Menu
حضارة

حول مهام حركات التحرر في العالم العربي

عبد الله الحريف

حبش.jpg

قدمت في المؤتمر الثاني للحكيم

لقد فشلت حركات التحرر الوطني في العالم العربي في تحقيق الأهداف التي ناضلت من أجلها الشعوب و هي التحرر من هيمنة الإمبريالية و الصهيونية و الرجعية المحلية ( الإقطاع و الكمبرادور) و بناء الديمقراطية و توحيد شعوب المنطقة.

و لعل ما يفسر هذا الفشل هو الطبيعة البرجوازية لقيادات حركات التحرر الوطني في المنطقة والتي جعلتها تبحث عن الاندماج في النظام الرأسمالي، من موقع التابع، و بالتالي تكرس الهيمنة الإمبريالية. كما أدى خوفها من الطبقة العاملة و عموم الكادحين، إما إلى البحث عن توافقات مع الكمبرادور و الإقطاع تكون في الغالب، لصالح هؤلاء المدعومين من طرف الإمبريالية و الصهيونية، أو اللجوء إلى الانقلابات، أي أن هذه القيادات رسخت الاستبداد و الطغيان عوض الحرية و الديمقراطية. و أخيرا، فإنها، كبرجوازيات قطر ية، لا يهمها توحيد شعوب المنطقة بقدر ما تسعى كل منها إلى الهيمنة على أسواق المنطقة كلها لتحسين موقعها في النظام الرأسمالي و تدخل بالنتيجة في صراع فيما بينها. فهي إذن عامل تفرقة و ليست عامل توحيد شعوب العالم العربي. وقد استطاعت البرجوازية "الوطنية" في المنطقة العربية الهيمنة على حركات التحرر الوطني لسبب أساسي هو تبعية الأحزاب الشيوعية للاتحاد السوفيتي الذي كان يعتبر أن البرجوازية "الوطنية" تلعب دورا ثوريا طليعيا في مرحلة النضال من أجل التحرر الوطني في إطار ما كان يسميه ب"الطريق الثالث" أو "اللارأسمالي". و أدت الأحزاب الشيوعية التي تبنت هذا الخط ثمنا غاليا. وعلى عكس ما وقع في العالم العربي، استطاع الحزبان الشيوعيان الصيني و الفيتنامي، اللذان رفضا هذا الخط و سعيا إلى قيادة حركة التحرر الوطني في بلديهما، قيادة هذا النضال نحو النصر. وبدوره فشل اليسار الثوري الماركسي في العالم العربي الذي تشكل على أساس نقد التحريفية و استرجاع الجوهر الثوري  للفكر الماركسي  و نقد قيادة البرجوازية لحركات التحرر، لحد الآن، في قيادة حركات التحرر الوطني في المنطقة لسببين أساسيين هما عجزه على بناء جبهة مناهضة للإمبريالية و الصهيونية و الرجعية في المنطقة و ضعف المجهود من أجل تطوير الماركسية و تأصيلها في البيئة المحلية مما جعل بعض مكونات هذا اليسار، إما ترتد أمام ضخامة المهام و تعقدها أو تنغلق في الدغمائية و تقديس النصوص.

إن توحيد شعوب العالم العربي ليس شعارا عاطفيا بل هو ضرورة تاريخية تمليها، ليس بالأساس الجغرافيا والتاريخ و اللغة و الثقافة المشتركين، بل النضال ضد نفس الأعداء: الإمبريالية الغربية و الصهيونية و الرجعية المحلية. فالإمبريالية الغربية تسعى بكل الوسائل إلى تأبيد سيطرتها على العالم العربي، إما بالتدخل العسكري المباشر و/أو باستعمال الكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة و ذراع عسكري لها و/أو الأنظمة الرجعية المحلية كاحتياطي سياسي و عسكري و حتى مالي بالنسبة للأنظمة النفطية الخليجية. كما أن وضع القضية الفلسطينية في قلب صراع شعوب العالم العربي من أجل التحرر الوطني لم يكن اعتباطيا أو عاطفيا بل هو تعبير عن وعي عميق بالدور الذي يلعبه الكيان الصهيوني في إستراتيجية الإمبريالية الغربية، وفي مقدمتها الأمريكية، في الشرق الأوسط بشكل عام و العالم العربي بشكل خاص. فهذا الكيان جزء من قوى العولمة الإمبريالية و من قوى الحرب و السيطرة و الاحتلال الموجهة ضد شعوب الشرق الأوسط وخاصة العالم العربي. فهو إذن عدو هذه الشعوب كلها و ليس الشعب الفلسطيني وحده. و لهذا السبب لا يمكن اختزال علاقة هذه الشعوب مع القضية الفلسطينية في التضامن مع الشعب الفلسطيني- كما يسعى البعض، بما في ذلك وسط اليسار في العالم العربي، إلى تكريسه- بل يتعداه إلى النضال ضد عدو مشترك و هو الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى استئصال الشعب الفلسطيني و يعمل كأداة للإمبريالية الغربية و بمساعدة الرجعية المحلية من أجل حرمان شعوب العالم العربي من حقها في تقرير المصير و الإنعتاق من الاستبداد و الاستغلال. لذلك فإن هذه العلاقة تختلف جوهريا عن التضامن الأممي الضروري مع الشعوب المضطهدة.

لقد أدى هذا الفشل و عجز القوى الثورية التي تتبنى فكر الطبقة العاملة عن بلورة مشروع للتحرر الوطني ولتوحيد شعوب العالم العربي و عن التجذر وسط الطبقة العاملة و عموم الكادحين( الفلاحون الصغار و الفقراء و كادحو الأحياء الشعبية في المدن) إلى صعود القوى الأصولية الإسلامية التي استفادت من الدعم المتعدد الأشكال التي قدمته لها الإمبريالية الغربية و الرجعية المحلية، وخاصة الأنظمة الخليجية النفطية، لكي تتصدى لليسار و للفكر التنويري و التقدمي باسم محاربة الإلحاد.غير أن الأصولية، عوض أن تشكل بديلا للقيادات البرجوازية لحركات التحرر في العالم العربي، هي تعبير عن تعمق مأزق نضال شعوب العالم العربي من أجل التحرر الوطني و البناء الديمقراطي و الوحدة. فمن خلال طرح الأغلبية الساحقة من قوى الإسلام السياسي أن الإسلام هو الحل، يتحول الصراع في المنطقة من صراع ضد الإمبريالية و الصهيونية و الرجعية المحلية و من أجل التحرر الوطني و الديمقراطية و الوحدة إلى صراع بين "الشرق المسلم" و "الغرب المسيحي و الملحد" وصراع من أجل أسلمة المجتمعات و الدول عوض أن يكون صراعا من أجل الديمقراطية و بين المستغلين و المستغلين. لذلك، في اعتقادي، لا مستقبل ل"المشروع الأصولي"، رغم تحقيقه لبعض الانتصارات و توفره حاليا على بريق و امتدادات وسط الجماهير الشعبية، اللهم إلا إذا قامت بعض مكوناته بنقد جذري لمنطلقاته و أهدافه في اتجاه التخندق بجانب المستغلين و ضد أعدائهم في الداخل( الرجعية) و الخارج( الإمبريالية و الصهيونية) و إذا استطاعت التوجهات التنويرية داخل الإسلام بلورة قراءة تقدمية للإسلام بالارتكاز إلى الجوانب المشرقة في التراث الإسلامي و استلهام تجارب الإصلاح الديني في أوروبا و لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية. ذلك أن لا مفر من مواجهة الإمبريالية الغربية و الصهيونية و الرجعية المحلية و لا مفر من العلمانية- التي لا تعني الإلحاد بل حرية العقيدة و فصل الدين عن الدولة و السياسة- لضمان وحدة شعوب المنطقة التي تعايش فيها لقرون مسلمون و مسيحيون ويهود و ديانات أخرى، من مذاهب متنوعة و مختلفة و ملحدون و غيرهم و للتقدم على طريق الإنعتاق و الحرية و السيادة الوطنية والديمقراطية. ف"المشروع الأصولي" مشروع لتفتيت الدول و ليس توحيد الشعوب. و هو مشروع للتبعية للإمبريالية و مهادنة الصهيونية و لاستبدال استبداد باستبداد آخر. وما نشهده حاليا في عدد من دول العالم العربي، و بشكل أكثر مأساوية و دموية في العراق و سوريا و ليبيا ، خير دليل على المآزق الخطيرة التي يؤدي إليها تطبيق هذا المشروع.

إن الطبقة العاملة و عموم الكادحين هم الكتلة الشعبية التي في مصلحتها و القادرة على إنجاز مهام التحرر الوطني من الإمبريالية الغربية و الصهيونية و الرجعية المحلية و بناء الديمقراطية و توحيد شعوب العالم العربي. وتتحمل القوى الثورية الماركسية المسؤولية التاريخية المتمثلة في تنظيم و تأطير هذه الكتلة الشعبية من خلال العمل دون كلل أو ملل على التجدر وسطها و انصهار طلائع هذه الكتلة داخل هذه القوى و قيادتها. كما تقع على عاتقها مهمة بلورة مشروع للتحرر الوطني و البناء الديمقراطي و الوحدة يستفيد من الأخطاء و الفشالات السابقة لحركات التحرر الوطني في العالم العربي و يستحضر التطورات التي عرفتها مجتمعاتنا و التغيرات التي طرأت على العالم، و خاصة على الإمبريالية الغربية و الصهيونية والرجعية المحلية، مشروع يرتكز على منظور جديد للوحدة، منظور ديمقراطي ينبذ الاستعلاء و الإلحاق و الإقصاء و يقر بالتعددية في إطار الوحدة، مشروع منفتح على الأفق الاشتراكي انطلاقا من تقييم دقيق و متأن لفشل تجارب بناء الاشتراكية ومن الانخراط الفاعل في المجهود من أجل تطوير الماركسية من خلال المساهمة في بناء أممية ماركسية. إن إنجاز هذه المهام يتطلب إقامة علاقة وثيقة بين القوى الثورية الماركسية في المنطقة العربية و العالم ومد اليد إلى كل القوى الوطنية و الديمقراطية فيها والتي تناضل من أجل نفس الأهداف في إطار جبهة مناهضة للإمبريالية و الصهيونية. كما يستوجب تطوير تضامن شعوب العالم، وفي مقدمته شعوب البحر الأبيض المتوسط وأوروبا التي تعاني من انعكاسات الحروب الإمبريالية-الصهيونية ضد شعوب العالم العربي و النهب الإمبريالي لخيراته والتي تؤدي إلى التفقير والبطالة و الهجرة و تولد التعصب و التطرف الإرهاب.