Menu
حضارة

الإعلام المقاوم

سركيس أبو زيد

الموضوع متشعب وانطلاقاً من المناسبة الكريمة أنا برأيي أن شخصية القائد جورج حبش بحد ذاتها هي مادة أساسية وما زالت من أجل إعطاء بعد عملي لإعلاء شأن المقاومة. أيضاً إعلاء المقاومة بحاجة إلى شخصيات ورموز ومضمون ومعنى من أجل تعميمها وتعميم فكرها.

 وأعتقد أن القائد جورج حبش كان نموذجاً يقتضى به، خاصة أنه ذلك المناضل الذي ترك كل شيء وكل الموروث التقليدي والطائفي والطبقي والتحق بالثورة ولأنه كان مبدئياً، كان دائماً رافضاً ومقاوماً ويرفض التسويات وكل هذه اللغة. ولأن لغة المقاومة بحاجة إلى مواقف مبدئية غير ملتبسة لا تغرق بالتفاصيل بالمرحلية خاصة لأن مواقفه كانت رائدة لأنه رفض كل التسويات وفكرة الدولة الفلسطينية وكل المساومة. وحافظ على شعلة المقاومة وعلى الرفض للمشاريع الانهزامية وعلى استمرار المقاومة، وبهذا المعنى هو قائد وثائر لا يموت. وهو مادة أساسية للإعلام المقاوم.

من جهة أخرى، فلا يمكن بناء مقاومة جدية إذا لم تكن حرة وغير تبعية، للأسف الآن الإعلام نوعين، الإعلام الرسمي وهو المرتهن وهو الذي دائماً بحاجة إلى إمكانيات مادية لذلك هو تبعي وهو مطبع متخلي عن المقاومة وعن القضية ومتآمر مع "إسرائيل" وبدأنا اليوم نشهد حركة واسعة من التطبيع والترويج والتحالف مع "إسرائيل". ولكن يستعاض عنه بالإعلام الاجتماعي والتواصل الاجتماعي الذي أتاح للفقراء والمناضلين والمشاكسين والرافضين بأن يكون منبر ووسائل للتواصل. والثاني هو إعلام المقاومة، إعلام الرفض والممانعة والمقاومة لكل هذه الأعمال. لذلك فإن الإعلام المقاوم الحقيقي هو الذي يقدّم مادة غير ملتبسة مبدئياً، وأعتقد أن هناك شعار كان عزيز على الدكتور جورج حبش وهو " كل الحقيقة للجماهير" لأن هذه الحقيقة هي التي تعبّر وتوعّي أما التذاكي والالتباس والتشاطر بالإعلام، فإنه يغيب الحقيقة ويغيب المقاومة. لذلك نحن بحاجة إلى مادة مبدئية صادقة حقيقية تتوجه إلى الجماهير من أجل توعيتها وتعبئتها، ومن جهة أخرى بحاجة إلى وسائل إعلامية حرة غير مرتهنة وغير تبعية.

نؤكد مرة أخرى بأننا لا نستطيع أن نتكلم عن الاعلام بشكل عام لأن هناك إعلام مطّبع، وهذا الاعلام لم تعد القضية الفلسطينية بالنسبة إليه هي أولوية، ولم تعد تعنيه، وهناك دول عربية عديدة متآمرة وتسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية، لذلك الاعلام المعبّر عنها هو إعلام مطبّع وخارج عن الثوابت يحاول أن يقدم للجمهور العربي أولويات أخرى ليلهيه ويبعده ويحرفه عن المسألة الفلسطينية، وعن حق الشعب الفلسطيني بأرضه.

 أما الإعلام الملتزم بالمقاومة من خلال نظرة تقييمية فبطبيعة الحال إمكانياته محدودة، وأحياناً لا يخدم القضية ككل لأنه أحياناً له بعد محلي أو بعد مذهبي أو بعد فئوي، وهذا يحد من هذا الموضوع. أما الإعلام الذي يشبه الدكتور جورج للأسف فيهو محدود لأنه كان جذري مبدئي بعيد عن الكيانية والإقليمية والجهوية والمذهبية والطائفية، وبنفس الوقت له موقف مبدئي وجذري ضد " إسرائيل" هذا النوع من الاعلام للأسف محاصر ومحارب من الامبريالية الامريكية ومن العدو الصهيوني ومن ارتداداتهما في الدول العربية كأنظمة وأطراف وجهات أصبحت غير معنية بالمسألة الفلسطينية، لذلك علينا أن نميز أي مقاومة أو اعلام. معنى ذلك أن قسم كبير من الاعلام أصلاً مرتهن وخارج اهتمام وخارج اهتماماته المسألة الفلسطينية، على سبيل المثال لدي كتاب صدر مؤخراً عن البطريك المناضل والمقاوم من أجل تحرير القدس " كابوتشي" والذي كانت له مشاركة فعلية في النضال بعد الـ67. خاصة أن هذه المحطة التي غيرت كثيراً من المفاهيم وعملت تطوراً جذرياً نوعياً في أساليب النضال، حتى  أن الدكتور جورج حبش أكد ان درس 67 كان له دور كثير في تغيير حياته وبمسيرته النضالية هذا الكتاب لم يستطع أن يكون له اهتمام بمعرض الكتاب المصري مثلاً، أو على الأقل كان يجب تنظيم  ندوة عن المطران كابوتشي، بمناسبة مرور عام على رحيله.

 هناك حصار على المقاومين وعلى المقاومة وإعلام الحقيقة والإعلام المقاوم . نحن بحاجة إلى إعلام مقاوم حر وعلى أن يكون منوط بموقف فكري وجذري، والدليل على ذلك أن المبدئية التي كان يتمسك بها الدكتور جورج حبش هي الحل الموضوعي لقضيتنا. ربما يومها كان يتهم جورج حبش بأنه مغامر بينما الآن أصبح في الحقيقة أن جميع الذين يتمسكون بالحل السلمي والذين راهنوا على حلول مرحلية مع العد الصهيوني عادوا إلى المبدئية والتوصيات التي كان يطرحها الدكتور جورج حبش لأنه كان مبدئي ولأن المسألة الفلسطينية والقضية إما الأرض لنا أو هي للعدو. هذه المبدئية هي التي انتصرت، وكل الذين راهنوا على الحلول الآنية وعلى الحلول السلمية وصلوا  إلى طريق مسدود.

يجب علينا استثمار مواقع التواصل، وهناك مواقع وجهات إعلامية ومجلات مقاومة تخدم القضية ولو بحدود الإمكانيات المتوفرة لها، ولكن مطلوب أيضاً من هذا الاعلام المقاوم أن يتكاتف وأن ينصب جهوده وأن يتحد من أجل توفير شبكة مقاومة من كل هذه الوسائل الإعلامية ومن كل القوى المؤمنة بالمقاومة كحل جذري، وبأن تتوحد فيما بينها وأن تنسق فيما بينها حتى تصل إلى أكبر جمهور ممكن لأن المعركة الفعلية هي الوصول إلى أوسع جمهور ممكن خاصة الآن بزمن العولمة وبزمن أن العالم أصبح قرية إعلامية، ونلاحظ بأن عدد كبير من الدول العربية تمنع الاعلام حتى على الانترنت وحتى بوسائل التواصل حتى تبقى شعوبها في كانتون وأسر يبعدها عن هذا الوعي المقاوم الجذري.