Menu
حضارة

رؤية الحكيم والموقف من الوحدة الوطنية والنظام السياسي الفلسطيني

جميل المجدلاوي

يصعب الفصل أو التمييز بين رؤية الحكيم لمختلف جوانب القضية الفلسطينية ورؤية ومواقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي أسسها وقادها على امتداد ثلث قرن من الزمان، وفي تقديري فإن الوثيقة الصادرة عن المؤتمر الثاني للجبهة الشعبية الذي انعقد في شباط 1969 والمعروفة بالإستراتيجية السياسية والتنظيمية للجبهة تشكل الأساس ونقطة الانطلاق التي حكمت مواقف وسياسات الجبهة بشكل عام بما في ذلك رؤيتها للوحدة الوطنية ولمنظمة التحرير الفلسطينية، ولقد كانت مواقف الجبهة تتعدد ارتباطاًَ بالمستجدات وحركة الواقع، إلا أن الناظم والمحدد لكل ذلك هو الرؤية التي تضمنتها الإستراتيجية السياسية والتنظيمية.

لقد كان السؤال الرئيس في هذه الإستراتيجية هو من هم أعداء شعبنا، ومن هي قوى الثورة الرئيسية وحلفاؤها؟

وقد أجابت الإستراتيجية على سؤال الأعداء بأنهم إسرائيل، والحركة الصهيونية والإمبريالية العالمية المساندة لإسرائيل والحامية لها والتي تتفق مع إسرائيل والصهيونية في إضعاف العرب وضرب حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية، واعتبرت كذلك الرجعية العربية جزءً من معسكر الأعداء سواء كانت أنظمة رسمية أو طبقات وبخاصة البرجوازية الكومبرادورية ذات المصالح والارتباطات والتبعية للإمبريالية العالمية.

وبالمقابل، فقد حددت الجبهة قوى الثورة على الصعيد الفلسطيني وتحالفاتها على الصعيدين العربي والعالمي، فعلاقة الثورة الفلسطينية مع الجماهير العربية وقوى حركة التحرر العربية علاقة عضوية، تجسد البعد والطابع القومي لصراعنا مع العدو الصهيوني – الإمبريالي الذي يتطلب تحقيق الانتصار التاريخي عليه حشد طاقات الأمة العربية.

أما بالنسبة للأنظمة العربية الرسمية فقد ميّزت الجبهة بين ما اعتبرته أنظمة رجعية، وأنظمة وطنية، فالأنظمة الرجعية هي أنظمة تابعة ومتحالفة مع الإمبريالية وتعتمد في وجودها إلى حد كبير على دعم وحماية الإمبريالية لها، وهي أنظمة قمعية ومتخلفة ومعيقة لحركة الجماهير ولطموحاتها السياسية والاجتماعية، وموقعها هو الموقع المناهض لحركة التحرر الوطني العربية في أقطارها وعلى الصعيد العربي عموماً.

إن هذا التحليل – التوصيف – لهذه الأنظمة وموقعها في الصراع لا يلغي بروز تناقضات بينها وبين الكيان الصهيوني ونزعاته الأصيلة في التوسع والهيمنة، لكن الجبهة ترى أن هذه التناقضات تظل محكومة بالإرادة الإمبريالية ومصالحها وتبعية هذه الأنظمة لها في نهاية الأمر.

أما بالنسبة لما اعتبرته الجبهة أنظمة عربية وطنية، فهي أنظمة تقودها قوى جاءت في مظهرها الرئيس من صفوف البرجوازية الصغيرة بشرائحها وفئاتها المختلفة، وأبرز ممثليها في حينه كان نظام عبد الناصر الذي حاولت أنظمة أخرى في سوريا والعراق والجزائر و ليبيا واليمن أن تتمثل بعض إنجازاته التي لا يمكن التنكر لها سواء على الصعيد الداخلي وبناء مصر، أو على صعيد السياسة الخارجية بدعم حركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وسياسة الابتعاد النسبي عن الإمبريالية والتصادم معها أحياناً في إطار حركة عدم الانحياز.

لقد جاءت حرب حزيران ونتائجها في عام 1967 لكي تؤكد من جهة ضيق الإمبريالية والصهيونية من هذه الأنظمة وعدائها لها ولرمزها الأول في مصر على وجه الخصوص وحرصها على توجيه ضربة لها تقطع الطريق على نهوضها أو تحولها نحو تعزيز سماتها التحررية والتقدمية، وتؤكد من جهة أخرى هشاشة وضعف بنيتها وعجز برامجها وسياساتها عن الصمود في مواجهة هذا التحدي.

على ضوء هذا التحليل العام لطبيعة ومواقف ومواقع هذه الأنظمة فقد اعتبرتها الجبهة الشعبية حليفاً للثورة الفلسطينية، حليف تتفق معه في مقاومة الاحتلال، وفي مقاومة الهيمنة الإمبريالية وتختلف معه في أشكال وآليات الصراع، وفي الميل الموضوعي لهذه الأنظمة نحو البحث عن مساومات تمكنها من التعايش مع الإمبريالية ومصالحها بل والبحث عن سياسات تحقق لها التقاطع مع بعض هذه المصالح، بما يؤمّن مصالح هذه الأنظمة وبقائها وسيطرتها، وسيتجلى هذا الخلاف عبر مسيرة الثورة بأشكال وأساليب وآليات وموضوعات متعددة، لقد تبدى عجز هذه الأنظمة، سياسة وآليات بوضوح في هزيمة حزيران 1967 وقبولها بالقرار 242 وغيره من المبادرات والمشاريع "السلمية".

وهكذا فقد حددت الجبهة طابع العلاقة مع هذه الأنظمة بأنه تحالف وصراع.

وعلى الصعيد الدولي، فإن حلفاء الثورة هم القوى المناهضة للإمبريالية والصهيونية، وكانت معسكراً ضخماً في حينه يضم المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، والصين، وحركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأحزاب الطبقة العاملة على الصعيد العالمي، ويستطيع المتابع أن يرى بأن التغيرات الكبرى والنوعية الكونية التي طالت هذا المعسكر لم تلغِ القانون الناظم لهذه الرؤية الذي ينطلق من أن كل القوى المناهضة للإمبريالية والصهيونية وعولمتها المتوحشة في مختلف المراحل هي في موقع الحليف الموضوعي للثورة الفلسطينية.

وعلى الصعيد الفلسطيني فقد رأت الجبهة في إستراتيجيتها السياسية والتنظيمية أن "مادة الثورة الفلسطينية وعمادها وقواها الأساسية هم العمال والفلاحين، وهذه الطبقات هي التي تشكل غالبية المجتمع الفلسطيني، وهي التي تملأ من حيث المكان، كافة المخيمات والقرى والأحياء الفقيرة في المدن، هنا تكمن قوى الثورة، هنا قوة التغيير، هنا الاستعداد الحقيقي لتحمل سنوات طويلة من القتال".

وبالإضافة إلى العمال والفلاحين فإن البرجوازية الصغيرة إبان مرحلة التحرر الوطني جزء من طبقات الثورة وتشكل حليفاً للعمال والفلاحين، ومشاركاً في النضال من أجل التحرر.

وعلى الرغم من أنه لا يمكن الحديث عن البرجوازية الصغيرة باعتبارها طبقة متجانسة موحدة المصالح ومحددة المعالم، فبعضها أقرب في حياته ومستوى دخله إلى العمال والفلاحين والفقراء المهمشين عموماً، وبعضها يعيش أوضاعاً حياتية مريحة تشدّه نحو الطبقة البرجوازية ومحاكاتها والسعي الحثيث ليكون جزءً منها، إلا أن هذه الطبقة بمختلف فئاتها وشرائحها ذات مصلحة حقيقية في إنجاز مرحلة التحرر، وفي تحرير الوطن وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

إلا أنه وبحكم طبيعة معركتنا ضد هذه الغزوة الصهيونية وحلفائها التي ستمتد لعشرات السنين، بكل ما يرافق هذه المواجهة من تعقيدات، إنجازات وهزائم، تقدم وتراجع، صعوبات كفاحية وحياتية، وعِظَم التضحيات التي ستفرضها هذه المسيرة، فإن البرجوازية الصغيرة وبحكم ترددها وتذبذبها ستكون مستعدة لتسويات ومساومات لا مبدئية وللبحث عن حلول للصراع في محطاته المختلفة تهدد الثورة ومسيرتها بالخطر.

إن هذا التحليل لطبيعة البرجوازية الصغيرة لا يعني استحضار مثل هذه المخاطر وخوض الصراع المبكّر حولها، لكنها تتطلب التنبه والحذر من هيمنة البرجوازية الصغيرة على قيادة الثورة الفلسطينية، وعليه فإن العلاقة معها تقوم على ركيزتين، أو قاعدتين، لا يجوز لإحداهما أن تطغى على الأخرى أو تصادرها.

الركيزة والقاعدة الأولى: أن هذه الطبقة هي جزء من قوى الثورة الفلسطينية، ينبغي الحرص عليها والعمل على حشدها في معركة التحرر الوطني.

والركيزة والقاعدة الثانية: هي الصراع معها حول القيادة والبرنامج، بحيث تعمل طبقات الثورة ومادتها الأساسية من العمال والفلاحين على الوصول إلى قيادة الثورة، فهي صاحبة المصلحة الحقيقية والقادرة على متابعة مسيرتها حتى الانتصار مهما كانت الصعوبات والتعقيدات، فلا وشائج ولا مصالح لها مع الإمبريالية والصهيونية، ولا تمتلك ما يدعوها للبحث عن حلول وسط وتسويات تتهدد مسيرتها بالخطر.

إن الصراع مع البرجوازية الصغيرة يجري في إطار الحرص على الوحدة والتمسك بها، وبحيث لا يطغى على صراعنا الأساسي مع الصهيونية والإمبريالية.

أما بالنسبة للبرجوازية الفلسطينية، فهي طبقة محدودة العدد، وهي بالأساس برجوازية ذات طابع كومبرادوري وغير منتج، برجوازية تجارية ومصرفية في مظهرها الرئيس، تتشابك مصالحها وتترابط مع الإمبريالية على اختلاف بلدانها ومجالات نشاطها، وبالتالي فهي كطبقة اجتماعية تكون في المدى الإستراتيجي ضد الثورة التي تريد القضاء على الإمبريالية ووجودها ومصالحها لأن ذلك سيطال مصالح "برجوازيتنا" ذاتها، ولا يلغي هذه الحقيقة تعاطف بعض أفرادها بين الحين والآخر مع أبناء شعبهم أو حتى رغبتهم في أن يكون لهم وطن وسوق، بيد أنه إذا تناقض هذا التعاطف أو الرغبة مع المصالح فالانحياز في نهاية الأمر لمصالح هذه الطبقة.

لقد شكّل هذا التحليل الطبقي لقوى الثورة وطبقاتها الذي لا يخفى تأثره بالتجربة الصينية ودروسها حول التناقضات في صفوف الشعب، الأساس والناظم لرؤية الحكيم ومن ثم رؤية الجبهة ومواقفها تجاه الوحدة الوطنية بشكل عام والموقف من منظمة التحرير الفلسطينية بشكل خاص.

الوحدة الوطنية وم.ت.ف:

حاول الحكيم وقيادة التنظيم الفلسطيني في حركة القوميين العرب أن تكون انطلاقة المقاومة المتجددة بعد عدوان الخامس من حزيران 1967 انطلاقة وحدوية تضم "التنظيمات الخمسة التي كانت تفكر جدياً في مسألة الكفاح المسلح وهي فتح والصاعقة وشباب الثأر وأبطال العودة وجبهة التحرير الفلسطينية" إذ يقول الحكيم: "حاولنا مع التنظيمات الخمسة وعقدت اجتماعات .. وأنا حضرت اجتماعاً أو اثنين من هذه الاجتماعات" وعن هذه الاجتماعات تمخضت ولادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بلقاء بين كل من شباب الثأر وأبطال العودة وجبهة التحرير الفلسطينية.

وهذه الرؤية والممارسة الوحدوية التي عبرت عنها الإستراتيجية السياسية والتنظيمية بوضوح في عام 1969 عندما نصت على "أننا نعتبر الوحدة الوطنية الفلسطينية أمراً أساسياً لتعبئة قوى الثورة كافة للتصدي لمعسكر الخصم وعلى هذا الأساس فإننا يجب أن نتخذ موقفاً فعالاً في هذا الاتجاه" وتكاد كل أدبيات الجبهة، ولقاءات الحكيم وخطاباته وكتاباته تؤكد على ضرورة الوحدة الوطنية واعتبارها أحد شروط الانتصار دون أن يغادر الحكيم النظرة الطبقية لقوى الثورة وموقع وموقف كل منها ودورها فيها، والأخطار التي تتهددها والاستخلاصات من التجربة الملموسة لمسيرة الثورة والمنظمة ليقول الحكيم في نهاية تسعينات القرن الماضي أن الوحدة "ضرورة ملحة لمواجهة السرطان الصهيوني، شرط أن تقوم على أساس سياسي واضح، وعلى أساس ديمقراطي، وألا تكون تحت رحمة قيادة فردية".

لقد ظلّ قانون الوحدة والصراع هو القانون الذي حكم علاقة الجبهة مع القيادة المتنفذة في المنظمة التي هي في الواقع تمثل البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في أصولها وممارساتها وصيرورتها، فتكون الوحدة هي المظهر الأبرز في مشهد هذه العلاقة أحياناً، ويكون الصراع هو مظهرها الأبرز في أحيان أخرى، بما في ذلك تشكيل اصطفافات وأطر جبهوية لمواجهة سياسات القيادة البرجوازية كما حدث في منتصف السبعينات عند تشكيل جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية – جبهة الرفض – للتصدي لميل وسلوك القيادة المهيمنة على قرار المنظمة نحو التكيف والتعامل مع التسوية التي بدأ يشق طريقها السادات، أو بتشكيل التحالف الديمقراطي ثم التحالف الوطني لمواجهة ذات البرنامج التسووي، وإن كان قد تبدى بشكل أكثر هبوطاً ووضوحاً دفع بعض تحالفات عرفات وشركائه في فترة السبعينات للانحياز لبرنامج التصدي لسياساته وبرنامجه السياسي والتنظيمي بانحداره السياسي وتفرده التنظيمي.

وفي كل المنعطفات التي مرّت بها الثورة الفلسطينية المعاصرة والعلاقات الفلسطينية الداخلية بين قوى وفصائل العمل الوطني وبينها منفردة ومجتمعة مع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، فقد بقيت الجبهة، وبقي الحكيم متمسكاً بالمنظمة باعتبارها أحد أهم منجزات الشعب الفلسطيني في ثورته هذه، ولعل ما جاء في وثيقة المؤتمر الوطني السادس - تموز 2000 التي قدمت للمؤتمر تحت إشراف ومتابعة الحكيم قبل مغادرته الطوعية لموقع الأمين العام، ما يلخص نظرة الحكيم وموقفه من المنظمة وإدارة العلاقات الوطنية فيها وحولها، حيث يقول التقرير: "إن م.ت.ف بميثاقها وببرنامج الإجماع الوطني هي الإطار الوطني الفلسطيني الجامع، التي استطاعت من خلال نضالات الشعب الفلسطيني وقواه المنظمة من فرض نفسها كمعبر سياسي قانوني وتنظيمي عن وحدة الشعب وكيانيته وهويته، وبالتالي اكتساب شرعية عربية ودولية معترف بها" ويتخطى هذا المفهوم "المفهوم الضيق للمنظمة كإطار لوحدة القوى السياسية والاجتماعية الأساسية في الساحة الفلسطينية".

إن هذا التوصيف للمنظمة، وما تمثله، يوضح الأساس الموضوعي من وجهة نظر الجبهة الذي يفسر مواقفها تجاه المنظمة في مختلف المراحل.

فهذه الصفة المركبة للمنظمة، صفة الكيانية الوطنية والتعبير السياسي والقانوني والتنظيمي عن الشعب الفلسطيني كتجسيد ونقيض واضح ومعترف به للكيان الصهيوني يرد على تنكره لوجود شعبنا، ومحاولاته ومخططاته الدائمة لتبديد هذه الكيانية والقضاء عليها، وصفة المنظمة كإطار جبهوي للوحدة الوطنية، يمكن الاختلاف مع قيادتها ومظهرها المقرر عموماً برنامجاً وتكويناً مؤسساتياً وممارسة، اختلافاً يمكن الصراع حوله من داخل المؤسسة القيادية والتنفيذية عموماً، ويمكن الصراع حوله من خارج هذه المؤسسات إذا تطلب تصويب السياسات والبرامج ذلك، وكما حدث في مرات متكررة، لعل أبرزها خروج الجبهة من اللجنة التنفيذية وتشكيل جبهة الرفض في سبعينات القرن الماضي واستمرار العمل من أجل بناء الوحدة على أسس تغادر فيها قيادة المنظمة برنامج وسياسات التسوية في حينها، وهو ما فرض على القيادة المهيمنة التراجع عن برنامجها التسووي الذي اشتقته من برنامج النقاط العشر المعروف، لصالح وثيقة طرابلس الوحدوية في عام 1978 التي اعتبرها الحكيم "قد أخرجت م.ت.ف من كل مجرى التسوية" واعتبرتها قيادة فتح على لسان أبو إياد في فترة لاحقة بأنها قد أدت إلى إنهاء جبهة الرفض بما يظهر التباين بين نهجين وموقفين حتى فيما يتفقان رسمياً عليه.

وكذلك، ما بلوره مشروع اتفاق عدن –الجزائر بين قيادة فتح، وقيادة التحالف الديمقراطي، وصولاً للمجلس الوطني التوحيدي في الجزائر عام 1988، والحوارات الثنائية والجماعية في نهاية التسعينات التي تمت بين الجبهة وقيادة فتح في محاولة من الجبهة لترميم واستعادة الوحدة الوطنية التي ضربتها اتفاقيات أوسلو.

وهكذا عملت الجبهة على تجنب خطأين وقعت بهما العديد من فصائل وقوى العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني، الأول كان يدفع نحو البقاء في المنظمة ومؤسساتها رغم كل الظروف ومهما كانت التناقضات مع قيادتها المهيمنة، باعتبار المنظمة هي المعبر عن الكيانية الفلسطينية، والثاني الذي يتعامل مع المنظمة باعتبارها إطاراً جبهوياً لتنظيم عمل أطرافها والانشداد الدائم للكوتا والمحاصصة داخل هذا الإطار الجبهوي، أو المغادرة النهائية لهذا الإطار.

وبالمقابل فقد تعرضت الجبهة ولا تزال للنقد من أصحاب النزعتين السابقتين، فتارة تُتهم بالوسطية من أصحاب نهج المغادرة العدمية أو عدم الانخراط في المنظمة، وأحياناً تُتهم بإضعاف نفسها وإضعاف قوى الإصلاح داخل المنظمة عندما تغادر بعض هيئاتها ومؤسساتها القيادية والتمثيلية.

وبالمنظور التنظيمي الفئوي يمكن التأشير ببساطة على الكلفة التي دفعتها الجبهة تكراراً من "حصتها" في المنظمة وهيئاتها وإمكانياتها في كل مرة تأخذ بسياسة التصدي للقيادة اليمينية من خارج هذه المؤسسات، إلا أن التدقيق في صيرورة الوضع الفلسطيني والعلاقات الداخلية الفلسطينية يُظهر بوضوح أن المظهر الرئيس لقوى المطالبة بالنضال من الداخل فقط، حوّلها إلى توابع هامشية لليمين وسياساته والقوى التي سارت على سياسة المغادرة وعدم الانخراط رسمياً في مؤسسات المنظمة أوصلت مع سياسات اليمين الساحة الفلسطينية إلى الاقتتال فالانقسام الكارثي الذي يهدد بالتبديد إنجازات شعبنا على مدار عقود الكفاح الطويلة الماضية.

إن هذا التكثيف العام لسياسة وممارسات الجبهة في موضوع الوحدة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، لا يعني أن هذه الممارسة كانت صائبة في كل المحطات، وعلى سبيل المثال، فإنني أعتقد أن قيادة فتح كانت سعيدة بمقاطعة الجبهة للمجلس الوطني الخامس الذي رسّخ تمييز حركة فتح الكبير عن باقي الفصائل الفلسطينية وعن الجبهة الشعبية على وجه الخصوص، وتم فيه اختيار أبو عمار رئيساً للمنظمة دون الضوابط والمحددات التي يمكن أن تحول دون الهيمنة والتفرد، كذلك فقد استفاد أبو عمار من وجود الجبهة خارج اللجنة التنفيذية ومن رخاوة وتردد الفصائل الفلسطينية الأخرى بما في ذلك بعض فصائل اليسار ومستفيداً من العلاقة السورية العراقية ليكرّس هيمنته على قرار المنظمة في الدورة الخامسة عشرة للمجلس الوطني.

وفي كل الأحوال فقد استطاع الحكيم أن يمسك بالحلقة المركزية التي تنطلق من أن تناقضنا الأساسي الذي ينبغي أن يحكم إدارتنا لكل التناقضات الأخرى هو التناقض مع العدو الصهيوني الإمبريالي، وأنه مهما كانت حدة هذه التناقضات مع اليمين الفلسطيني فهي تناقضات ينبغي أن تبقى ثانوية بالنسبة لتناقضنا الأساسي هذا والذي سيظل رئيسياً على امتداد زمن صراعنا مع هذا العدو، مهما تقدم واتسع تناقضنا مع اليمين ومع البرجوازية وقيادتها وهيمنتها على المنظمة.

لقد نبذ الحكيم دائماً ووقف بقوة ضد الاقتتال الداخلي واستطاع في اللحظة المناسبة أن يقدم الوحدة الوطنية عما عداها مهما كانت حدة الخلاف مع القيادة المتنفذة والتناقض معها، فقد وقف الحكيم في مهرجان التضامن والالتحام مع جماهير شعبنا في يوم الأرض 30 آذار 1976 بعد أن قدمه عريف المهرجان في قاعة اليونسكو ببيروت ليلقى كلمة جبهة الرفض، ليقول أن للثورة في يوم الأرض كلمة واحدة يلقيها الأخ ياسر عرفات ، وأراد بذلك أن يقول لأبناء شعبنا في منطقة 48 أننا نتوحد في التضامن والوقوف معكم وهذا بالنسبة للحكيم أهم في تلك اللحظة من أية اعتبارات أخرى.

وعندما طلبت سوريا من أبو عمار مغادرتها في عام 1983 ورغم حدة التناقض مع أبو عمار يومها، فقد أكد الحكيم تضامنه مع أبو عمار.

وفي 15/11/1988 إثر انتهاء أعمال المجلس الوطني الفلسطيني عقد الحكيم مؤتمراً صحفياً كثّف فيه الموقف من الوحدة الوطنية وجدلية الوحدة والصراع في إطار المنظمة بقوله "لقد كانت هناك نقطة خلاف أساسية تتعلق بالبيان السياسي، خاصة منه تلك المادة التي تتحدث عن أساس دخول م.ت.ف ومشاركتها في المؤتمر الدولي المقترح، أي تعيين قراري مجلس الأمن 242، 338 مضافاً إليهما عبارة "حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني" كأساس لهذه المشاركة، في مثل هذه الحالات سابقاً كانت الجبهة تحافظ على عضويتها في المجلس الوطني، وتمتنع عن الاشتراك في اللجنة التنفيذية للمنظمة، غير أن الانتفاضة فرضت علينا فرضاً أن نبقى متحدين، حتى على صعيد مشاركتنا في اللجنة التنفيذية رغم خلافنا على قضية مفصلية، وقد رحبنا بما فرضته الانتفاضة ورفعنا شعار ثورة ثورة حتى النصر – وحدة وحدة حتى النصر".

ليتجدد هذا الموقف مع انتفاضة الاستقلال والعودة الباسلة التي اندلعت في 28 سبتمبر – أيلول – عام 2000 ورغم ما ألحقته اتفاقيات أوسلو من أضرار بالقضية كلها وبالوحدة الوطنية على وجه الخصوص، حيث اعتبر الحكيم أن أحد أبرز المهمات الفلسطينية لدعم الانتفاضة تتمثل في "تعزيز الوحدة الوطنية الميدانية والسياسية على أسس ديمقراطية، وعلى قاعدة الالتزام ببرنامج الإجماع الوطني، وهذا يستدعي إعادة بناء وتفعيل المؤسسات والهيئات والاتحادات الشعبية ومؤسسات م.ت.ف ومؤسسات المجتمع المدني، وتعزيز العملية الديمقراطية كقيم وممارسة".

اتفاقيات أوسلو والنظام السياسي الفلسطيني:

يقول الحكيم في حواره مع محمود سويد 1998:

"مأساة أوسلو لا تعود إلى حدث بعينه، إنها في الواقع حصيلة تاريخية لما سبقها من مراحل، بل يمكن القول أنها حصيلة الهزائم المتراكمة عربياً وفلسطينياً، ولا أقصد بالهزائم فقط الانهزام العسكري أمام إسرائيل، بل أيضاً – وهذا هو الأهم – عناصرها الذاتية، أي الداخلية بمعنى عجزنا عن تركيم وتأمين مقدمات الانتصار السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية، وعجزنا عن إطلاق فاعلية المجتمع العربي في كل الدول، وإبقائه تحت رحمة الاستسلام والخضوع وقمع الأنظمة البوليسية".

وبعد تعداده للأحداث المباشرة "التي سرّعت الانهيار وكشفت أعماق الأزمة" كانهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية، يقول الحكيم: "كنت أسأل نفسي أحياناً، لو يا حكيم كنت أبو عمار وكان هذا هو حال الوضع الدولي، والوضع العربي الرسمي وحركة التحرر الوطني العربية، هل هناك خيار آخر؟ وكنت أجيب بصدق: نعم، هناك خيار آخر، التمسك بالشرعية الدولية، ثم التركيز على الوحدة الوطنية الفلسطينية، ثم الالتفات إلى الداخل الفلسطيني ودعم الانتفاضة، ثم التحالف مع سوريا والإمساك بحلقة التضامن العربي".

الأسطر السابقة تبين باختصار وتركيز رؤية الحكيم للمقدمات الفلسطينية والعربية والدولية التي أوصلت القيادة المهيمنة على قيادة المنظمة لتوقيع اتفاقيات أوسلو التي اعتبرت الوثيقة الصادرة عن الكونفرنس الحزبي للجبهة في حزيران 1994 ما جرى فيها من "توقيع اتفاق إعلان المبادئ وتبادل الاعتراف ما بين القيادة المهيمنة في م.ت.ف والكيان الصهيوني نقطة الانعطاف النوعية في نضالنا المعاصر"، وتقدم في نفس الوقت الخطوط العامة للسياسة الصائبة على المستوى الفلسطيني الذي تشكل الوحدة الوطنية الحلقة الرئيسية فيها ثم السياسة على المستويين العربي والدولي.

وفي تناولها للوضع الفلسطيني والتحولات المتراكمة التي قادت قيادته المتنفذة إلى هذا المآل فقد رأت الجبهة أن منظمة التحرير الفلسطينية كبنية وأجهزة ومؤسسات اجتماعية سياسية – اقتصادية تتقاطع في العديد من بُناها مع جهاز الدولة، إلى أن غدت هذه سمتها الغالبة إجمالاً، إن المنظمة كجهاز بتركيبته وعلاقاته الداخلية والخارجية، ومحتواه وممارساته هي نتاجاً للتوازنات الطبقية السياسية التي تحكمها، "إلى أن أصبحت المنظمة المعبر عن موقف وممارسة الجناح المهيمن عليها طبقياً".

لقد تمكّن يمين الثورة الفلسطينية السياسي والاجتماعي من السيطرة على المنظمة ومؤسساتها وقرارها نتيجة لتضافر مجموعة من العوامل الفلسطينية والعربية والدولية لا يتسع مجال هذه الورقة لتناولها، إلا أنه من الضروري إبراز ما جرى من تقاطب وتداخل وتوافق بين القيادة المتنفذة في المنظمة وشريحة الكومبرادور الفلسطيني، حيث وجدت هذه القيادة في تلك الشريحة الكومبرادورية سنداً سياسياً واقتصادياً لها وجسراً لعلاقاتها مع الأمريكان، كما وجدت تلك الشريحة في قيادة المنظمة سنداً وحليفاً سياسياً ومعنوياً لها، وقد أخذ هذا الحلف وتحت ضغط الظروف الموضوعية الصعبة والمعقدة التي أحاطت بالثورة وبالقضية الفلسطينية والعربية بشكل خاص في أوائل تسعينات القرن الماضي يتجه وبتسارع نحو مواقف وسياسات تنسجم ومصالحه الطبقية الضيقة وتمسكه بالموقع المتنفذ والمهيمن في م.ت.ف، وهي مواقف قادت إلى التكيف أكثر فأكثر مع متطلبات إنهاء الصراع الفلسطيني – الصهيوني، والعربي – الصهيوني، والتدحرج هبوطاً نحو مواقع التبعية للإمبريالية الأمريكية الحليف الأول والإستراتيجي للعدو الصهيوني.

هذه هي المقدمات والصيرورة التي أوصلت القيادة المهيمنة في المنظمة إلى توقيع اتفاقيات أوسلو، وصولاً إلى إقامة سلطتها – السلطة الوطنية الفلسطينية – التي اعتقدت البرجوازية البيروقراطية عبر تحالفها مع الكومبرادور الفلسطيني أنها مع تبعيتها للسياسة الأمريكية والارتهان شبه الكامل لها يمكن أن تصل بها إلى دولة فلسطينية.

وانطلاقاً من هذا الوهم بنت هذه القيادة أجهزة سلطتها ومارست القيادة المتنفذة سياساتها التي عملت فيها على إضعاف المنظمة ومؤسساتها لصالح السلطة، كما اعتمدت على جهاز أمني يمارس كل أشكال الملاحقة والقمع، استجابة لالتزاماتها في أوسلو وضرورات حمايتها وحماية مشروعها السياسي، بالإضافة إلى مأسسة الفساد ورعايته بما يساعد في خلق شريحة اجتماعية تستفيد من سلطة أوسلو وتضاف قوتها إلى التحالف الأساسي بين بيروقراطية المنظمة والكومبرادور الفلسطيني وقد حرصت القيادة المتنفذة على أن يكون بعض أفراد ورموز هذه الشريحة الانتهازية والفاسدة من المناضلين السابقين لإعطائها مصداقية وقبولاً جماهيرياً.

لقد ظلّ هذا الوهم والمراهنة على السياسات الأمريكية واللحاق بها هو المظهر الرئيسي لسياستها إلى أن اصطدمت هذه القيادة بالحقائق العنيدة في مباحثات كامب ديفيد صيف العام 2000، فسهلت إثرها، وساعدت في اندلاع الانتفاضة في سبتمبر عام 2000. ورغم بقاء هذه القيادة تراوح في سياستها الاستخدامية لحركة الشعب وانتفاضته، مع إبقاء عينها على واشنطن لمعاودة البحث معها ومن خلالها عن حلول تستجيب لما يؤمّن لها البقاء ويمكّنها من تمرير هذه الحلول على جماهير شعبنا، إلا أن العدو الصهيوني ومعه الولايات المتحدة الأمريكية لم يقبلا بذلك، ولم يغفرا لهذه القيادة العودة لامتشاق سلاحها مهما كان مدى ومستوى امتشاق هذا السلاح، فجاءت محاصرة الشهيد أبو عمار ثم قتله، لتعود القيادة المتنفذة بعد عرفات إلى سياسة الارتهان من جديد وبشكل أقوى من أي فترة سابقة للسياسة الأمريكية والتبعية لها والمراهنة عليها.

وهكذا فقد أصبح النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو أكثر تعقيداً، حيث بقيت منظمة التحرير الفلسطينية بمؤسساتها وممثلياتها وعلاقاتها مع أبناء شعبنا في المنافي والشتات، وتشكلت السلطة الفلسطينية بوزاراتها وإداراتها وأجهزتها الأمنية ... الخ، مما أوجد تداخلاً واضحاً بين المهمات الوطنية والكفاحية لإنهاء الاحتلال وتحقيق الأهداف الوطنية، وبين المهمات الاجتماعية والديمقراطية التي تتعلق بإعادة بناء مؤسسات المنظمة على أسس وطنية وديمقراطية تعيد الاعتبار لميثاقها ولبرنامجها ولها كقائدة للنضال الفلسطيني، والتصدي لمؤسسة السلطة وسياساتها على الأصعدة المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وهكذا ودون أن يتغير الطابع الرئيسي للمرحلة التي يمر بها شعبنا باعتبارها مرحلة تحرر وطني فقد ربطت الجبهة بين مقاومتنا للعدو، ونضالنا من أجل تصويب الأوضاع الداخلية سواء في المنظمة أو السلطة فاعتبرت أننا في مرحلة تحرر وطني وديمقراطي تتطلب مهمات تجيب على السؤال المطروح على شعبنا فيها بشقيه، مقاومة الاحتلال والعدوان الإسرائيلي، وبناء البيت والسياسات الفلسطينية الداخلية وفق أسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أي سياسة تعزز وتقوي قدرة شعبنا على الصمود والمقاومة، وانطلاقاً من هذا الربط، فقد دعا الحكيم إلى إدارة الصراع مع العدو بصورة شاملة يتشابك فيها النضال التحرري مع النضال الاجتماعي الديمقراطي بما يعنيه من ضرورة وعي الديمقراطية والنظر إليها "كأداة للنهوض وقيم للسلوك والفكر والممارسة لتحرير المجتمع، فالديمقراطية في حد ذاتها ليست هي الحل، وإنما بوابة الحل"، أما الحل فتقرره "قوى المجتمع القادرة على تحديد الأهداف والطموحات والنضال من أجل تحقيقها".

انطلاقاً من القناعة التي أكدّها الحكيم في الوثيقة الصادرة عن المؤتمر الوطني السادس "نحو رؤية سياسية جديدة للمرحلة" التي تنص على أن "اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقيات وما حمله وجسّده من مخاطر، ليس أكثر من مرحلة عابرة مؤقتة في الصراع قد تطول أو تقصر، دون أن يعني ذلك التقليل من ثقل الأضرار والمصاعب التي حملتها تلك الاتفاقيات".

ظلّ الحكيم نقدياً للقيادة المتنفذة في المنظمة وفي السلطة وامتد النقد وإن جاء في وثيقة الكونفرنس الحزبي الصادرة في حزيران 1994 للقوى الديمقراطية والتقدمية التي تطرح نفسها كبديل للقيادة اليمينية المهيمنة بالقول عن هذا البديل "بقيت شعارات وبرامج هذا البديل الديمقراطي نظرية تبشيرية، ومندمجة إجمالاً في الممارسة السياسية، الكفاحية، التنظيمية المهيمنة في الحركة الوطنية الفلسطينية، مع إضاءات هنا وهناك، وتمايزات نسبية هنا وهناك لا ترقى إلى مستوى البديل الثوري الحاسم".

آذار 2011