يضعها) في تناقض مع "هوية" أخرى، هي "الهوية" القومية، الطابع القومي. هذه الإشكالية كانت في أساس الخطل الذي كان يطال المسألة القومية، حيث يجري تغليب "الهوية" الطبقية على "الهوية" القومية، في تجاهل كامل لطبيعة كل من "الهويتين"، وأنهما مستويان مختلفان. لكن واحد منهما يلفّ الآخر: القومي يلفّ الطبقي، الطبقي يتحدد في القومي لأنه متضمن فيه، وليس من الممكن للطبقي إلا أن يكون كذلك، لأن الطبقي قومي، بمعنى أنه ينغرز قومياً. حتى في ظل الدول الإمبراطورية (كروسيا القديمة) لم يفضِ التوحيد السياسي إلى أن تتشكل الطبقة في إطار فوق قومي، بل ظل نزوعها القومي قائماً. ولم يحل هذا الاختلاف إلا في إطار اشتراكي، وبالكاد. وأيضاً سرعان ما تهاوى، حيث يظل عامل اللغة/ الثقافة فاعلاً ما لم يجرِ تجاوزه.

ربما كانت هذه إجابة سابقة على البحث في رؤية الماركسية للمسألة القومية، لكن هذا التحديد لعلاقة الطبقي والقومي كان واضحاً لدى ماركس/ إنجلز، ومن ثم لدى لينين. حيث أشارا في "البيان الشيوعي" إلى أن الطبقة العاملة تناضل ضد برجوازيتها أولاً، وأكملا بأنها حين إذ تكون قومية، لكن ليس بالمعنى البرجوازي للقومية. ولهذا وقفا مع كل الأمم التي تسعى إلى تحقيق استقلالها (بولندا وإيرلندا مثلاً) ووحدتها(إيطاليا وألمانيا). وحتى المصطلح الذي استخدماه للتعبير عن طابع حركتهما، أي الأممية، كان لصيقاً بالمسألة القومية ولم يكن في تناقض معها. إنه يعني (عبر القومي كما هو التعبير الإنجليزي)، وكان يشير إلى تحالف أمم. ولم يكن يعني الطبقات بمعزل عن الأمم، على العكس فقد رفضا الكوزموبوليتية التي تعني "الانخلاع القومي" التحلل من الانتماء القومي، التحول إلى "المواطنية العالمية" الموهومة. واعتبرا أن هذا هو نزوع برجوازي مضاد للماركسية، ويعبر عن مصالح الرأسمال.

ولقد توصلا إلى أن التطور الرأسمالي يفرض تأسيس الدولة/الأمة، وأنه في الأمم التي تتلكأ البرجوازية عن فعل ذلك يجب على الماركسيين أن يقوموا به. وهو ما وجدناه في برنامجهما لألمانية أواسط القرن التاسع عشر، والذي دفعهما إلى تثمين خطوات بسمارك في هذا المجال.

إذن، في "روحية" الماركسية ليس من تناقض مع "القومية" كقضية، كمسألة واقعية، على العكس هي ترشد إلى ضرورة حلها، وتؤكد على دور الطبقة العاملة في ذلك. بمعنى أن الماركسية، وهي تنطلق من الواقع، وتؤسس على الصيرورة التاريخية، تحدد بأن الانتقال إلى الرأسمالية يترابط مع تشكيل الدولة/الأمة. وبالتالي فإن المسألة القومية تكون هنا مسألة واقعية، مسألة سياسية بامتياز. الأمر الذي يفرض أن تتحقق. ولهذا يجب أن تكون محط اهتمام الماركسيين في كل الأمم التي لم تتحقق فيها.وإذا ما كانت البرجوازية (التي حققتها في أوروبا) غير معنية بذلك، يصبح على جدول أعمال الماركسيين. حيث لن تكتمل الحداثة، ويتشكل المجتمع المدني الحديث، ولن يصبح ممكناً الانتقال إلى الاشتراكية، بغير ذلك.

لهذا وقف لينين ملياً إزاء مسألة حق تقرير المصير للأمم الخاضعة للإمبراطورية الروسية، وانطلق من "الحق الطبيعي" بالانفصال، رغم ميل الطبقة العاملة (والماركسيين) للتأكيد على ضرورة الاستمرار في دولة واحدة، يعاد إنتاجها باتفاق حر بين هذه الأمم، وعلى أسس المساواة والتشارك,

إذن، الماركسية الممارسة كانت في تواشج مع المسألة القومية، بل أنها اعتبرت أن هذه المسألة هي مسألتها في كل الأمم التي كانت مجزأة أو محتلة أو خاضعة لنظام إمبراطوري. وهذا ما ميّز الماركسية الصينية والفيتنامية عن "ماركسيتنا"، حيث كانت تحمل ليس مشروع الطبقة العاملة فقط، بل مشروع الأمة كذلك. ولقد قام ياسين الحافظ بجهد المقارنة بين هذه وتلك ( ياسين الحافظ "التجربة التاريخية الفيتنامية" دار الطليعة /بيروت). حيث أن الطبقة، أي طبقة، لا تؤسس مشروعها بعيداً عن أو فوق الأمة، بل تؤسسه فيها ومن أجلها، في سياق التأسيس لعالم اشتراكي موحد.

الماركسية والبحث في المسألة القومية:

لكن هذه الرؤية المبنية على الممارسة، وعلى السياسة (مع إشارات فكرية فقط) لم تجد كبير بحث في المستوى النظري. فقد كان هم ماركس هو الاقتصاد، لأنه كان يؤسس لطريقة جديدة، وبالتالي كان من الطبيعي أن تستحوذ على جلّ اهتمامه. ولقد أشار في إحدى تخطيطاته إلى أنه سوف يبحث في (السوق القومية)، لكن الزمن غالباً ما يغالب البشر، لهذا ظلت "مواقفه" دون تأسيس نظري، ربما مع مقالة لإنجلز تتلمس مفهوم الأمة.

ولقد فتح هذا التركيز على الاقتصاد الباب لميل اقتصادوي. وكذلك إلى استمرار التركيز على الاقتصاد باعتبار انه "ميزة" الماركسية. أو "سيراً على العادة"، حيث يكرر الخلف سيرة السلف. طبعاً دون أن نتجاهل إسهامات ظهرت تناولت المسألة القومية (الماركسية النمساوية خصوصاً، وحديثاً هوراس دايفيز وآخرين)، أو بعلم السياسة (خصوصاً غرامشي). لكن في كل الأحوال ظل البحث النظري في المسألة القومية (مسألة الأمة، والتشكل القومي، وعلاقة القومي بصراع الطبقات، والقومية بالأممية) ظل هشاً. أكثر من ذلك تحوّل مع "انتصار" الماركسية السوفييتية (الستالينية) إلى الرفض، والنبذ، كونها "منتوج" البرجوازية، وبالتالي غدت خارج كل بحث. وهو ما كان يعززه التأكيد على الميل الاقتصادوي في الماركسية، التي باتت مثالية من حيث المنهجية، وبالتالي اقتصادوية وضعية في الواقع.

هنا سوف نلمس بأن مفهوم الأمة بحاجة إلى بحث. كذلك فإن موقع تشكل الدولة/الأمة في صيرورة الحداثة يحتاج إلى بحث كذلك. وأيضاً مسألة التمييز بين الشعور القومي والفكر القومي. وأيضاً مسألة العلاقة بين التشكل الطبقي ونشوء الدولة والأمة. وهي مسائل سوف نجد تلمسات لها في كتابات الماركسيين، لكن لن نجد التأصيل النظري الكافي. وكل الحوارات التي طالتها طالتها من زاوية السياسة والمشروع السياسي. حيث ستبدو الوحدة القومية، أو الاستقلال القومي، أو حق تقرير المصير، كهدف سياسي لـ "كتلة" من البشر تشكلت على أسس معينة، وأصبحت كتلة لها "هوية" محددة، تفرض عليها تحقيق الاستقلال أو الوحدة، أو تقرير المصير. وفي مجمل الخلافات حول المسألة القومية كان معنى الأمة، وأسس تحديدها، وصيرورة نشوئها، هي الأساس المنتج لهذه الخلافات. ورغم ذلك ظلت خارج البحث الجدي.

وإذا كنا لا نهدف البحث في هذه المسألة هنا، لأنها خارج موضوعنا (أنظر، سلامة كيلة "العرب ومسألة الأمة" دار الفارابي /بيروت 1989)، يمكن أن نستنتج تأسيساً على مواقف وسياسات كل من ماركس/إنجلز ولينين، والماركسية الصينية والفيتنامية، وماركسيين آخرين، بأن الماركسية المنتصرة كانت دوماً تعنى بالمسألة القومية. حيث كانت تطرح حلاً لها. ولم تكن ترى مشروع الطبقة العاملة إلا في إطار الأمة. ولهذا تسمى مشروعها العالمي بـ: الأممي، وليس بالعالمي. فهي تنطلق من أن العالم هو عالم أمم، وليس عالم أفراد (كما تطرح النزعة الكوزموبوليتية). وبالتالي كانت تؤسس مشروعها الطبقي كمشروع "قومي" (لكن ليس بالمعنى البرجوازي كما أشار ماركس/إنجلز في "البيان الشيوعي"). فهي تسعى لتحقيق الاستقلال في الأمم المحتلة، والوحدة في الأمم المجزأة، وتقرير المصير في الأمم (أو أجزاء الأمم) في الدول متعددة القومية، كأساس لتحقيق مشروع الطبقة العاملة: الاشتراكية.