Menu
حضارة

القدس واللاجئون من التسوية إلى التصفية

إبراهيم أبراش

يأتي هذا المؤتمر في ظل تحديات كبيرة وغير مسبوقة، وفي ظل وجود مشروع تصفية للقضية الفلسطينية، وهي اسميها حرب شاملة على المشروع الوطني، حرب تتوحد فيها "إسرائيل" مع أطراف متعددة على تصفية القضية، حرب لها بعد عسكري، اقتصادي، نفسي، ثقافي، قانوني وعلى كافة المجالات. ومن لا يريد أن يشاهد ويرى هذا المشهد إما أن يكون جاهلاً أو متجاهلاً، لأنه يريد أن يستمر في الحديث عن الإنجازات والانتصارات السياسية والإنجازات في مجال المقاومة، وهم بذلك يضحكون عل أنفسهم ويضحكون على الشعب.

لا يمكن الحديث عن إنجازات وانتصارات في ظل ما يعيشه شعبنا الفلسطيني في الضفة وغزة، هذا الأمر يحتاج إلى مراجعة حقيقية ووقفة مع الذات إن كان هناك فعلاً نخب سياسية لديها استعداد أن تعمل مراجعة سياسية أو وقفة مع الذات، وتتراجع عن وهم الانتصارات والإنجازات.

النقطة الثانية، هو أنه مع قدوم " ترامب" كان هناك قرار واضح بتصفية القضية الفلسطينية، فعملية التسوية وصفقة القرن التي تحدث عنها "ترامب" تضمنها برنامجه الانتخابي، وهذه المشاريع تضرب قضية القدس واللاجئين والدولة. ولذلك كان واضحاً منذ مجئ " ترامب" وحتى في دعايته الانتخابية بمواقفه من هذه القضايا، ولكن المشكلة أن الجميع كان صامتاً،  وأيضاً " ترامب" في حملته الانتخابية كان يتحدث بشكل واضح أنه سيقوم بنقل السفارة الأمريكية من " تل أبيب" إلى القدس، وسيعترف بالقدس عاصمة ل"إسرائيل". ومنذ مجيئه وهو يقول لا لحل الدولتين ولن ألتزم به، وهو يتحدث عن الأونروا وضرورة تصفيتها وتقليص المساعدات التي تُقدم للفلسطينيين.

ولكن الأهم ماذا فعلنا كفلسطينيين وعرب خلال هذا العام الكامل منذ تولي "ترامب" الرئاسة، والذي منذ دعايته الانتخابية وهو يتحدث في هذه العناوين الكبيرة التي تؤدي إلى تصفية قضيتنا، فلم نجد أية ردود فعل قوية لا من العرب ولا من الفلسطينيين، والأنكى من ذلك أن الاتصالات بين الرئيس أبومازن والإدارة الأمريكية استمرت، وحتى أنه التقى " ترامب" عدة مرات، رغم أن " ترامب" كان واضحاً في عناوينه.

وفي هذه المرحلة أيضاً عقدت قمة الرياض بحضور 58 دولة عربية وإسلامية، وقابلوا " ترامب" وعملوا صفقات أمنية وعسكرية واقتصادية بمليارات الدولارات معه، وهم يعرفون أيضاً ما هو برنامجه.

لذلك " ترامب" لم يعلن الضربة القاضية ونقل السفارة والاعتراف إلا لما رأى ردود الفعل من الأمتين العربية والإسلامية والفلسطينية والتي لم تكن بمستوى هذه التحديات.

أين ردود الفعل؟ قمة عربية لم تعقد، قمة إسلامية في إسطنبول كانت هزيلة جداً ولم تصدر قرارات وكان بيانها ضعيف. وعلى المستوى الفلسطيني ماذا فعلنا؟ المجلس المركزي أين هو وأين تنفيذ قراراته في مواجهة هذه القرارات؟

لماذا نطلب من العالم العربي والإسلامي التوحد لمواجهة هذا القرار ونحن كفلسطينيين غير موحدين، فللأسف حركة حماس لديها موقف، وفتح لديها موقف، وكل لديه موقف مختلف عن الآخر، فكيف سنواجه هذا المخطط ونحن لسنا موحدين؟!.

القضية ليست قضية " ترامب" بل قضية الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك من يريد أن يهرب من الحقيق ولا يريد أن يقول  الولايات المتحدة الأمريكية لأنه يريد استمرار مصالحه الاقتصادية وعلاقاته وتحالفاته، والاستمرار في المراهنة على الولايات المتحدة، وأن يقول لنا مشكلتنا مع " ترامب" وليس الولايات المتحدة.

ولذلك، أنوه بأن مشكلتنا نحن هي مع سياسة الولايات المتحدة الأمريكية فهي الدولة، لأن " ترامب" وقع على قرار صادق عليه الكونجرس الأمريكي منذ عام 1995 والذي اتخذ قرار بنقل السفارة، فهو  أصبح قراراً من دولة.

هل نحن مستعدون لمواجهة الإدارة الأمريكية؟ لم نرد عليها ولم نسحب سفير، وهذا يفرض علينا تحديات هامة، ولكن ماذا سنفعل؟ هذه السياسة الامريكية واضحة حرب على القدس، وحرب على قضية اللاجئين، وتقليص تمويل الاونروا، فهي حرب تصفية بالكامل، ماذا ستفعل القيادة الفلسطينية إزاء ذلك؟ بكل وضوح قلنا نرفض الرعاية الأمريكية لعملية التسوية؟ وماذا بعد؟ هل البقاء على حالنا يمكن أن يؤسس لحالة، نحن جربنا 25 سنة مفاوضات ولم تأتِ بأي شيء؟ وتوقفنا عن المفاوضات في عام 2010 ولكن الاستيطان استمر والإجراءات الصهيونية على الأرض استمرت؟ فماذا سنفعل؟ وتأتي علينا القيادة لتقول لا نريد التعامل مع الولايات المتحدة، وتريد طرف آخر يحل محل الولايات المتحدة؟ هل هذا الحل؟

لن يجرؤ أحد أن يحل مكان الولايات المتحدة في رعاية عملية التسوية، حتى لو طرحوا مشروعاً لن يكُتب له النجاح، الرئيس المصري متمسك بالرعاية الأمريكية للتسوية، وأيضاً ملك الأردن، ودول الاتحاد الأوروبي نفس الشئ. لكن ماذا سنفعل نحن؟ هل سنظل في نفس الموقف؟ هل عندنا استراتيجية لمواجهة ذلك؟ للأسف خطاب الرفض لا يؤسس لاستراتيجية، وإن استمررنا في محاولات تسجيل مواقف على الآخر فإنها لن تكون ذات جدوى، ولا يمكن أن يُبنى عليها استراتيجياً، وبعد ذلك فإن حديث تلك القيادات عن التمسك بالثوابت الوطنية فهذا نوع من الضح على الذقون إن صح التعبير، فأين الثوابت التي نتمسك بها؟ القدس ضاعت وموضوع اللاجئين يريدون تصفيته والدولة تضيع. وما زالت الفصائل تقول " نتمسك بالثوابت".

هل أنتم قادة جئتم لتقولوا نتمسك بالثوابت أم استعادة الثوابت؟ لماذا ننتخب القيادة هل حتى تشبعنا قول بالتمسك بالثوابت؟ لمتى نتمسك بالثوابت؟ ما هو الحل؟

 الحل باستراتيجية وحدة وطنية وليس المصالحة، فهي كلمة أصبحت ممجوجة ومقيتة، وعلينا أن ننتقل من مصطلح مصالحة طرفي الانقسام إلى الوحدة الوطنية، هناك فرق بين مصالحة طرفي الانقسام لأنهما يمكن أن يتصالحا ويتفقا على إدارة الانقسام وتقسيم مغانم السلطة والاستمرار في الوضع الراهن، أما الوحدة الراهنة فهي تتجاوز كل ذلك.

والدليل على ذلك أنه عندما تم التركيز على مصالحة طرفي الانقسام غرقوا في قضايا الرواتب والموظفين، وإذا كانوا ليسوا قادرين أن يتفقوا على قضايا الرواتب والموظفين هل هم يستطيعون أن يأسسوا لاستراتيجية في مواجهة الاحتلال؟

القادة الذين حضروا اجتماعات القاهرة ووقعوا اتفاق القاهرة 2009، 2011، و2012، 2014، و2017 ماذا كانوا يفعلون، إذا قضية الموظفين والرواتب لم يتفقوا عليها هل سيتفقوا على شيء؟ هؤلاء يضحكوا  علينا إما لم يتفقوا أو اتفقوا ولا يستطيعون اتخاذ قرار إنهاء الانقسام لأنه ليس بأيديهم.

من صنع الانقسام هو " إسرائيل" وأدوات فلسطينية ساعدتها، وإن كانت هي مستفيدة من هذا الانقسام لن تنهيه، لذلك القيادات لا يمتلكوا الجرأة أن يقولوا الحقيقة ويستغلوا معاناة الشعب في قضية حوار بعد حوار، ولكن لأين ستصل الأمور؟.

المطلوب هو صوغ استراتيجية وحدة وطنية، ولكن السؤال هل في ظل نفس النخب السياسية الموجودة الآن يمكن أن نخرج من هذا المربع البائس؟ أم نحتاج لتجديد هذه النخب؟ وكيف ستحدث عملية التغيير هل بالانتخابات أم بالتوافقات الوطنية؟ هل بضغط من الشارع؟.

إذا استمرت الأمور على حالها، فالقدس، واللاجئين والدولة ستضيع.