Menu
حضارة

عن "جورج حبش" .... وحركة الثورة

حلمي شعراوي

الحكيم

حين يظل الإنسان "حقيقة قائمة" فى حياة مجتمعه، والفكر الإنسانى... لابد أن يكون قريباً من جورج حبش ....

وقد صارحته مرة بسبب اعجابى به، قلت ليس مجرد الخلق العالى أو المودة البالغة فى التعامل مع من يتفق معه ومن يختلف هو سبب الاجماع، وإنما لإدراك الناس أنه شخصية جامعة، قادرة على التطور .....

فحركة فكره النابض كانت يمكن أن تقف به فقط عند "القومى" أو "الوطنى" أو الماركسى... لكنه رأى أن الجمع هو الأصل. وضحك مرة قائلاً أليس الشعب مصدر السلطات! وفهمت أنه لهذا تلتقى معه القومية والماركسية وبدأ حوارنا ممتداً من دمشق إلى القاهرة...

كنت أعرف أن معاناته لم تكن فقط من بؤس الواقع العربى، بقدر ما امتدت إلى رغبته أو اضطراره لتطوير موقفه أمام هذا الواقع المتردى. الواقع الذى يبدو أحياناً كثيرة صعباً على التطوير.. وكانت الصعوبة أمام الرجل ظاهرة، بل ومعقدة....، إزاء ثقافة تاريخية مركبة، ما زالت تطرح نفسها، بل وكجزء من حركة ثورية ناهضة تطلب التعبير. إنه يريد أن يجمع الكثير، لينهض بهذه "الأمة" مع كافة المناضلين من أجلها، وكان مفهوم "الأمة" فى ذاته هو الذى يبدو عسير المنال على "الفعل الثورى" المناسب، فى الوقت أو حتى الزمن المناسب. فمعظم الأمم تطورت بسهولة أكبر إلى الدولة الحديثة.. وإلى استيعاب الثورات.... وإلى إنجاز الاستقلال بل وإلى التحرر من مختلف أشكال الاستعمار، التقليدى، والاستيطانى، وحتى الفكرى إن جاز أن تكون الإمبريالية، فكراً.... ولكنا فى المنطقة العربية، ما زلنا نقاوم من أجل أبسط قواعد النضال...!

وأنا أرجع هنا إلى مفكرتى بعد لقاءات معه.. وكثيراً ما بدوت منفعلاً إزاء "التشكل القومى" لهذه الأمة، ومعوقات تطورها... واضطرار حركاتها القائدة إلى التسليم بأمور مضى عليها الزمن ليلتئم "وفاقها" أو لندفع بأفكار ثورية حقيقية أو عميقة بين صفوفها، بما فى ذلك تطوير المفهوم القومى الذى يتوقف الكثيرون عنده، وإن كان الحكيم قد تجاوز نطاق التوقف!

كنت وأنا القريب - فى الشئون الأفريقية – من مواقع القيادة وتوجهاتها فى مصر، أرى الكفاح المسلح فى القارة يتقدم هنا وهنالك لدرجة أننا نرصد –نحن الباحثين الأفارقة- كيف تقدم هذا النمط للنضال بعد نكسات كبرى لنظام كوامى نكروما فى غانا، وموديبو كيتا فى مالى، وحتى نكسة يونيو فى مصر 1967. ومن هنا تجسدت تعبيرات "الحكيم" عن هزيمة 1967 بأنها ليست مجرد نكسة عسكرية ولكن هزيمة أوضاع عربية ونظم حاكمة! وكان الحال فى أفريقيا غير ذلك تقريبًا، بتقدم الوضع لصالح الكفاح المسلح فى موزمبيق، وغينيا بيساو، وأنجولا، وناميبيا وأنها تكاد تكون خلقت فى البلدان المجاورة أوضاعاً تتطلع او تحلم بدور "هانوى"، فى تنزانيا وغينيا كوناكرى، والكنغو برازافيل، وذلك كله بعد 1967.....

ويبدو أن جمال عبد الناصر نفسه، بدأت تصله هذه الرسالة، رغم اختلافات نشأت مع أطراف من الحركة الفلسطينية وقتها.. وصلته الرسالة كما مارسناها فى الشأن الأفريقى، وأنا ما زلت بعيداً عن الحركة العربية التى يناضل الشعب الفلسطينى فى إطارها.....

فقد رحنا –من مصر- ندعم اللجنة الأفريقية لتحرير المستعمرات، بالسلاح والتدريب فى "دار السلام"، وندعم موقف الشعب السودان ى بعد ثورة 1964 الشعبية وحتى ثورة مايو 1969 إلى جانب الثورة الصومالية والليبية... وتعرفت فى تك الفترة على "أميلكار كابرال" "وأوجستينو نيتو"، و"دوس سانتوس" وسام نيوما.. وكلهم زعماء بارزين للنضال المسلح فى القارة...

وربما كانت تلك هى بنية شاب من إطار التحرر الوطنى الأفريقى فى اقترابه من إطار حركة التحرر الوطنى العربية... ومقدمة لمعرفتى بشخصية مثل جورج حبش....

ورغم إبعادى من الشأن الأفريقى فى مصر مع التردى الذى حدث فيها فى السبعينيات، فقد أتيح لى معاودة الاتصال به وبحركة التحرير الفلسطينية عبر وجودى فى الشأن العربى الأفريقى فى تونس مع أوائل الثمانينيات حيث منظمات الجامعة العربية...

هناك لمست طبيعة المعارك التى تدور فى الساحة الفلسطينية، فى ذلك الوقت، وأذكر يوماً –لا أنساه- رأيت جورج حبش يكاد "يهش" بعصاه مجموعة من شخصيات عربية، تحاول اللقاء مع قيادات فلسطينية لبدء بث فكرة الحوار، مع "دوائر قريبة" من صنع القرار الأمريكى والصهيونى! إزاء معاناة حركة النضال الفلسطينى من جراء كامب ديفيد...، ومعارك بيروت!

لا أريد التوسع هنا ولكنى أذكر أنى عرفت هذا النمط من المواقف التى اتخذها "الحكيم" من قبل قيادات أعرفها على الصعيد الأفريقى أيضاً... حيث كنت عائداً من "زامبيا"  قبل ذلك بحوالى العام، وفى إحدى قواعد العمل الوطنى الأفريقى فى لوساكا، كانت قيادة المؤتمر الوطنى الأفريقى (جنوب أفريقيا) وحركة سوابو (ناميبيا)، والمطروح هو ما عرف بسياسة "الوفاق" مع النظم العنصرية التى تبثها بعض قيادات زامبيا وساحل العاج والسنغال.. الخ ضد سياسة ما عرف "بالدول المتحررة" وحركات التحرر تجاه تلك النظم العنصرية فى زوديسبا وجنوبى أفريقيا..... ويومها،  وفى شقة متواضعة، بشارع "القاهرة" فى لوساكا، حضرت بعض مناقشات قادة من حركات التحرير فى هذه الأقاليم ضد "الوفاق" المطروح....! وكدت أرى الراحل "أوليفر تاميو" زعيم المؤتمر الوطنى الأفريقى.. يكاد "يهش" بعض القائلين بإمكان التفاهم مع" هذا الطرح...!!

فى ذلك اليوم فى تونس، تذكرت ذاك اليوم فى لوساكا... وظللت أحمل فى ذاكرتى ما رأيت، حتى عدت لمقابلة "الحكيم" فى دمشق والقاهرة، ونحن نؤسس مركز البحوث العربية والأفريقية أواخر الثمانينيات ومن أولى بحوثه الدراسة المقارنة بين "حركة التحرر الفلسطينية والأفريقية"، وتوثقت علاقاتنا الشخصية، وحكيت له الكثير، وحكى لى ما عنده....!

لم أكن أنكر عليه رؤيتى عن رؤاه حول تطور الحركة القومية.. وكنت ألمح له، بما جرى تلقائياً من تطورات فكرية وواقعية حتى على يديه، وقد كنت أتابع قراءة "الهدف" وأكتب بها أحياناً كما فعلت مع "الحرية" أحياناً أخرى، لأنى أرى أن معركة النضال الحقيقى لا يمكن أن تتجزأ، إلا فى حدود لا تنال من زخمها.... كان الرجل "حكيماً" بحق... ويتفهم جيداً الاختلافات والتوافقات من حوله... أكد أهمية مسيرة مركزنا فى القاهرة كجزء من النضال الثقافى والاجتماعى فى هذا البلد الذى يعتز به، كما كان يتعاطف كثيراً مع "لجنة الدفاع عن الثقافة القومية" التى واجهت حركة ما سمى "بالتطبيع" مع الكيان الصهيونى... كان ميراث "لطيفة الزيات" رئيسة اللجنة والتى قادت حركة الشباب عام 1946 ضد "التفاوض" مع الإنجليز.... قريباً من موقفى كأمين اللجنة، وأنا القريب من الحركة الوطنية الأفريقية ضد نظام الأبارتهيد أو "الوفاق" معه فى جنوب أفريقيا، حتى يتحقق هدف الجماهير الأفريقية فى التحرر الوطنى الديمقراطى.... كان لقاء مدهشاً بين جبليين..... كما هو لقاء بين فكر الثورة الفلسطينية والحركة الأفريقية العربية...

وكانت الصيغة تعجب "الحكيم"... بينما تحتوينا آلام الموقف العربى وتدهوره بين لحظة وأخرى كلما توفر اللقاء.

 وكلما مر الوقت بعد رحيله، بدا الظرف أكثر صعوبة، لأن الحركة الوطنية الديمقراطية فى مصر، لم يتوفر لها ظرف النهوض الذى كنا دائماً نأمل فيه، كما أن الحركة الثورية فى فلسطين لم تكن اسعد حالاً، وهى تتعرض فى كل يوم لآثار غير مقدرة بالضرورة، للاختلافات الفكرية والعملية.. بما لابد من التوقف عنده، وخاصة عندما نتذكر جورج حبش....

لقد تصورنا من "ميدان التحرير" فى يناير/فبراير 2011، أن من أولى نتائج ثورتنا فى مصر أن تعيد ذاك الدور التاريخى لمصرنا إلى جانب قوى الثورة الفلسطينية فى أسرع وقت... وكان شعار: "الحرية والكرامة الإنسانية"... الذى رفعته الانتفاضة المصرية يلمح بالأساس إلى مسئولية النظام السابق عن ضياع كرامة مصر، بضياع دورها الإيجابى مع الوطن العربى وأفريقيا بالأساس.... وشعر الثائر المصرى دون أية تعقيدات، أن ما يحدث فى فلسطين والعراق، ساعتها هو جزء من مسئوليتنا..... فما بالك بما حدث بعد ذلك! إن وحدة القوى الديمقراطية وطلائعها الثورية هى مصير هذه الأمة حتماً، ولابد ونحن نتذكر جورج حبش، أن نتذكر القاعدة الفكرية لهذا التوحد وأبسط صياغاتها فى "الوحدة والتنوع" فقد تختلف القوى الفاعلة فى ميدان الثورة لكنه لابد من تصور ما لوحدة عملها المستقبلى... وقد أهلك الإقصاء دائماً... أطرافاً رئيسية من عملنا ومصائرنا... لكنا فى مصر، ما زلنا نقول مثلما قال الكثيرون فى التنظيمات الشعبية بمصر لجورج حبش، إن فلسطين قضية مصرية... وهذا وحده هو معيار الموقف الآن، ولا أعتقد أن الحركة الديمقراطية فى مصر... تختلف حول ذلك... أما التفكير بمنهج الإقصاء أو التمركز حول الذات ..... فلا أعتقد إلا أنه يمضى بأصحابه فى طريق حرف مسار العمل الثورى الحقيقى عما اختارته قوى الثورة منذ وقت مبكر وقبل بروز أهواء الهيمنة أو جزر التخلف. على ساحة النضال. إننا أمام عدو لا يفرق هو نفسه بين صفوف الشعب المناضل، فكيف تقبل الحركة الشعبية بأقل من تصورات العدو عن وحدة نضالنا.. ومواجهتنا بهذا العنف، فى أطر العولمة والاستبداد العالمى، وبيسر يتحقق له من واقع انقساماتنا.

وفى محاولة نهوض الشعب المصرى وقواه الديمقراطية برغم كل ما يواجهه من عداوات صغيرة وكبيرة، وبكل المعوقات الداخلية والإقليمية فإننا لا نتصور إلا أن نظل قريبين من حركة الثورة الفلسطينية، التى لابد ستنتصر مع قوى الشعب المصرى على كل مواقع الفتنة والإنقسام . انني واثق من مستقبل التقاء القوي الوطنية الديمقراطية , والثورية علي المستوي الفلسطيني والعربي  من اجل التحرر الشامل  في فلسطين والوطن العربي , لان الخريطة واضحة الان  , ومن جراء ما نشهده عليها من صور الهيمنة الامبريالية  وتقدم خطط التفتيت وادواته الارهابية ما يجعلنا نثق ان التحرر الحقيقي لا يمكن ان يكون جزئيا....ومن اجل ذلك نستحضر الكثير من رؤي  جورج حبش .

لقد كانت –وما زالت- الثقة فى حركة شعوبنا، تتطلب حكيماً مثل جورج حبش.. وقد بذل الراحل العظيم كل ما عنده... حتى مضى... ليظل جديراً بالتكريم الدائم... لأن شعارنا المشترك... كان عنده- كما عندي- هو الشعار الأفريقى المبكر... النضال مستمر ( لوتا كونتينوا..) ...