Menu
حضارة

غانتس واللعبُ في ملعب اليمين

سليمان أبو إرشيد

أخيرًا وبعد طول عناء، يبدو وكأن الإسرائيليين قد وجدوا بديلًا لنتنياهو، جنرالٌ بحُلّة مدنية، بهيُّ الطلعة، وطويل القامة، أزرق العينين، من أصول شرق أوروبية، أم ناجية من الكارثة هاجرت برفقة والده إلى فلسطين بحرًا ثم أُبعدا إلى قبرص قبل أن  يعودا ويستقرا في القرية التعاوُنية "كفار أحيم" بالقرب من أسدود.

بيني غانتس، تلقّى تعليمه في المدرسة الدينية الرسمية "شفير" ثم في المدرسة الدينية "مركاز شبيرا" التابعة للصهيونية الدينية، قبل أن يُحدث القفزة باتجاه داخلية "كفار هيروك" في "رمات هشارون"، ومن هناك كانت الطريق قصيرة إلى كتيبة المظليين، وهي من أبرز وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، حيث وضع رجله على سلم "المجد العسكري" الذي انتهى به قائدا لأركان الجيش الإسرائيلي.

خدَمَ غانتس قائدا للأركان تحت إمرة وزير الأمن وقائد الأركان الأسبق، موشيه يعالون، وقد ارتبط اسم كل منهما بعدوان "الجرف الصامد" الذي شنّه الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة، وأوقع 2174 شهيدا في صفوف الفلسطينيين؛ بينهم 503 طفلا و10870 جريحا بينهم 3303 طفلا، ودمر 17132 منزلا وشرد 100 ألف فلسطينيّ.

تلك الأرقام، تفاخَرَ بها غانتس خلال دعايته الانتخابية، إذ إنها تُضيف إلى رصيده الانتخابي بين الإسرائيليين، فهم لن يستطيعوا الادعاء ضده بأنه لم يقتُل عربًا، كما قال الصحافيُّ رفيف دروكر. ناهيك عن أن شريكه السابق في "الجرف الصامد" والحالي في حزب "مناعة لإسرائيل" الجنرال موشيه يعالون، يمتلك هو الآخر من رصيد القتل ذاك ما يكفي ويفي بالغرض، وإذا كان غانتس يُفاخر بقتل القائد في كتائب القسام، أحمد الجعبري، فإن أرشيف يعالون يحفظ له عملية اغتيال أبو جهاد في تونس.

وبالانتقال من رصيد القتل إلى الرؤية السياسية التي كشَفَ عنها غانتس بعد انتظار، فإنها تقوم فلسطينيًّا، على عدم الانسحاب من الأغوار التي اعتبرها الحدود الشرقية الآمنة لإسرائيل والحفاظ على القدس موحدة عاصمة لإسرائيل، وتعزيز الكتل الاستيطانية إذا لم يتيسَّر إحياءُ عملية السلام، وهو أمرٌ لن يتيسَّر لأن الفلسطينيين لن يُوافقوا على إحيائها مع هكذا شروط. وعربيا؛ على عدم الانسحاب من الجولان السوري المحتل.

تلك الرؤية خيّبت آمال كل من راهن على أن يكون غانتس حمامة سلام، بحُلة عسكرية، وأكدت تطابُق الشكل والمضمون، ولمن احتاج دليلًا إضافيا فقد جاءت تهديدات غانتس ل إيران وحزب الله وحماس لتؤكد أننا أمام خطاب أمنيّ- عسكريّ يقوم على منطق القوة والعربدة العسكرية.

وبهذا الخطاب، وهذه الرؤية، وهذا الرصيد، يكون غانتس قد وطَّد فعلًا مكانته في المنافسة مع بنيامين نتنياهو، وجعل لأول مرة، تلك المنافسة واقعية ومُمكنة، لكنه نقل أيضا كل المعركة الانتخابية الإسرائيلية إلى ملعب اليمين، بعد أن استحوذ على ما تبقّى من أصوات "اليسار- الوسط" وحيَّد رموزه؛ لبيد وغباي عن صدارة المنافسة.

نستطيع القول إن الجنرال غانتس قد طوَّق نتنياهو من اليمين، ليس عبر تحالفه مع يعالون فقط، بل من خلال ما كشف عنه كسر الصمت من آراء يمينية متطرفة في القضايا السياسية المتعلقة بالفلسطينيين والعرب والدول الإقليمية، مقابل آراء معتدلة في القضايا الإسرائيلية الداخلية، مثل فصل الدين عن الدولة والحريات الفردية ودمج كل الفئات بالمجتمع، بما ينسجم مع رؤيته المتعلقة بوحدة المجتمع الإسرائيلي، وشعاره الانتخابي "إسرائيل قبل كل شيء".

ويبدو، والحال فعلًا كذلك، أن ما يُسمَّى بمعسكر "اليسار الإسرائيلي" يسقط مرة أخرى تحت أقدام هالة وسِحر الجنرال الذي سيأخذه هذه المرة إلى أبعد مما أخذه  إليه براك،  علمًا أن حسم الانتخابات يبقى في يد رجلٍ واحد هو أفيحاي مندلبليت، المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية.