Menu
حضارة

دور الحركة الأسيرة في تعزيز الوحدة الوطنية

مداخلة منظمة الجبهة الشعبية في سجون الاحتلال

أخواتي وأخوتي المؤتمرون

 في ذكرى مرور عشرة أعوام على رحيل الحكيم، تلك الشخصية الفريدة والتي شكّلت رمزاً وطنياً وقومياً وأممياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هذا القائد لم يكن قائداً سياسياً فحسب إنما مدرسة فكرية شكّلت الإضافة النوعية على الفكر السياسي الفلسطيني، إضافة إلى كونه مدرسة في الأخلاق والتواضع والانضباط والصلابة والثبات والنضال والتضحية، فقد عاش ثائراً مؤمناً بأن تحرير فلسطين ليس ممكناً أو ضرورة تاريخية فحسب إنما أيضاً حتمية تاريخية على حد تعبيره، منطلقاً من قناعته بعدالة قضيتنا الوطنية الفلسطينية وطبيعة الكيان الصهيوني باعتباره جسم غريب زرعته الامبريالية كأداة في المنطقة وبأن صراعنا معه صراع تناحري مع محيط عربي والذي حتماً .. لتتحمّل مسئولياتها القومية والإنسانية.

إن مدرسة الحكيم الفكرية ليست مجرد كلمات وشعارات إنما هي فكرة مكتملة العناصر ارتقى من أجلها كوكبة من الشهداء ... مدرسة تؤمن بضرورة تضافر كل أشكال النضال على رأسها الكفاح المسلح باعتباره أرقى أشكال النضال... مدرسة تؤمن بترابط العامل الوطني والقومي باعتبار فلسطين جزءاً لا يتجزأ من الوطن العربي دون السقوط في ال قطر ية الضيقة... مدرسة لم تسقط في أوهام التسوية الأمريكية لأنها لا تفصل بين الامبريالية والصهيونية... مدرسة منحازة إلى فقراء الشعب وطبقاته الكادحة.... مدرسة ترى بالمرأة قاعدة للمساواة... مدرسة تعتبر نفسها جزءاً من تحالف عالمي لكافة حركات التحرر الثورية والشعوب المضطهدة ضد الامبريالية، وإلى جانب كل ذلك فإن الحكيم مدرسة شديدة الايمان والتمسك بالوحدة الوطنية باعتبارها أحد الشروط الرئيسية لهزيمة الاحتلال.

أهلنا الأعزاء في القطاع الحبيب.. أيها المؤتمرون

إن تفسيرنا كحركة وطنية أسيرة لظاهرة الانقسام واستمراره هو عجز القيادة السياسية ببرنامجها الحالي عن مواجهة أزمة نظامنا السياسي ومشروعنا التحرري، وأزمة طبقة مهيمنة تريد الاستفراد بالقرار الوطني فأي معنى للاستمرار على الانقسام في ظل المؤامرات التي تحاك ضد شعبنا وأمتنا.

أحبائنا جميعاً،

على مدار مسيرتنا النضالية الطويلة قدّم شعبنا تضحيات جسام، قافلة طويلة من الشهداء ارتقت على مذبح الحرية، وقائمة طويلة من الجرحى الأبطال، وقرابة النصف مليون معتقل ملأوا السجون الصهيونية، وانصهرت معاناتهم مع معاناة شعبنا، هذا العدد الهائل من الأسرى لم يشهد لهم مثيل في أي ثورات الشعوب في أصقاع العالم نسبة لعدد السكان، وكان لخريجي السجون دور فاعل في قيادة العمل الوطني في كافة حقوله، واحتل الأسرى مكانة نضالية رمزية معنوية لدى سائر قطاعات شعبنا وليست الهجمة الأخيرة لقطع رواتب ذوي الشهداء والأسرى ، سوى محاولة صهيوأمريكية لضرب مشروعية النضال، ولشق حقنا في مقاومة الاحتلال والمكفول في القوانين والشرائع الدولية.

لقد شكّل الأسرى عبر مسيرة نضالهم حالة وحدوية أسست لنهج اعتقالي مقاوم لإدارة مصلحة السجون وسياساتها الاعتقالية، وما المنجزات التي تحققت في الأسر إلا حصيلة الوحدة والتكاتف رغم أن هذه الوحدة تمر اليوم بامتحان صعب، لأن عدوى الانقسام بدأت تصيبها.

ومع ذلك كان للأسرى دور بالغ للدعوة لإنهاء الاقتتال الفلسطيني ثم الدعوة لإنهاء الانقسام الذي بات يهدد بضرب النسيج الوطني والاجتماعي برمته، وقد أبدع الأسرى بصياغة وثيقة الأسرى التي عُرفت لاحقاً بوثيقة الوفاق الوطني عام 2006. تلك الوثيقة كان من الممكن أن تشكّل حلقة مهمة لرأب الصدع، للتوافق على قاعدة للشراكة الوطنية، ورغم أنه لم يكتب النجاح لهذه المبادرة إلا أنها ما زالت تشكّل أرضية هامة يمكن أن يُبنى عليها، كما أن قناعتنا لم تهتز بأن لا خيار أمامنا سوى تحقيق الوحدة الوطنية حفاظاً على مصالح شعبنا الوطنية والديمقراطية.

إن الوحدة الوطنية لا يجب أن تكون بأي ثمن، صحيح أنها الحلقة المركزية للتصدي للمؤامرات التي تحاك ضد شعبنا، ولكننا نريد وحدة وطنية حقيقية لتنفيذ برامج نضالية وصياغة استراتيجية وطنية شاملة، والمشاركة الديمقراطية في اتخاذ القرار الفلسطيني، وإرساء العلاقات على أساس واضح فيما يضمن ترتيب البيت الفلسطيني في الداخل الشتات، وإعادة تفعيل (م.ت.ف) على أسس وطنية وديمقراطية تضمن مشاركة الأخوة في حماس والجهاد في هذه المؤسسة، وتكفل حيويتها وتمثيلها وسلامة خطها السياسي. نريد وحدة وطنية تحافظ على المقاومة وترعاها وترفض أي مساومة على سلاحها. نستذكر عبارة وردت في أدبيات الثورة الفيتنامية كان الحكيم يرددها دائماً في خطابته وهي " أن الوحدة وسلامة الخط السياسي والعسكري هو الذي قادنا للانتصار"، لذا فإن أي وحدة يجب أن تكون استجابة لمصالح شعبنا وقضيته وليس ردة فعل أو مكايدة أو انصياعاً للضغوط الخارجية أو تعبيراً عن مصالح فئوية ضيقة؛ فالمطلوب إنهاء تداعيات الانقسام، وإلغاء العقوبات الجائرة على أهلنا في القطاع كخطوة أولى تثبت حسن النوايا.

أعزاؤنا ،،،

لدينا القواسم المشتركة التي تشكّل الثوابت الوطنية الفلسطينية من حق العودة و القدس والدولة والسيادة والحدود والأسرى، وإن الإصرار على هذه الثوابت يبدأ بتشكيل مجلس وطني جديد لضمان تمثيل عادل لأهلنا في الشتات بكافة قواه، مجلس وطني يضمن تمسكنا بحق العودة جوهر القضية، يليه إعادة بناء وترتيب البيت الفلسطيني في الداخل عبر إجراء انتخابات بلدية ورئاسية وتشريعية وفق التمثيل النسبي الكامل، ثم العمل نحو تطوير النظام السياسي الفلسطيني، والنظام القضائي وصولاً لكافة المجالات الأخرى، وهذه الخطوات ستكون الرد الأمثل على إدارة " ترامب" التي تعتقد أن حقوقنا  الوطنية والتاريخية والقانونية معروضة للبيع.

الحضور الكريم،،،

إن التحديات الجديدة التي تواجه شعبنا صعبة وخطيرة ويُراد بها هدم كافة المنجزات الوطنية التي بُنيت عبر عقود، فالإدارة الأمريكية والصهيونية تريد العودة بنا إلى المربع الأول من حيث القضاء على الوجود والكينونة والهوية وتقرير المصير، وسلسلة القرارات الأمريكية حول القدس وتشجيع الاستيطان وشرعنته وصولاً حول الأونروا لا تفُسر سوى محاولة لشطب حق العودة وتأبيد الاحتلال والقضاء على هوية الشعب الفلسطيني وحقوقه.

إن هذه الإجراءات الجديدة تؤكد على وهم التسوية ووهم حل الدولتين، واستحالة تقرير مصيرنا دون تفكيك المشروع الصهيوني كما قال الحكيم " الصهيونية بالنسبة لشعبنا هي الظلم، هي العدوان، هي التشريد، هي التحالف الامبريالي، هي التصدي لكل تقدمي في الأرض العربية".

الأخوات والأخوة المشاركون في هذا المؤتمر الهام،،،

إن صياغة أي استراتيجية خلاص وطني تتطلب فهم عميق لطبيعة الاحتلال الصهيوني والوضع الفلسطيني والعربي والتحديات الدولية، والارتكاز على المنطلقات التالية:

  1. إن أي منطلق لصياغة استراتيجية خلاص وطني يجب أن تعي وتفهم حقيقة أننا نواجه استعماراً استيطانياً يسعى للحصول على الأرض لتدشين كيان لا مكان فيه للسكان الأصليين، فتفريغ الأرض من السكان وطردهم أو حتى إبادتهم هي عقيدة راسخة لهذا الكيان.
  2. المنطلق الثاني هو وعي حقيقة أن بعض الأنظمة العربية انتقلت بشكل نهائي لمعسكر القوى المعادية للجماهير العربية، وأصبحت جزء من معسكر الامبريالية والصهيونية والرجعية، فهناك من يسعى لتحجيم المقاومة بينما تريد بعض الأنظمة العربية القضاء عليها لتمرير تسوية هزيلة تضيع حقوقنا. 3) ضرورة تفعيل حضورنا في كافة المؤسسات والمواثيق الدولية والمطالبة بمؤتمر دولي كامل الصلاحيات لتطبيق قرارات الشرعية الدولية، ومن جهة أخرى التوجه دون تلكؤ إلى المحاكم الدولية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه وإيجاد سبل دعم وإسناد حملات المقاطعة الدولية للكيان الصهيوني.
  3. أما المنطلق الرابع فهو فلسطينياً والمطلوب هو تعزيز صمود شعبنا وتوفير متطلبات صموده على المدى البعيد، واستعادة ثقته التي بدأت تتزعزع بالقيادة السياسية وقدرتها على إنجاز المصالحة، فشعبنا حي ولكن لن يصمت طويلاً على جريمة الانقسام، كما لن يصمت على استمرار التعاون الأمني والفساد والاستهتار بكرامته.

وختاماً، نعرب عن ثقتنا بأن يخرج المؤتمر بقرارات ترتقي ومستوى التحديات. ونؤكد لكم ما قاله الحكيم يوماً " أننا أمام هذه المسيرة النضالية الطويلة سنبقى أوفياء  لهذه القضية لجوهرها نرفض الاحتلال الصهيوني مصممين على اقتلاعه من جذوره سائرين في طريق النضال والتحرير حتى تحرير كل مليمتر واحد من الأرض الفلسطينية، فأمانة في أعناقكم وأعناق أدباءنا وأعناق مؤرخينا ... أعناق كتابنا ... شعبنا... كل قوى المقاومة... أعناق كل حر أن تفرضوا المصالحة وأن تتحمّلوا مسئولياتكم الوطنية والأخلاقية، ليس وفاءً للأسرى فحسب إنما وفاءً لتضحيات شعبنا  الهائلة والدماء التي روت هذه الأرض على مدار  عقود، وفاءً للتاريخ ولدمعة أم الشهيد وأم الأسير أمنا والمجد والخلود للشهداء وإننا حتماً لمنتصرون.