Menu
حضارة

الحكيم جورج حبش والشباب

جميل مزهر

الحكيم

مقدمة:

مما لاشك فيه أن جوانب عدة في حياة القائد الملهم المؤسس د. جورج حبش كالجانب الإنساني واهتماماته بعنصر الشباب لم تحظ بالاهتمام والتأريخ كما حظيت به تجربته النضالية السياسية كمؤسس لحركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي وضعته كأحد أهم القيادات الفلسطينية الوطنية والقومية وحتى الأممية.

 ولعل الهدف الأساسي من طرحنا هذه الورقة بعنوان " الحكيم جورج حبش والشباب" في المؤتمر الثاني للحكيم، هو الإشارة إلى أن اهتمامات الحكيم المؤسس د.جورج حبش للشباب، ورعايته بهم كعنصر هام ومشكّل أساسي للجبهة الشعبية ومن قبلها حركة القوميين العرب، كانت جزءاً مكوناً أساسياً لشخصيته الكاريزمية، ولمركزه القيادي ومواقفه الصلبة التي لم تقبل بأنصاف الحلول أو التراجع، او التوقف في منتصف الطريق.  لقد كرس الحكيم حياته وجل اهتماماته في رعاية  الشباب سواء داخل الجبهة الشعبية أو خارجها، معتبراً إياهم الأمل المنشود، وأنهم من يمتلكون الديناميكية والحيوية والمرونة، المتسمة بالاندفاع والانطلاق والتحرر والتضحية في سبيل الوطن، مستلهماً ذلك من تجربته الشخصية والتي انضم فيها إلى باكورة النضال شاباً صغير السن.

كان يرى الحكيم في الشباب القدرة على النقد وعدم القبول بالضغط والقهر، يمتلكون العنفوان اللازم من أجل الاعتداد بالنفس والتحدي والتمسك بالموقف.

الشباب في نظر الحكيم هم الذين يحاولوا إدراك ما يدور من حولهم والإلمام الأكبر بقدر من المعرفة المكتسبة،  وقدرتهم على الاستجابة للمتغيرات من حوله وسرعة استيعابهم وإيمانهم بالفكرة والهدف التي من أجلها انضموا إلى هذا الإطار الجبهوي المقاوم، وتبنيهم لها والدفاع عنها. وكان يعجبه قوة شخصيتهم ورغبتهم في تغيير الواقع المجافي والمشاركة في صنعه، ولقد شكّلت النكبة أساساً في تكوين شخصيتهم واندفاعهم نحو واجبهم الوطني من أجل استعادة كرامتهم ووطنهم.

وتعتبر كلمة السر في تعزيز دور الشباب داخل الجبهة والتي ناضل الحكيم المؤسس هي تعزيز روح الديمقراطية والتي من خلالها شكلت مشاركة جادة للشباب في القرار، وهو ما يُفسر أن قيادة الجبهة منذ التأسيس كانت قيادة شابة واعية مدركة لطبيعة اللحظة التاريخية والواقع، لديها خبرات كبيرة في طبيعة العدو الصهيوني، والتحالفات ومعسكر الأعداء والأصدقاء، وقد كانوا القوة السياسية، كان سلاحهم عقولهم وسواعدهم ، وتقدموا بثبات لتحقيق الأهداف الوطنية التحررية وقدّموا التضحيات الجسام والتي شكّلت تاريخ الجبهة.

وقد كان الحكيم يعي تماماً بأن الحزب الذي يحوز على ثقتهم ويمتلك عقولهم وسواعدهم، فإنه يتقدم بثبات لتحقيق أهدافه سواء أكانت وطنية تحررية أم ديمقراطية اجتماعية، وهو ما تحقق إلى درجة كبيرة داخل جسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

جورج حبش الشاب:

لقد شكّلت ممارسات الاحتلال البريطاني ضد الشعب الفلسطيني سبباً رئيسياً في تفتح ذهن الشاب جورج حبش لمجموعة من الحقائق وهو أن هذا الاحتلال بغيض ومجرم ينبغي مواجهته ومقاومته، وقد ساهمت بعد ذلك آثار النكبة وتداعياتها المؤلمة وتشريد أهله وطردهم من اللد على أيدي العصابات الصهيونية في تغلغل الثورة والغضب الشديد إلى عقل الشاب اللداوي، جعلته يبذل جهداً كبيراً من أجل توظيف كل خبراته وحياته في خدمة مجابهة هذا الاحتلال البغيض. وبدأت تتشكل داخله روح الشاب الغاضب المعبء بالحماس والحيوية والرغبة في الانتقام ممن تسبب في تشريده من وطنه. وبطاقة الشباب الجبارة، والمتقدة بالحماسة والحيوية والثقافة العالية التي تولد عنها معرفة كاملة بما هو العدو وفي كيفية مواجهته.

ومنذ وجوده في الجامعة الأمريكية في بيروت دفعت الظروف والتطورات الصاعدة في الاراضي الفلسطينية، وخاصة خطة تقسيم فلسطين التي أقرتها الأمم المتحدة في نوفمبر عام 1947 إلى خوض غمار العمل السياسي، أدرك ومجموعة من الطلبة آنذاك طبيعة الخطر الذي كان يهدد فلسطين،   نظم خلالها وعدد من الزملاء المظاهرات المطالبة بالنضال من أجل الدفاع عن فلسطين، وعمّت أعمال الاحتجاج والإضرابات المتكررة. لدرجة أن الحكيم في أحد الأيام قام باحتلال القاعة الغربية في حرم الجامعة الأمريكية كما تحدث في مذكراته، مطالباً الحكومات العربية بتدريب الشباب على استخدام السلاح بهدف التوجه إلى الجبهة لمقاومة التغلغل الصهيوني. وما أثار الغضب لديه هو رؤيته للمجموعات الأولى من اللاجئين الفلسطينيين وهم يصلون إلى لبنان. انهمك بعدها في متابعة شئونهم ومساعدتهم. حتى وأثناء وجوده في الأردن واصل اهتماماته في اللاجئين الفلسطينيين واعتناءه بالمرضى والجرحى، وأسس هو ورفيق دربه وديع حداد مدارس لمحو الأموية، وتعليم اللاجئين القراءة والكتابة، والعناية الصحية.

لقد وعي جورج حبش الشاب باكراً بأن النظرية الثورية والثقافية والخبرة السياسية هما جزءان لا ينفصلان عن المقاتل الذي يجب أن يدرسها ويتعلمها، فعندما أسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتقلد منصب الأمين العام كان يحرص باستمرار على زيارة مراكز التدريب والاشراف المباشر على المقاتلين الشباب باعتبار أن الوعي والثقافة هي البوصلة التي توجه المقاتل الشاب وتجعله قادراً على مواجهة أصعب الظروف.

جورج حبش الاستثنائي:

ما ميز الهيئة القيادية الأولى للجبهة الشعبية لتحرير في بداية تأسيسها وخاصة أعضاء المكتب السياسي بأن معظمهم كانوا من فئة الشباب، ساعدوا لعبوا دوراً هاماً في رسم سياسية وبرامج الحزب التنظيمية والسياسية، ولذلك ليس غريباً أن تنعكس حيوية الشباب داخل الجبهة على أداء الجبهة الراقي في الميدان، وتنفيذ عملياتها التي أدمت الكيان الصهيوني، وشكّلت انعطافة هامة في تاريخ الصراع الفلسطيني الصهيوني.

كان الحكيم مهتماً إلى أبعد الحدود في أن يتبوأ هؤلاء الشباب مناصب هامة في الهيئات المركزية لأنه كان يراهن على حيويتهم، ولأنهم المستقبل، ولذلك نجح في بناء جيل شاب مقاتل متعدد الامكانيات مفعم بالثقافة وكان من أهم المثقفين آنذاك الشهيد الأديب غسان كنفاني الذي امتلك قدرات وطاقات أدبية وثقافية وسياسية هائلة، ساهمت في إثراء الجبهة وبرنامجها بالفكر الثوري الجذري. وقبل أن يُكلف الحكيم الأديب الراحل بأن يكون ناطقاً رسمياً للجبهة ومسئولية رئاسة تحرير مجلة الهدف، كلفه بأن يكون أحد المحررين في مجلة الرأي التي أسسها الحكيم وهو في الجامعة الأمريكية، ونقلها إلى سوريا.

استقالة حبش كنموذج للشباب

قرر الحكيم في المؤتمر الوطني السادس للجبهة والذي عقُد في دمشق عام 2000، عدم رغبته في ترشيح نفسه للهيئات القيادية الجديدة في الجبهة، لافتاً أن أهم الأسباب التي دفعته لهذا الخيار هي إفساح المجال أمام عملية التجديد والتغيير، وضخ دماء شابة جديدة. فكان يريد تقديم قوة المثل والنموذج .

لقد شكّل هذا القرار سابقة جديدة لم تقدم عليها أي قيادة فلسطينية أو عربية،  وأعطى الهاماً للشباب داخل البيت الجبهاوي انطوت على الكثير من المعاني والدالات، عززت من مكانته الخاصة والمميزة داخل الجبهة الشعبية وخارجها، زادت من أسباب التقدير والاحترام له. كما أعطت حافزاً لدى الشباب الجبهاوي بالسير على ذات النموذج الذي سار عليه واستكمال الطريق. لقد أكد الحكيم المؤسس في تصريحات صحافية أعقبت قرار تنحيه أنه كان متأخراً، وأنه كانت تتملكه الرغبة قبل سنوات عدة في الإعلان عنه، لكنه بسبب بعض الظروف العصيبة التي كانت تحيط بالجبهة وبالقضية الفلسطينية استمر في قيادته دفة سفينة الجبهة الشعبية، حتى توفرت له الظروف في المؤتمر الوطني السادس. هو أعلن أن قراره هذا هو ترك المناصب والعمل بالهيئات المركزية داخل الجبهة، وليس ترك النضال وأنه بصدد العمل في مهمة جديدة وهي تأسيس مركز للدراسات الجماهيرية.

جورج حبش ومركز الدراسات:

بعد قرار الحكيم المؤسس بالتنحي من قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مع مجموعة من المثقفين العرب مركز الغد العربي للدارسات، كمؤسسة بحثية مستقلة غير ربحية، كان أحد أهم أسباب التأسيس هو رفد المكتبة العربية بعشرات الكتب والدراسات الهامة، عن موضوعات هامة تخص القضية الفلسطينية وقضايا عربية ودولية أخرى. وكان الحكيم يهدف من هذا المركز الإجابة على أسئلة مركزية لازمته خلال تجربته النضالية عن أسباب سقوط فلسطين، والهزيمة العربية، وفشل تجربة تعميم القومية، وأزمة اليسار العربي. ولكن الجانب الآخر من حالة النجاح في تأسيس المركزي هو استيعاب الحكيم لكفاءات شابة مثقفة ساهم وجودهم في المركز في ظل وجود الحكيم وبعض المثقفين في إدراك الوعي والثقافة، ساهم في رفد الجبهة بهذه الكفاءات والاستفادة منهم سواء في تحرير مجلة الهدف، أو استيعابهم في الهيئات المختلفة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

إدراكاً منا للدور الذي لعبه الحكيم المؤسس د.جورج حبش في النهوض بعنصر الشباب الجبهاوي، فإنه من الواجب علينا أن نقترح بعض التوصيات التي تعيد الاعتبار للشباب، وتعمل على الاستفادة من تجربة الحكيم في هذا الموضوع، لذلك أقترح:

  1. إعادة إحياء مركز الغد للدراسات وأن يتسع تدريجياً ليشكل نواة لمركز تخطيط استراتيجي لتدريب الشباب  داخل الحزب وخارجه على موضوعات هامة سياسية واجتماعية واقتصادية..الخ، بما في ذلك إعداد دراسات وأبحاث توثق مشاكل الشباب والمجتمع الفلسطيني، وتعالج مشاكل اقتصادية كالبطالة..إلخ.
  2. ضرورة فتح حوار مع الشباب العربي القومي في مختلف البلدان العربية، وبلورة آلية لتوحيد جهودهم من خلال هيئة تعمل على مناقشة الأوضاع الراهنة، وسبل حل الإشكاليات، بما يعيد الاعتبار للعامل القومي، وأهمية أن يكون للشباب دور في ذلك.
  3. تعزيز العمل التطوعي للشباب في مختلف المجالات، باعتباره بوصلة الطريق التي تشكّل أساس نجاح الحزب في الاندماج مع الجماهير والتقرب منهم وملامسة همومهم.
  4. أن تولي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والأحزاب الفلسطينية عملية التغيير الديمقراطي اهتماماً كبيراً داخل جسمها بشكل دوري يعطي فرصة للشباب لتبوأ مراكز متقدمة،  تساهم في رفعة الحزب وفي المشاركة بالقرارات المختلفة.
  5. إعادة الاعتبار للجسم الشبابي ليكون طاقة الحزب وعلى الأرض.
  6. بما أن الحكيم اعتبر أن المقاتل غير الواعي سياسياً كأنما يوجه فوهة البندقية إلى صدره فإننا نوصي بأن تتضمن برامج تدريب المقاتلين داخل الجبهة دورات ثقافية في الاستراتيجية والسياسة والوعي ليستفيدوا منها مع الدورات العسكرية.
  7. ندعو لضرورة تشكيل لجنة لتوثيق عميق لتجربة الحكيم على صعيد الشباب.
  8. فتح صندوق "جورج حبش" لمساعدة الطلبة في  استكمال الدراسة، باعتبار أن الراحل كان من أشد الداعين للعلم، ولضرورة التخفيف من معاناة الطلاب وإعفائهم من الرسوم والأعباء الدراسية عليهم.

في الختام.. ومن وجي تجربة الحكيم، نتساءل تُرى لو كان الحكيم جورج حبش حياً بيننا ماذا ستكون رسالته للشباب في هذه الظروف والتحديات الراهنة؟ بالتأكيد سيدعو لاحترام حق الشباب في المشاركة السياسية ، والتأكيد على المساواة باعتبارهم الحاضر والمستقبل، وسيدعو لتنمية قدراتهم كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أم ثقافية، وصون كرامتهم واعادة الاعتبار لدورهم، وإطلاق العنان لطاقاتهم، وبذل الجهود من أجل عدم حرف طاقاتهم والاستمرار بالتمسك بالأهداف والثوابت.