Menu
حضارة

عبد الناصر والحكيم

عبد القادر ياسين

جمال عبد الناصر وجورج حبش

   نحن أمام قامتين عاليتين ، تركتا بصماتهما على وطن كل منهما الصغير ، وعلى وطنهما الكبير، في آن. وقد جمعت بينهما الكثير من الصفات ، فيما تباينت أخرى ، ما أهلهما للالتقاء في الموقف السياسي ، لأكثر من عقد ، حتى اقتربا من التماهي، لكن إحدى التباينات فرقت بينهما ، وهذا ما تبينه المقالة التالية.

   لقد تحدر ناصر والحكيم من أسرتين بعيدتين ، كل البعد عن العمل في السياسة . وإن ولد الأول في أسرة فقيرة ، ماكان له أن يلتحق بالكلية الحربية ، لولا معاهدة 1936 ، بين بريطانيا و مصر ( صيف 1936 ) ، وهي التي منحت مصر جزءا آخر من الاستقلال السياسي ، بعد الجزء اليسير الذي أعطاه لها تصريح 28 فبراير  (شباط ) 1922 . على أن هذا لم يمنع رئيس وزراء مصر الذي وقّع معاهدة " 36"، مصطفى النحاس باشا ، من أن يصف تلك المعاهدة ، بأنها " معاهدة الشرف والاستقلال ".

   على أن ما يهمنا من هذه المعاهدة أنها أسقطت - ضمن ما أسقطت – شرط الانتساب إلى الأغنياء فيمن يتقدم إلى الكلية الحربية المصرية ، ما أتاح لأبناء الفقراء الانتساب إلى تلك الكلية ، وبينهم جمال عبد الناصر حسين ، ابن الموظف البسيط في البريد.

   أما جورج حبش ، فإن عائلته الميسورة تمكنت من إرساله إلى الجامعة الأمريكية في بيروت ، بمجرد حصوله على شهادة " المتركوليشن " – الموازية للشهادة الثانوية – حيث التحق بكلية الطب في تلك الجامعة.

   إذا كان احتدام القضية المصرية قد أقحم الطالب الثانوي جمال عبد الناصر إلى السياسة ، سنة 1935 ، فإن التهديد بضياع فلسطين هو ما دفع بالحكيم ، بقوة ، إلى خضم العمل السياسي ، بمجرد صدور قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة ( 29 / 11 / 1947 ) . فنزل طالب الطب ، جورج حبش ، إلى الشارع ، مشاركا في المظاهرات الصاخبة التي عمت مدنا عربية شتى ، وبينها بيروت ، حيث يتلقى جورج حبش تعليمه الجامعي ، قبل أن ينتقل إلى مسقط رأسه ، مدينة اللد ، ويشهد بأم عينيه سقوطها تحت جنازير دبابات الصهاينة ، خلال الحرب العربية  - الإسرائيلية الأولى ( 1948 ).

   لاشك في أن الحس الشعبي المرهف هو ما دفع بناصر والحكيم إلى الاشتغال بالسياسة ، خروجا على تقاليد العائلة.

   بيد أن للتلقائية جانبها السلبي ، ذلك أن الحماسة الوطنية المفتقدة نظرية الثورة والثقافة السياسية ، كان طبيعيا ان تدفع بناصر والحكيم ، كل على حدة ، إلى درب الاغتيال السياسي ، توهما منهما بأن شخصا بعينه هو مصدر الشر ، حيث شارك عبد الناصر في محاولة اغتيال رجل السراي ، اللواء حسين سري عامر ، مطلع سنة 1952 ، لكنه حمد الله على أن حمى المستهدف. فيما شارك الحكيم في محاولة لاغتيال دكتاتور سوريا الشهير ، أديب الشيشكلي ، وحين أخفقت المحاولة ، انتقل الحكيم ورفاقه إلى العمل السياسي المنظم ، فأسسوا " حركة القوميين العرب " ، سنة 1951 ، فيما سبقهم عبد الناصر ، فأعاد تأسيس " الضباط الأحرار " ، في يونيو / حزيران 1949 ، وودع عبد الناصر وجورج حبش طريق الاغتيال السياسي ، مرة وإلى الأبد ، بعد أن اقتنعا ، بالتجريب ، مدى عقم هذا الطريق.

   التوافق بين ناصر وحبش تمثل ، أيضا ، في أنهما بدآ وقد أدارا ظهريهما للاشتراكية . الأول توهما منه بأن في الإمكان تحديث مصر وتنميتها اعتمادا على الولايات المتحدة الأمريكية ، أما الحكيم فقد بدأ مستاء من الاتحاد السوفيتي - أول مهد للاشتراكية - بسبب تأييده لتقسيم فلسطين.

  على أن الاثنين عادا وتبنيا الاشتراكية ، عبر الانتقاء والتجريب.

** في التطبيق

    على مدى المرحلة الأولى من الحكم الناصري ، والتي امتدت ما بين يوليو / تموز 1952 ، ومارس / آذار 1955 ، حكم التنافر الصلة بين الرجلين ؛ فالحكيم نفر من نظرة عبد الناصر الوردية إلى الاستعمار الأمريكي ، والتي لم تنقلب إلا بعد أن تأكد عبد الناصر من مدى حميمية الرابطة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ، الأمر الذي تعزز ، بعد أن تلكأت الولايات المتحدة في مد عبد الناصر بالأسلحة على مدى نحو ثلاثين شهرا متصلا.

   معروف أن عبد الناصر كان يتناول طعام العشاء على مائدة السفير الأمريكي الجديد في القاهرة ، هنري بايرود ، مساء يوم 28 فبراير / شباط 1955 ، وألح عبد الناصر على بايرود كي تستجيب الإدارة الأمريكية لطلبات عبد الناصر المتكررة للسلاح الأمريكي ، وبايرود يهدئ من روع عبد الناصر ، ويطلب إليه الصبر ، فيما كان صبر عبد الناصر قد فرغ ، وبدأ شكه في الولايات المتحدة ينقلب إلى فقدان ثقة. وحين عاد عبد الناصر إلى منزله ، وصله اتصال هاتفي من غزة ، يفضي إليه بنبأ هجوم عسكري إسرائيلي غادر على غزة ، راح ضحيته 39 شهيدا مصريا ، وفلسطينيا ، وسودانيا . ما أوغر صدر عبد الناصر على الإدارة الأمريكية ، قبل إسرائيل نفسها.

   غني عن القول بأن عبد الناصر كان قد فرغ ، لتوه ، من القضية الوطنية المصرية ، بعد أن نجح في ضمان جلاء القوات البريطانية عن قناة السويس ، وذلك بموجب   " معاهدة الجلاء " التي عقدها مع حكومة لندن ، في أكتوبر / تشرين الأول 1954. ما جعل الزعيم العربي يلتفت إلى الدائرة العربية ، بعد أن تفرغ لها.

   لقد كان العدوان الثلاثي الإسرائيلي على غزة في 28 / 2 / 1955 ، شأن بقية الاعتداءات التي استمرأت إسرائيل شنها على قطاع غزة ، لترويع شعبه ، ودفع لاجئيه إلى القبول بمشروع سيناء لتوطينهم هناك ، إلا أن الجديد تمثل في الانتفاضة الشعبية العارمة التي أعقبت ذلك العدوان ، لثلاثة أيام بلياليها ، من أقصى القطاع إلى أقصاه ، وسقط فيها عدد مماثل من الشهداء الذين سقطوا في العدوان ، وأفلت زمام الموقف من يد الإدارة المصرية وأجهزتها الأمنية ، في مواجهة تحالف الإخوان والشيوعيين ، القوتان السياسيتان الوحيدتان في القطاع . وقد تخللت الانتفاضة شعاراتت معادية لعبد الناصر ونظامه ، لتقاعسه في الدفاع عن القطاع.

   في اليوم الثالث أرسل حاكم مدينة غزة الإداري ، البكباشي ( المقدم ) سعد حمزة ، يطلب وفدا من قيادة الانتفاضة ، ليقدم مطالبها إلى حمزة. وتشكل الوفد من معين بسيسو ( الشيوعي ) ، وفتحي البلعاوي ( الإخوان ) ، وجمال عمر الصوراني       ( المستقل ) . وتقدم الوفد بمطالب الانتفاضة ، التي تضمنت تسليح قطاع غزة ، وتحصينه ، وتدريب أهله على السلاح ، وإشاعة الحريات الديمقراطية ، بما فيها حرية العمل النقابي ؛ وإعلان إلغاء مشروع " سيناء " ، الذي سبق لحكومة عبد الناصر أن اتفقت بشأنه مع الولايات المتحدة الأمريكية ( 1953 ). وفي عصر اليوم نفسه ، انتقل حمزة إلى مقر نقابة معلمي وكالة الغوث ، وأبلغ قادة الانتفاضة استجابة عبد الناصر لمطالب الانتفاضة. ورغم أن الحاكم العام لقطاع غزة ، اللواء عبد الله رفعت ، أصدر بيان تعهد فيه – بشرفه العسكري – أن لا يعتقل أو يحاكم إلا كل من أحرق وخرّب عن قصد ، فإن الأمن اعتقل ثمانية وستين من نشطاء الانتفاضة. لكن هذا العمل الغادر لم يعن أن عبد الناصر لم يف بما تعهد به وأكثر. فقد أبلغ الإدارة الأمريكية اعتذاره عن عدم تنفيذ " مشروع سيناء " ، وتأجيله إلى ما بعد إقامة السد العالي ، بما يتيح نقل مياه النيل إلى موقع مشروع سيناء.

   كما أصدر عبد الناصر قرارا قضى بتشكيل " الكتيبة 141 فدائيين " ، وأسند قيادتها إلى البكباشي ( المقدم ) مصطفى حافظ ، قائد المخابرات المصرية في قطاع غزة ، وضمت هذه الكتيبة زهاء تسعمائة فدائي فلسطيني ، ضربوا في عمق إسرائيل ، وأنزلوا بها في بضعة أسابيع – 1387 قتيلا.

   تصادف أن عقدت الدول المستقلة " مؤتمر باندونج " ، مطلع إبريل / نيسان 1955 ، فاتصل عبد الناصر برئيس وزراء الصين الشعبية ، شو إن لاي ، طالبا تزويد مصر بالسلاح . اعتذر المسؤول الصيني بأن بلاده لا تمتلك سلاحا للتصدير ، الأمر الذي يمتلكه الاتحاد السوفيتي ، ووعد لاي عبد الناصر بالاتصال بالسوفييت في هذا الصدد ؛ وحين عاد عبد الناصر إلى القاهرة ، وجد في انتظاره السفير السوفييتي هناك ، سولود ، الذي طلب إلى الزعيم العربي تسجيل ما يطلبه من أسلحة في قائمة. وقد كان ، ووافقت القيادة السوفييتيه عليها ، فورا ، وإن طلبت إلى عبد الناصر إطلاق صفة " صفقة الأسلحة التشيكية " عليها ، لتخفيف الصدمة على الأمريكان. الذين ما أن علموا ، حتى عمدوا إلى ممارسة ضغوط شتى على عبد الناصر لإلغاء الصفقة ، وحين رفض سارعت واشنطن إلى تقديم عرضها السخي بتمويل بناء السد العالي ، وفي أعقابها جاءت لندن ، والبنك الدولي. على أن عبد الناصر عقد صفقة أسلحة أخرى ، ثم اعترف بالصين الشعبية ، وهو الأمر الذي كانت واشنطن تؤثمه ، فسحبت عرضها بتمويل السد العالي ، وتبعها البنك الدولي ولندن ، وجاء رد عبد الناصر سريعا بتأميم قناة السويس ( 26 / 7 / 1956 ) ، وتسارعت الأحداث ، إلى أن كان " العدوان الثلاثي " على مصر وقطاع غزة في 29 / 10 / 1956.

   صمدت قيادة عبد الناصر ، فالتف الشعب المصري من حوله ، ما اجتذب تضامنا شعبيا عربيا عارما غير مسبوق ، ثم كان الإنذار السوفييتي بضرب عواصم العدوان ( لندن / باريس / وتل أبيب ) في حال استمرار العدوان ، أو احتلال الأراضي.

   أما الولايات المتحدة ، فإن قواتها شاركت في ذاك " العدوان " ، شرط أن ينجح في تحقيق أهدافه ، خلال 48 ساعة على الأكثر ، ولما لم يحدث سحبت واشنطن قواتها ، وقلبت ظهر المجن لبريطانيا وفرنسا ، فكان " مشروع إيزنهاور " في 5 / 1 / 1957 ، " لملء الفراغ في الشرق الأوسط " ، أي لوراثة الاستعمارين البريطاني والفرنسي في الوطن العربي ، بعد الضربة القاصمة التي تلقياها هناك.

   هكذا يمكن التأريخ لتحول عبد الناصر إلى الموقف القومي التقدمي بعدوان 28 / 2 / 1955 على قطاع غزة ، والانتفاضة التي تبعته.

   هذا في الوقت الذي أخذ الحكيم يقترب سريعا من عبد الناصر ، منذ " مؤتمر باندونج " فصفقة الأسلحة ، وتأميم القناة ، فالتصدي الشجاع للعدوان الثلاثي ؛ حتى تأكد الحكيم بأن عبد الناصر هو المؤهل الوحيد لقيادة المشروع القومي العربي ؛ في الوقت الذي شاركته قيادة " البعث " في سوريا ، فعرضت على عبد الناصر ترؤس " حزب البعث " ( 1957 ) ، إلا أنه اعتذر عن عدم قبول هذا العرض.

   مسحت الوحدة المصرية -  السورية الحدود بين القوى القومية العربية ، وتوّج عبد الناصر زعيما لمجمل التيار القومي العربي. ولكن بعد اثنين وعشرين شهرا كانت القطيعة بين " البعث " وعبد الناصر ، للأسباب المعروفة ، وليس هنا مكان مناقشتها ، ما قرّب المسافة أكثر فأكثر ، بين الحكيم وناصر ؛ بعد أن لم يعد للأخير من حليف غير " القوميين العرب ".

   عمقت سنوات النضال ضد الانفصال أواصر العلاقة بين " حركة القوميين العرب " وعبد الناصر ، وحين طرح عبد الناصر تشكيل " الحركة العربية الواحدة " ، من كل ألوان طيف القوى القومية العربية ، كانت " الحركة " الأشد تحمسا للمشروع المذكور ، وإن بدأت تحفظات على هذا المشروع داخل " القوميين العرب ".

   ففي سنوات التماهي بين هذه الحركة وعبد الناصر ، أصدر الأخير ما عرف باسم " القرارات الاشتراكية " ( صيف 1961 ) ، ووصل الأمر حد إعلان عبد الناصر أنه يتبنى " الاشتراكية العلمية " ، ما جعل حركة " القوميين العرب " تأخذ بالاشتراكية ، وتحث أعضائها على الإلمام بها. وكان طبيعيا أن تقتنع نسبة غير قليلة من قادة وكوادر حركة القوميين العرب بالماركسية – ال لينين ية ، أكثر من غيرها من الاشتراكيات. ما وفر سببا جديدا للتمايز داخل الحركة ، وكاد الأمر ينفجر في مؤتمر الحركة ، سنة 1964 ، لولا اقتراح تقدم به الحكيم ، إنقاذا للموقف ، وقضى الاقتراح بتبني الاشتراكية العلمية.

   حين اشتدت المقاومة للاحتلال البريطاني في عدن ، على يدي " الجبهة القومية " ، بقيادة " القوميين العرب " هناك ، ضغط عبد الناصر على قيادة " الجبهة القومية " كي تتحد مع " الجبهة الوطنية " هناك ، التي تصدرها عبد الله الأصنج ، وحين تلكأت القيادة القومية ، استدعى عبد الناصر أعضاءها إلى القاهرة ، وقادهم من مطار القاهرة إلى السجن الحربي ، في يناير / كانون الثاني 1966 ، ما وتر العلاقة بين الحركة وناصر.

   في سبتمبر 1966 التقى عبد الناصر أعضاء الأمانة العامة لحركة القوميين العرب ( الحكيم / محسن إبراهيم / هاني الهندي ) ، سألهم إن كان لديهم تنظيم في مصر ، وحين ردوا بالإيجاب طلب إليهم عبد الناصر أن يوافوه بأسماء أعضائه. وفعلا حمل محسن إبراهيم قائمة بأسماء فرع " حركة القوميين العرب " في مصر إلى عبد الناصر ، حتى يضمهم إلى " التنظيم الطليعي " ، الذي كان عبد الناصر قد بدأ يؤسسه. أما المفاجأة فكانت حين تم اعتقال كل الأسماء الواردة في قائمة عضوية الفرع . فكانت القطيعة.

   لكن هزيمة 1967 عادت ورطبت العلاقة بين الطرفين من جديد ، حتى أن عبد الناصر أمر بتدريب وتسليح أعضاء " الجبهة الشعبية " – وكانت " حركة القوميين العرب " نواتها الصلبة - هذا على الرغم من المرارة التي شعر عبد الناصر بها من التقرير الذي أصدرته اللجنة التنفيذية لحركة القوميين العرب ، في يوليو / تموز 1967 ، وفيه اعتبرت هزيمة 1967 هزيمة للبرجوازية الصغيرة ، التي تمثلها أنظمة سوريا ومصر ، وقد وقع التقرير في موقف فوق يساري ، ليس له ما يبرره.

   سارت الأمور على ما يرام بين النظام الناصري والجبهة الشعبية ، ورغم أن عبد الناصر كان حريصا على توجيه التحية لفتح و " الشعبية " ومنظمة التحرير في خطبه ، فإنه لم يمنح ترخيصا بمكتب للشعبية على غرار " فتح " في مصر. وحين اندلعت المظاهرات الفلسطينية في الأردن ضد موافقة عبد الناصر على " مبادرة روجرز " ، صيف 1970 ، فإن الأمن المصري عمد إلى ترحيل العشرات من أعضاء " الشعبية " و " الديمقراطية " ، مستثنيا أعضاء " فتح " ، وإن أغلق        " إذاعة الثورة الفلسطينية " التابعة لفتح في القاهرة.

   سرعان ما اندلعت أحداث أيلول 1970 ، وذهب عبد الناصر ضحية الجهد الخارق الذي بذله لوقفها ، لكنه دفع حياته التي أنهكها المرض المديد ، والسهر الطويل لإنقاذ حركة المقاومة الفلسطينية.