Menu
حضارة

تصدير المحور الإنساني: الحكيم قائد في سبيل الإنسان

الحكيم

خاص بوابة الهدف

إن الحديث عن الجانب الإنساني في شخصية الحكيم، يحمل مجموعة من الأبعاد لعل أهمها، تناول مجموعة القيم النبيلة التي حركت هذا الرجل وكانت عامل حاسم في اتخاذ مواقفه المختلفة، والجانب الآخر هو الانحياز من قبل هذا الثائر القومي  الكبير والقائد العظيم  المعتز بعروبته للإنسان أي كانت لغته أو قوميته وفي هذا  اقتبس الدكتور ابراهيم أبراش هذه المقولة من ارث الحكيم جورج حبش ومقولاته، في معرض مداخلته عنه، مشيرًا لما اعتبره أثر النكبة على تشكل موقف هذا القائد الوطني والعربي الكبير.

(لقد  شعرت بالإهانة في أحداث 1948، فقد أتى الإسرائيليون إلى اللد وأجبرونا على الفرار، إنها صورة لا تغيب عن ذهني ولا يمكن أن أنساها، ثلاثون ألف شخص يسيرون يبكون يصرخون من الرعب، نساء يحملن الرضع على أذرعهن والأطفال يمسكون بأذيالهن والجنود الإسرائيليون يشهرون السلاح في ظهورهن، بعض الناس سقط على قارعة الطريق وبعضهم لم ينهض ثانية.  لقد كان أمرًا فظيع ما أن ترى ذلك حتى يتغير عقلك وقلبك، فما الفائدة في معالجة الجسم المريض عندما تحدث مثل هذه الأمور، يجب على الإنسان أن يغير العالم، أن يقتل إذا اقتضى الأمر).

لعل الاقتباس أعلاه واحدة من أهم الأدوات لفهم تلك الجدلية، بين إنسانية الحكيم، وانحيازه الدائم لقيم الخير والمحبة والعدل والتسامح، وإيمانه العميق بالعنف الثوري، بل وقيادته لواحدة من أبرز الحركات التي مارست العنف الثوري بأشكاله المختلفة، فلقد كان الحكيم دومًا ذلك الرجل الساعي لمنع الظلم ووقف المأساة الكبرى التي تعرض لها شعب فلسطين.

وفي مسعاه الفكري و الأيديولوجي، يمكن فهم تحول الحكيم نحو الماركسية، وإيمانه العميق بالاشتراكية، كانحياز لإطار انساني أوسع، ورفض لأشكال الظلم الطبقي، والإجحاف المركب التي حاقت بفقراء وعمال هذا العالم، ليجدد الحكيم بذلك تأكيده بالممارسة على العداء للظلم كمحرك أساسي لسلوكه

يصف عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ماهر الطاهر، حياة الحكيم بأنها "سيرة الآمال والآلام نحو تحرير فلسطين ودحر الغزوة الصهيونية الاستيطانية الاستعمارية التي حولت حياة الشعب الفلسطيني إلى جحيم وشردته في كل أصقاع الأرض".

ويسرد الدكتور ماهر الطاهر آخر الكلمات التي سمعها من الحكيم  في غرفة العناية المشدّدة في مستشفى الأردن قبل يوم من رحيله  "كان في كامل وعيه، سؤاله عن أخبار قطاع غزة والحصار المفروض على أهلنا هناك. ويضيف د. ماهر لم أكن أرغب الحديث معه في السياسة لكي لا أثقل عليه، وتحدثت معه ببعض القضايا ولفترة قصيرة، وقلت له يجب أن ترتاح وخرجت. ولكنه نادى الطبيب الموجود في الغرفة وطلب إليه أن يعيدني لمواصلة الحديث وسألني ما هي أخبار قطاع غزة؟ فقلت له يجب أن ترتاح، لكنه أعاد السؤال مرة أخرى، ولما أخبرته أن الناس اقتحموا المعبر ابتسم وبدا السرور في عينيه قائلاً: ممتاز، ممتاز، سيأتي اليوم الذي تزول فيه الحدود بين الدول العربية ويتحقق حلم الوحدة.

ويتابع الطاهر وصفه للحكيم الذي خبره عن قرب، "لم يكن يفكر إلا بفلسطين وشعبها ولم يكن يفكر إلا بالأمة العربية ومستقبلها حتى آخر لحظة من حياته لا يعرف المستحيل ويؤمن بأن الجماهير طاقة لا حدود لها. متفائل بشكل دائم، منظم إلى أبعد الحدود، متسامح إزاء الأخطاء الصغيرة ولكنه قاس إزاء الأخطاء المسلكية التي تتعلق بالنزاهة والاستقامة".

كتب يؤاف حيفاوي الناشط في حركة أبناء البلد مقتبسا من سيرة الحكيم، في إطار تناوله لدور التفاعل الشخصي الإنساني للحكيم مع كفاح شعبه ضد أشكال المظالم التي تلحقها بهم المنظومة الاستعمارية  "لقد كان ابنًا لعائلة وطنية من مدينة اللّد، وفي طفولته تأثر كثيرًا بأحداث الاضراب العام ضد الاحتلال البريطاني ولمناهضة الاستيطان الصهيوني الذي استمرّ مدة نصف السنة عام 1936، كما تفاعل مع حالة الغليان الجماهيري في مرحلة الثورة الشعبية المسلحة ما بين 1936 وحتى ١٩٣٩.

يضيف حيفاوي مقتبسا من ذات السيرة "أمّا قبل حدوث النكبة عام 1948 فقد سافر حبش لدراسة الطّبّ في بيروت... ويروي حبش كيف أراد أن يتدرب على استعمال السلاح لكي يشارك في الدفاع عن فلسطين، ولكنه لم يتمكن من ذلك، وعاد إلى اللّد قبل بضعة أسابيع من سقوطها وتهجير أهلها. وبصفته طالب طبّ فقد كان هناك مساعدًا في أحد المستوصفات".

ويواصل يؤاف تعقبه لوقع النكبة على تشكل مواقف وشخصية الحكيم ذات الطابع الإنساني، الذي سعى لوقف "كارثة" كان تحيق بالفلسطينيين، حيث ينقل تفاعل الحكيم مع النكبة. "كانت النكبة وتهجير معظم سكان فلسطين كارثة غير متوقَّعة، واعتبر حبش أن الجماهير العربية كانت قادرة وعلى الاستعداد لتمنع هذه الكارثة، ولكنه اتهم حكام الدول العربيّة، وبشكل خاص حكام مصر والأردن، بالتقاعس وتسهيل ضياع فلسطين. ومن هنا ظهرت ضرورة تشكيل حركة "القوميين العرب" التي رهنت نفسها لتوحيد الأمة العربية كوسيلة لتحرير فلسطين ولإعادة أهلها إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم".

كتب الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري أحمد بهاء شعبان مستذكرا صفات الحكيم التي لمسها من خلال اللقاء الشخصي معه، مركزًا على عمق ونبل القيم الإنسانية والشخصية لهذا القائد العظيم. "منذ الوهلة الأولى للقائى بـ " الحكيم "، وسط أصداء انفجارات القنابل المدوية، وزخات الرصاص التى لم تنقطع، فى بيروت الحرب، بين الثورة وخصومها، عام 1978، أسرتنى شخصيته اللمَاحة الدافئة، وذكاؤه المتقد، وتكشفت لى على الفور قدراته القيادية البارزة، وتلمست فى التو عمقه الثقافى، وصلابته الفكرية، ونزاهته الأخلاقية، واستقامته الأيديولوجية".

كثف محمد كناعنة أبو أسعد عضو الأمانة العامة لحركة أبناء البلد، رؤيته للبعد الإنساني الثوري للحكيم بقوله، "وَمن أهمِّ مزايا الحَكيم وسجاياه أنَّهُ كانَ ثَوريًا في كلِّ شيء وإنسانًا مُفعَم بالإنسانية، أحبَّ الناس كل الناس، أحبَّ بلَدهُ الّلد وأصَرَّ على أن لا يَعود إلاّ إليها، أحبَّ فلسطين كلَّ فلسطين، رفَضَ الاعتراف بالاحتلال وبِشرعيَّتهِ على وطَنهِ، وَبقيت "إسرائيل" بالنسبَةِ لَهُ كيانًا إستعماريًا كولونياليًا وهي تَجسيد للنقيض لمشروع شعبَهُ في الحُرّية والاستقلال فاعتَبرَ اتفاق أوسلو تَفريطي، وقالَ لن أعودَ إلاّ مع آخر لاجئٍ فلسطيني، وحتى الرَمقَ الأخير من حياتِهِ بقيَ مُنشَدًا إلى الثَورة والانتفاضة وقُدرات الشَعب على تحشيدِ التراكُمات في الفعل الثَوري على طريق التحرير والعَودة".