Menu
حضارة

جورج حبش.. بين التراث القومى والتحرر الوطنى

حلمي شعراوي

الحكيم جورج حبش.jpg

قدمت في المؤتمر الأول للحكيم

يبرز اسم " جورج حبش " فى سماء التحرر الوطنى العربى، كعلامة متميزة.. لم يصبها الحكم.. كما لم يصبها التردد أو التراجع فى أية لحظة، حتى عندما أضناه التعب وركن إلى التقاعد، لم يشأ أن يجعله إلا تواصلاً بالنضال.. بوسائل أخرى؛ كان البحث والتقويم عنوانها... وعندها تعرفت عليه أكثر وأكثر عبر مقابلات تعددت لبحث تجربة المراكز البحثية. بين الموضوعية والأيديولوجيا، كما كان "الحكيم" يحب أن يسم هذا العمل... وكنت أدهش بحق، وأنا أمام زعيم فى هذا العمر، يعاود النظر والبحث، ويدفع إليهما الأجيال الجديدة، من أجل مسار أكثر تقدماً للثورة، وكأنه رغم تقاعده عن العمل المباشر فى القيادة والتنظيم، سيبدأ ثانية من القاعدة كما بدأ منذ خمسين عاماً أو يزيد... وفى لحظة وأنا أتأمله منهمكاً فى التعبير عن آماله.. ابتسمت، ثم سارعت بتفسير ابتسامتى له... لأننى عند ذاك كنت استحضر مقابلة لى مع الزعيم "كوامى نكروما" بعد إجباره على التقاعد فى غينيا بعد الانقلاب الغادر ضده فى غانا... وكنت أتوقع أن يكثر نكروما من الحديث عن مراراته، وإذ به يفتح معى آفاقاً جديدة للتحليل الطبقى للمجتمع الأفريقى ومشكلات النخبة.. إلى آخر ما يجب أن تأخذه الثورة الأفريقية فى اعتبارها فى المرحلة القادمة! وكدت لا أصدق وقتها مدى صدق هذه الروح الوثابة للعمل والتغيير، ولم أصدق انطباعى بثقة إلا بعد أن استمعت إلى "جورج حبش" فى مكتبه أو منزله بدمشق منذ بضع سنوات... وقد رويت الواقعة له وجعلته يبتسم معى...

لقد مضت حركة القوميين العرب فى مسالك كثيرة بين "الثقافى" و"الاجتماعى" و"الوطنى"... لكن روح "جورج حبش"، هى التى جعلت صلتها بالوطنى بل وبالثورى تضل إلى آفاق عجزت عنها بعض حركات "الجامعة" الأخرى، أو قل حركات الجامعة فى أثوابها السابقة على زحف روح التحرر الوطنى إليها بعمق كاف. فهذه المعاناة التى عايشها "الحكيم" بخروجه طفلاً من داره فى يافا ثم اللد، حتى راح يتنقل من عاصمة قطر ية لأخرى، هى التى لابد جعلته يرى العنف الاستعمارى بدون عناء، ولم يكن ذلك ليولد إلا عنفاً وطنياً وثورياً، عجز عنه طلاب الحلول السياسية والنفس الثقافى الاجتماعى الطويل، لعل ذلك هو الذى جعل الطبيب ابن الجامعة الأمريكية فى بيروت، ورفيق فلاسفة الفكر الثقافى عن أبعاد القومية العربية فى مواجهة التتريك، أو حتى الغزو الاستعمارى الثقافى، جعله لا يحيد عن إدراك التفجر الوطنى الذى صاحب القيادة الناصرية وزخمها قبل التلويح بالوحدة لتعبئة جماهير لم يحلم بها التفسير الثقافى كثيرًا.. بدا الحكيم كطبيب يرى فى الكى أقوى علاج.. رغم ما أصاب هذا النهج لفترة من افتقاده للتحولات الاجتماعية المناسبة، فكان لابد عنده من دفع معركة التحرر الوطنى بكل قوة أولاً.. حتى أوصله ذلك لمفهوم العنف الثورى نفسه من أجل التحرر الوطنى.

وإن كانت أمثلتى ما زالت من أفريقيا، فإن كثيرًا من الزعماء الأفارقة الذين نحترمهم –ظلوا مثل الزعامات العربية الكبيرة أيضًا- غير قادرين على دفع التحرر الوطنى للقدر من الثورية التى يتطلبها إدراك العنف الاستعمارى وخاصة المتمثل منه فى الاستعمار الاستيطانى كالحال فى جنوب أفريقيا وفلسطين... لم يقتحم هذا الجسر شخصيات مثل "نكروما" "أو نيريرى" اللذين ظلا فى إطار العمل السياسى الذى فرضه عليهم نظام الحكم وتنظيماته غير المؤهلة لهذا العبور. وأستطيع أن أغامر بالقول أن الناصرية نفسها لم يتح لها فرصة القفزة هذه..

ولذا كان "الحكيم" –حسب قراءتى السريعة له على أية حال- حريصا بدرجة كبيرة على دفع عملية التحرير حتى قبل إثارة عملية التغيير، ومن ثم سعد بدفعة الناصرية فى هذا المجال كما أغرته بعدها تجارب الوحدة لخدمة هذا الهدف، وكلها حالات للمواجهة التحررية مع الإمبريالية والاستعمار الاستيطانى الممثل لها بالأساس.

لكن انحسارات النظم الوطنية التى أطاحت بعدد منها الانقلابات العسكرية فى العالم الثالث، أو اختفاء عبد الناصر نفسه وتراخى التجربة التحررية والتحويلية من بعده، جعلت الحكيم نفسه ممثلاً للمرحلة الثانية، وهى مرحلة العنف الثورى فى مواجهة العنف الإمبريالى. ولم يكن وحده من أدرك هذه الضرورة، فقد كانت موجة الكفاح المسلح هى التى اجتاحت أفريقيا نفسها بقيادة "كابرال" "ونيتو"، "ونجوما"، مما أجبر الأمم المتحدة أن تقرر عام 1972 حق الشعوب فى تحرير أراضيها بكل الوسائل "اعترافاً من المجتمع الدولى بتجارب الكفاح المسلح، ودخل ياسر عرفات وسام نجوما معاً مقر الأمم المتحدة رموزاً لثورات الكفاح المسلح... حيث لم يكن جورج حبش ببعيد.

وحتى تلك اللحظة كان الجدل بين الوطنى والاجتماعى هو قضية القضايا ولم نعرف حتى وقتئذ ثمة جدل ذى شأن مع هوية الأمة الثقافية أو مفهوم الأمة الدينى أو الثقافى، لأن هوية الأمة حددتها حركة التحرر القومية التلقائية القائمة على تنوع لا يخفى من الأديان والأعراق فى المنطقة ممن شغلوا بالتحرير ولم يشغلوا بقراءة التراث، فقد كان مفهوم الأمة المثالى متمثلا فى قوميتها وليس فى مجرد تراثها الثقافى ناهيك عن الدينى.

دعونى ألاحظ أن جورج حبش ظل مع الحركة القومية العربية لعقد ونصف تقريباً قبل أن يؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ظل وراءها "كحركة" وليست حزباً يناوش هذا الحزب أو ذاك، وهو بذلك كان يراهن على ثقافة التوحد ومطامح التحرير، بل ومفهوم للأمة التى تدفع وحدتها من أجل التحرر الحتمى، ومن هنا تعددت رهاناته مع الأحزاب والزعامة الشعبوية نفسها. ولأن الحكيم يعرف أن حركة الجماهير لا يمكن إلا أن تدفع حركة التغيير، فقد بدا واثقاً من ذلك دون اللجوء للجدل المربك فى هذه القضية. وقد عرفت فى سيرته كيف كان معجباً "بماوتسى تونج" و"هوشى منه"، وأعتقد أنه كان يعرف من تاريخه مكانة النظرى وما يمكن أن يصدر عن حركة الجماهير، ولذا تطورت مواقفه من الجبهة الوطنية إلى جبهة التحول الثورى.. وبقى دائما فى إدراكه أن الزعيمين لم يخففا فى لحظة مضمون عملهما الثورى، وكفاحهما المسلح كطريق لتحقيق المكاسب السياسية. وأظنه أدرك كذلك مقولتنا السابقة عن أن تحرير الأمة وتحولها هو الذى يدفع التحول الثقافى الجديد مهما كان تراثها الاجتماعى محافظاً أو تاريخياً، لأن التحرر الوطنى الحقيقى وعلى مستوى الأمة لن يحدث إلا عبر فلسفة لتغيير أوضاع الجماهير لا تجميدها فى الأطر التاريخية. بل أنه لابد أدرك أنه حتى رومانسية الوحدة قد تعوق طريق التغيير، إذا أصبحت أسيرة تنظيمات حزبية مثل التى عرفتها المنطقة العربية قبل أن يبلور هو فكرة الجبهة الشعبية وعملها منطلقاً من القطر الفلسطينى.

وقد قاده إدراكه أيضاً للتطور فى العالم من حوله، فضلاً عن رؤيته لما جرى من أحوال الاستبداد العربى، إلى تخلصه من رومانسية الوحدة فى ذاتها، منحازا إلى شرط الديمقراطية. ورجل مثل "الحكيم" ابن ثقافة جماهيرية، كان لا يمكن أن يتأخر فى إدراك ذلك مبكراً؛ وقبل أن يزايد علينا أنصار "الموجة الديمقراطية" مؤخراً. وليست أمامى المراجع الكافية الآن لأكشف تواريخ حديث الحكيم عن الديمقراطية بأدق معانيها الاجتماعية والسياسية معاً كشرط لتحقيق الوحدة الصحيحة، وحدة طورت كثيراً من رومانسيتها إلى قبولها بالتعددية، وبالحزب القومى الاشتراكى وبتحالف مثقفين وفلاحين. و"الحكيم" الذى كان من المتحفظين لفترة على التحالف مع الشيوعيين، أو أولوية التحليل الماركسى الاجتماعى، توصل إلى القبول بمنهجية الماركسية وبطلائع يسارية تقود الجبهات الديمقراطية على النمط الفيتنامى وغيره، بل والدخول فى جبهات دون ضرورة قيادتها كما حدث فى أكثر من قطر عربى بالمشرق.

ولقد أدهشنى فى بعض مناقشاتى الأخيرة معه، بل وبعض ما قرأته له، ثقته العالية مرة أخرى فى ثقافة الجماهير الوحدوية ووعيها؛ مشيرًا بحس علمى ورومانسى فى آن إلى أن درجة الرفض العالية للسياسات الاستسلامية هنا وهنالك هى دليله الأساسى، وأن حركة الجماهير الديمقراطية هى التى ستدفع هذه المرة إلى حركة التغيير الشامل فى المنطقة.. ولذلك أصبحت الجماهير تشكل موقع صراع حاد بين جبهات عديدة، تخاف من تطلعها التوحيدى ذاك على أساس اشتراكى أو ثورى بصورة أو أخرى. فأجهزة الإعلام الإمبريالية تحيط بالناس من كل اتجاه، بل أن التيارات السلفية أصبحت تملك فى هذا الصدد الكثير، والكل يحاصر الثقافة القومية وحركة النهضة العربية.. ودعوات التفتيت للمجتمعات العربية تستغل "الثقافة" و"الطائفية" و"الأعراق" بشكل يهدد تهديداً حقيقياً طريق الوحدة... قد يكون الحكيم لذلك قد اضطر مؤخراً للتسليم بما لم نسلم به جميعاً من قبل، وهو القبول بدرجة ما بالوحدات الأصغر فى المشرق أو الخليج أو المغرب. وكان يثق أنه لا مجال للخوف من القطرية التى لا مستقبل لها مهما تعالى صوتها فى الوطن العربى، وإنما ستتحقق الوحدة حتمياً فى ظروف العولمة، ولذا فإن علينا أن نفكر مبكراً فى طبيعة التغيرات على المستوى العالمى والإقليمى حتى نضع اختياراتنا بالشكل المناسب فى هذه المعارك التى لا يمكننا تجنبها من أجل وطن متحرر بالفعل وليس مشوهاً بالمشروعات الإمبريالية.

 فى آخر لقاءاتنا كان الحكيم حريصاً على صوغ مهمة مركز البحوث الذى يزمع التفرغ له، وكانت تشغله بحوث المستقبل، وتكوين رؤى مستقبلية عبر الحوارات والملتقيات فى إطار المركز، كما كانت تشغله عملية التوفيق بين العلمى والأيديولوجى.. وقد كتب فى أكثر من موقع تصوره هذا عن المركز باعتباره الموقع الهام الذى سوف يطرح الأسئلة ويحاول الإجابة عليها. وهى أسئلة تدور أساساً حول التقويم، تقويم الماضى وما تم فيه من أفكار وسلوك وعقائد، وأسئلة تنفذ إلى المستقبل بمتغيراته وآفاقه، وموازين قواه، ومدى قدرتنا كعرب على الفعل فيه، كما يتابع المركز التغيير الهائل فى البيئة المحيطة بنا، والمؤثرة فى قضايانا الحيوية: قضية حركة التحرر العربية- الوحدة العربية- الصراع العربى الصهيونى- الصراع العربى الإمبريالى. ولينظر القارىء فى ترتيب الحكيم لهذه القضايا، وكيف تدور كما زعمنا بالأساس حول التحرر الوطنى. وهو يشير فى مواقع أخرى إلى توالى الانتكاسات فى صفوف الأمة، لكن ذلك فى تقديره لا يدعو لليأس لأن هناك أيضاً بواكير انتصارات وانتفاضات وقعت فى فلسطين والعراق ولبنان وتمضى إلى غيرها.

والبحث العلمى عند "الحكيم" هو سلاح الجيل الجديد وهو الذى يسد الفجوة مع الأيديولوجيا، فالعلم- عنده- ليس محايداً، والأيديولوجيا تعبير عن اختيار وانتماء. وليس هناك حياد بين السقوط والنهضة، ولا بين التبعية والتحرر.