Menu
حضارة

تصدير الملف الوطني: جورج حبش والوحدة الوطنية الفلسطينية

الحكيم

تمخضت ولادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بلقاءٍ بين كل من شباب الثأر وأبطال العودة وجبهة التحرير الفلسطينية، إثر جهود بذلها الرفيق الحكيم لانطلاقة فلسطينية وحدوية تضم إليها فضلًا عن الفصائل الثلاث المشار إليها، كل من فتح والصاعقة، وذلك على أثر عدوان الخامس من حزيران 1967، عقدت اجتماعات لهذا الغرض شارك فيها الحكيم في استشرافٍ مبكر لأهمية الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهي ما عبرت عنها الاستراتيجية السياسية التنظيمية بوضوح عام 1969، عندما نصّت على أن "الجبهة تعتبر الوحدة الوطنية الفلسطينية أمرًا أساسيًا لتعبئة قوى الثورة كافة، والتصدي لمعسكر الخصم".

ورغم كل المنعطفات التي مرت بها الثورة الفلسطينية المعاصرة، بقيت الجبهة متمسكة بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها أحد مكتسبات إنجازات الشعب الفلسطيني.

منذ ذلك الوقت إلى اليوم، ورغم كل المتغيرات الهائلة، فإن هذه الرؤية تظل مرتكزًا أساسيًا وضرورة لا بد منها لمواجهة كل الأخطار المتزايدة، والهادفة إلى تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، خاصة في ظل الانقسام الفلسطيني، وتغول العدو الإسرائيلي ومواجهة صفقة القرن الأمريكية، تبقى الوحدة الوطنية جوهر التصدي لكل هذه التحديات التي تنتصب أمام حركة التحرر الفلسطينية الراهنة.

عبر عدة نصوص وأوراق، نُشرت في ثلاثة مؤتمرات لإحياء ذكرى الحكيم، في الأعوام 2011، 2015، 2018، تناولت عدة محاور، اجتهدنا في هذا التصدير لتلخيص سريع للأبعاد الوطنية في فكر الحكيم، وهذا لا يعفي بطبيعة الحال عن قراءة متأنية وشاملة لكافة الأوراق.

في رسالته إلى المؤتمر، وفي إشارة إلى تجربة الحكيم التي اختزلت خبرات ستة عقود، في مسيرة العمل الوطني والقومي والأممي، تناول الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الرفيق أحمد سعدات، الواقع الفلسطيني الراهن وتشكيل تناقضاته لإعادة بناء مشروعنا للإنقاذ الوطني، لتجاوز المأزق الراهن، هذا المأزق الذي تنبأ به القائد الحكيم قبل ثلاثين عامًا في مداخلة له في المجلس الوطني 19، وتعقيبًا على اقتراح "ارتكاز برنامج السلام الفلسطيني على القراريْن 242 و338 الصادريْن عن مجلس الأمن كأساس للتحرك السياسي الفلسطيني"، قال الحكيم: أنا لا أرفض قرار 242 لأسبابٍ استراتيجية فحسب، لكونه يتضمن اعترافًا بالكيان الصهيوني، بل أيضًا لاعتباراتٍ تكتيكية، فأخشى ما أخشاه أن نطالب اليوم بتطبيق هذا القرار وتجريدنا من جميع  أسلحتنا وحقوقنا التي منحتنا إياه الشرعية الدولية.

وتطرق الرفيق الأمين العام للجبهة، في رسالته إلى ثوابت مشروع الانقاذ الوطني الذي يرتكز على عدة عناصر: إعادة بناء مشروعنا الوطني والديمقراطي على أسس منطقه التاريخي كمشروع للتحرر الوطني الإنساني في مواجهة المشروع الصهيوني الكولونيالي الاستيطاني العنصري، وإعادة تعريف القضية الوطنية الفلسطينية بعد أن أفقدها اتفاق أوسلو بُعدها القومي التحرري، ووضعها رهن الاملاءات الصهيونية الأمريكية، ثم تدويل للقضية الوطنية الفلسطينية كجزءٌ من برنامج الانقاذ الوطني الفلسطيني في إطار عملية مستمرة لإدارة الاشتباك السياسي مع الاحتلال في المحافل الدولية.

من جانبه، يلاحظ غازي الصوراني في ورقته للمؤتمر التي جاءت تحت عنوان "الحكيم وتحديات اللحظة الفلسطينية والعربية الراهنة"، أن تجربة الجماهير الفلسطينية كشفت بوضوحٍ صارخ عجز طرفيْ اليمين الوطني واليمين الديني عن تحقيق الأهداف المنشودة، بل استمرارها في تكريس الانقسام والصراع على السلطة والمصالح الفئوية الضيقة، كما دعا الصوراني اليسار بكل فصائله وأحزابه معهم كافة المثقفين والفعاليات والشخصيات الوطنية الديمقراطية كي يتحمل الجميع مسؤولياته في الحوار العاجل من أجل بناء التيار الديمقراطي الوطني (وهو ما تم فعلًا مع أوائل العام الجاري 2019).

وبعد أن تطرق جميل المجدلاوي في ورقته إلى المؤتمر إلى صعوبة الفصل أو التمييز بين رؤية الحكيم لمختلف جوانب القضية الفلسطينية، ورؤية ومواقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تطرّق إلى تحديد الجبهة لقوى الثورة على الصعيد الفلسطيني وتحالفاته على الصعيديْن العربي والعالمي، فعلاقة الثورة الفلسطينية مع الجماهير العربية وقوى حركة التحرر العربية علاقة عضوية، تُجسد البعد والطابع القومي لصراعنا مع العدو الصهيويني – الإمبريالي، الذي يتطلب تحقيق الانتصار التاريخي عليه حشد طاقات الأمة العربية، أما على الصعيد الدولي –يستطرد المجدلاوي- فإن حلفاء الثورة هم القوى المناهضة للإمبريالية والصهيونية، وكانت معسكرًا ضخمًا في حينه يضم المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي والصين وحركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وأحزاب الطبقة العاملة على الصعيد العالمي، إلا أن التغيرات الكبرى والنوعية الكونية التي طالت هذا المعسكر لم تُلغِ القانون الناظم لهذه الرؤية التي تنطلق من أن كل القوى المناهضة للإمبريالية والصهيونية وعولمتها المتوحشة في مختلف المراحل، هي في موضع الحليف الموضوعي للثورة الفلسطينية.

"صفقة القرن" كان لها نصيبٌ في البحث عن التحديات الراهنة التي تعصف بالقضية الوطنية الفلسطينية، من خلال ورقة الدكتور إبراهيم أبراش إلى المؤتمر، مشيرًا إلى أنه لم تكن هناك أية ردود فعل قوية لا من العرب ولا من الفلسطينيين في مواجهة هذه الخطة الرامية إلى تصفية ملفي القدس واللاجئين والقضية الوطنية عمومًا، مشيرًا إلى أن ترامب لم يعلن الضربة القاضية ونقل السفارة إلى القدس للاعتراف بها، إلا عندما رأى أن ردود الفعل العربية والإسلامية لم تكن بمستوى هذا التحدي الكبير.

لقد كرّس الحكيم حياته وكل اهتماماته في رعاية الشباب، سواء داخل الجبهة الشعبية أو خارجها، معتبرًا إياهم الأمل المنشود، كما جاء في الورقة التي قدمها الرفيق جميل مزهر إلى أعمال المؤتمر مؤكدًا على أن الحكيم رأى في الشباب الأكثر قدرة على إدراك ما يدور حولهم الإلمام الأكيد بقدر من المعرفة المكتسبة، وقدرتهم على الاستيعاب للمتغيرات حوله، وسرعة استيعابهم وإيمانهم بالفكرة والهدف، وهو ما يفسر كما يرى مزهر أن قيادة الجبهة منذ التأسيس كانت قيادة شابة واعية مدركة لطبيعة اللحظة التاريخية والواقع.

وكان للحركة الأسيرة كلمتها في المؤتمر، من خلال ورقتها التي أرسلتها من خلف زنازين الصمود والتحدي للاحتلال، داعية إلى إنهاء الانقسام الذي بات يهدد بضرب النسيج الوطني والاجتماعي برمته، ولم تكتف الحركة الأسيرة بالدعوة، بل أبدع الأسرى بصياغة وثيقة الوفاق الوطني 2006، تلك الوثيقة التي كان يمكن أن تشكل حلقة مهمة لرأب الصدع للتوافق على قاعدة الشراكة الوطنية.

الدكتور خالد محمد صافي في ورقته إلى المؤتمر بعنوان: "تطوير الأداء السياسي الفلسطيني"، يجتهد في تقديم رؤية لمستقبل الأداء السياسي الفلسطيني، متجاوزًا التشخيص إلى الانطلاق نحو محدداتٍ للخروج من الواقع الفلسطيني الراهن، عبر عدة سيناريوهات كإمكانية حل السلطة الفلسطينية والعودة إلى المشروع المقاوم، بحيث تتحمل إسرائيل مسؤولية احتلالها الفعلي للضفة الغربية، وإدارة السلطة من قبل حكومة تكنوقراط تستند إلى برنامج مهني، كإمكانية ثانية. وتلحظ الورقة ضرورة تحقيق المصالحة الوطنية وفقًا لوثيقة الوفاق الوطني وتفاهمات القاهرة.

وفي قراءة شاملة لآثار الحصار على سكان قطاع غزة، وما أدّى إليه من تدهورٍ خطيرٍ للأوضاع الإنسانية، بالتزامن مع انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالتوازي مع الانتهاكات الإسرائيلية الناتجة عن ثلاثة حروبٍ شنّتها إسرائيل على القطاع، اهتمت الورقة التي قدمها صلاح عبد العاطي للمؤتمر بدراسة حالة قطاع غزة على ضوء قواعد الشرعية الدولية وجملة الاتفاقات والمعاهدات الدولية أو دعوة المجتمع الدولي للتحرك للضغط على دولة الاحتلال لوقف عدوانها وانتهاكاتها المتواصلة، بالتوازي مع تنفيذ خطوات إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة على أساس توافق وطني يرتكز على حماية القضية والأرض والشعب.