Menu
حضارة

المعوقات والتحديات التي تواجه حركة المقاطعة

إلياس الجلدة

مارس شعبنا الفلسطيني منذ بداية القرن الماضي كافة أنواع وامكانيات الدفاع عن النفس ضد الاحتلال البريطاني لأرضه، وضد محاولات العصابات الصهيونية للاستيلاء على أرضه، وضد ما يسمى بدولة الاحتلال التي أقيمت على أنقاض المدن والقرى والأراضي الفلسطينية بعد طرد أصحابها الأصليين من بيوتهم والاستيلاء عليها، لإقامة كيان صهيوني عنصري قائم على أساس استيطاني احتلالي كولونيالي، وليستمر معها مسلسل العدوان العنصري المتواصل لشعبنا الفلسطيني... وقد استخدم شعبنا في نضاله المتواصل ضد الاحتلال وسياساته، كافة أشكال المقاومة، بدءً من المقاومة السلبية والسلمية حتى المقاومة المسلحة، باعتبارها الشكل الأبرز للمقاومة الثورية ضد الغاصب للأرض.

وفي سياق نضال شعبنا المتواصل برزت حركة المقاطعة BDS  والتي أعلن عنها في النداء التاريخي عام 2005، بمشاركة القوى والفعاليات الوطنية والسياسية المجتمعية الفلسطينية, لتعلن انطلاق حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على حكومة الاحتلال كشكل من أشكال النضال السلمي، حاملةً بذلك معاني متعددة للنضال الإنساني الوطني والأممي المتسلح بالقوانين الدولية، واتفاقيات حقوق الانسان، ومعاييرها، معتمداً على عدالة قضيتنا، وإرادة شعبنا، والشعوب الحرة، وحقنا في النضال من اجل الحرية والاستقلال والعودة، بالارتكاز إلى سلاح المقاطعة بكافة أشكالها الاقتصادية والثقافية والأكاديمية والسياسية والعسكرية، بهدف فضح وعزل الاحتلال بما يمثله من كيان عنصري عدواني.

أبرز إنجازات المقاطعة :

حققت حركة المقاطعة خلال مسيرتها إنجازات كبيرة مؤثرة في خلق حالة من الوعي لدى شعوب العالم، وحظيت بتأييد واسع من اتحادات ونقابات وأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والحركات الشعبية وغيرها من الجهات التي تمثل الملايين من الأعضاء والمؤيدين والمناصرين لقضيتنا من شعوب العالم، وتمكنت الحركة العالمية للمقاطعة من تحقيق إنجازات كبيرة في حصد دعم وتأييد ومناصرة شعوب كانت في الصف الداعم للاحتلال، أو محايدة، لتصبح فيما بعد من أشد المؤيدين والمناصرين لحقوقنا العادلة, واتسعت حملات المقاطعة وتوسعت وانتشرت لدى شعوب العالم، وشكلت تحدياً وتهديداً للاحتلال حتى صنفها قادة الاحتلال بأنها الخطر الأكبر الذي يهدد أمن إسرائيل, وقد تنوعت إنجازات المقاطعة بالعالم وكان آخرها :

  • على الصعيد الثقافي / الأكاديمي
  1. اتساع دائرة المقاطعة الثقافية والأكاديمية لتشمل جامعات وطلاب في العديد من الدول خاصة تركيا، بريطانيا، اسبانيا، بلجيكيا وكندا وغيرها العديد من دول العالم المهمة والمؤثرة إضافة الى جامعات جنوب افريقيا الناشطة في هذا المجال.
  2. توقيع 1000 شخصية ثقافية وفنية في بريطانيا و1200 أكاديمي في جامعات اسبانيا والمئات من علماء الانتربولوجيا والتاريخ في أفريقيا والتاريخ في أمريكا وبريطانيا وإيطاليا على ميثاق وبيانات تدعو للمقاطعة الثقافية والأكاديمية.
  3. إلغاء العديد من العروض الفنية لفنانين مشهورين من عروضها في دولة الاحتلال أمثال/ لورين هيل، والفيس كوستيلو، وغيل سكوت، وسكوت دوغ , وشاكيرا , جيلبيرتو جيل , إضافة إلى إعلان عدد من الفنانين انسحابهم من مهرجان "بوب كولتور" الموسيقي في برلين، الذي ترعاه السفارة الإسرائيلية.
  4. انسحاب مدير المسرح الوطني البرتغالي من مهرجان إسرائيلي، داعيا إلى المقاطعة الثقافية لإسرائيل,  ودعوة عمدة دبلن العاصمة الأيرلندية مايكل ماك دونشا، إلى مقاطعة مسابقة يوروفيجن الغنائية التي ستحتضنها إسرائيل في 2019، ورفض جان لوك غودار و80 فنانًا آخراً المشاركة في موسم فرنسا, 11 فنانًا ومديرًا ينسحبون من مهرجان LGBT السينمائيّ في "تل ابيب"، كما وشهدت الآونة الأخيرة تأييد وانضمام عدة فرق بريطانية إلى دعوة المقاطعة الثقافية لإسرائيل.

ب- على الصعيد المقاطعة الاقتصادية

- ساهمت النقابات والاتحادات العمالية العالمية والعربية في توسيع نطاق المقاطعة الشاملة للاحتلال، حيث انضم العديد من الاتحادات العالمية إلى نداء المقاطعة وكان أبرزهم المجلس المركزي لاتحاد نقابات العمال في ولاية كوبيك الكندية، ومنظمة العمل العربية ونقابة عمال الكهرباء والإذاعة والآلات في أمريكا واتحاد نقابات عمال أمريكا ( فرع كونكت ).

- شكلت المقاطعة عاملا مهما في إيقاع الخسائر الكبيرة بالاقتصاد الإسرائيلي، حيث تقدر بمليارات  الدولارات، كما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 46%، وانخفضت صادرات الاحتلال إلى الأراضي الفلسطينية حيث وصلت إلى 24% فقط.

- إلغاء اتفاقية ( الميركور ) المتعلقة بالتعاون الاقتصادي مع إسرائيل من قبل دول أمريكا اللاتينية (البرازيل – الارجنتين – بوليفيا – فنزويلا – والأرغواي – البارغواي).

- انسحاب الشركات الأوروبية (VEOLIA ) واورانج ( CRH) من السوق الإسرائيلي بالكامل نتيجة الحملات ضدها.

- تعرضت شركة HP لخسارة 120 مليون دولار نتيجة ضغط اتحاد طلابي بالهند ضدها.

- أنهت 7 شركات أردنية عقودها مع شركة (6-4S) الأمنية لتورطها مع الاحتلال.

- قيام العديد من البنوك الكبيرة في العالم بسحب استثماراتهم من الشركات التي تستهدفها المقاطعة.

- سحب العديد من الكنائس المشيخية الكبيرة بالعالم ( أمريكا، هولندا )، وبعض الحكومات استثماراتهم بعد كشف أنها متورطة مع شركات تابعة للاحتلال.

ج- على صعد أخرى

  1. طالبت حركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter)، بوقف التبادل العسكري والتدريبي بين إسرائيل والولايات المتحدة.
  2. تبني الاتحاد التونسي للشغل نداء المقاطعة و انسحاب وفود فلسطينية وعربية من مؤتمرات عليمة وفكرية بسبب مشاركة وفود اسرائيلية، وعدم اعتماد المنظمين لمبدأ مقاطعة اسرائيل.
  3. إلغاء الارجنتين مباراتها الودية بكرة القدم مع ( إسرائيل ) بناء على ضغط من حملة المقاطعة.

أهم الإشكاليات التي تواجه المقاطعة:

رغم تنامي وتطور دور حركة المقاطعة وتوسعها أفقيا وعموديا، ووصول فكرة المقاطعة إلى الأوساط الشعبية الفلسطينية والعربية والدولية، إلا أن هذا السلاح الاستراتيجي المقاوم لن يكون فعالا ويحقق أهدافه، إلا بتوسيع نطاقه لتصبح المقاطعة ثقافة عامة وشخصية لدى كل مواطن، حتى يصبح التطبيع وإقامة العلاقة مع الكيان خزي وعار يلحق بكل من يمارسه.

وللأسف فإنه رغم كل الإنجازات التي أربكت قادة الاحتلال، لا زلت تجد من يساند حكومة الاحتلال ويبذل جهودا لإخراجها من أزماتها المتتالية والتي تتمثل في:

  1. لازال بعض رموز السلطة الفلسطينية يتمسكون بخيار التنسيق الأمني والتطبيع معارضين بذلك قرارات المجلسين الوطني والمركزي.
  2.  تنامي التطبيع العلني والسري من قبل بعض الأنظمة العربية وخاصة مشيخات الخليج، التي تمثلت بشكل مخزي بالعلاقات الرسمية وزيارات المسؤولين الاسرائيلين للدول العربية بشكل رسمي في مسقط، الامارات، البحرين، قطر، والعلاقات مع السعودية وتواطؤ النظام الرسمي الفلسطيني مع تلك الأنظمة والسكوت على ممارساتها.
  3. ضعف الوعي والدور الشعبي العربي المشغول بهمومه وقضاياه الاجتماعية على مواجهة التطبيع، باعتباره مقدمة لتمرير مخططات كبيرة تحاك ضد شعبنا قد يكون أكبر مما يسمى بصفقة القرن.
  4. تصاعد الحملات المضادة وملاحقة الاحتلال للنشطاء الفلسطينيين وصلت حد اتهامهم بمعاداة السامية وملاحقتهم كمتهمين ضد السامية والتهديد بمقاضاتهم في المحاكم, ومنعهم من حرية الحركة والتنقل.
  5. منع الاحتلال للنشطاء الأجانب من زيارة فلسطين وفرض قيود على كل من  يشارك في حركة المقاطعة.
  6. قيام بعض الدول الإمبريالية بسن قوانين تجرم المقاطعة وتطالب بمحاكمة النشطاء كما حدث في أمريكا.

 كلها صعوبات تواجه المقاطعة وتستدعي رفع حالة الوعي للشعب الفلسطيني العربي لمساندة حملات المقاطعة ودعمها بكل السبل، لتشكيل حماية لنشطاء المقاطعة، وهذا يستدعي من الجميع وبشكل خاص قوى اليسار والتقدم أن تتبنى المقاطعة باعتباره سلاح مقاومة فعال، وأن تصبح المقاطعة ومقاومة التطبيع ثقافة شعبية وفعلاً يوميًا لدى قوى التحرير الفلسطيني والعربي، وأن نعمل على توسيع علاقاتنا مع قوى التحرير العالمي، لتشكيل جبهة دولية مقاومة للاحتلال بكافة دول العالم، تساهم في عزل الاحتلال وتقوض أركانه وإسقاطه كما سقط من قبل سلفه نظام الفصل العنصري آبرتهايد جنوب أفريقيا.

توصيات :

  1.  وضع استراتيجية فلسطينية وعربية ودولية لتبني نداء المقاطعة، بحيث تصبح فعلاً نضالياً يومياً ومستمراً وجزءًا من الوعي الشعبي الوطني والعربي يؤسس لاعتبار الاحتلال كياناً منبوذاً عالمياً وإنسانياً، ويضع كل من يتعاون معه أو يؤيده في دائرة العار المناهض للإنسانية والعدالة والحقوق والاتفاقيات الدولية.
  2.  تبني نداء المقاطعة من كافة القوى الفلسطينية وخاصة قوى اليسار والتقدم وهي دعوة للتجمع الوطني الديمقراطي لتبني النداء وتنظيم حملات التوعية والنضال من أجل أن تصبح المقاطعة واجباً وطنياً يمارسه كل بيت وفرد فلسطيني، ومن ثم الإنطلاق نحو المجتمع العربي والدولي .
  3. تشكيل درع حماية من مؤسسات المجتمع المدني عامة ومنظمات حقوق الإنسان للدفاع عن نشطاء المقاطعة وحمايتهم من الملاحقة القانونية وضمان حرية حركتهم وعملهم وإستثمار كافة العلاقات الدولية لحمايتهم .
  4. دعوة كافة المؤسسات الأهلية والنقابات والإتحادات العمالية والمهنية إلى تبني نداء المقاطعة وجعل المقاطعة ورفض التطبيع جزء من نضالهم النقابي وبوصلة وشرط للعلاقات مع الاتحادات والنقابات والمؤسسات العربية والدولية .
  5. دعوة الشعوب العربية للضغط على أنظمتها وخاصة التي انزلقت في وحل التطبيع إلى التراجع عن جريمة التطبيع والعودة إلى خيار شعوبها المناهضة للتطبيع بأشكاله المختلفة.
  6. دعوة السلطة إلى وقف التنسيق الأمني ووقف التطبيع ودعوة الحكومة في غزة والضفة إلى وقف علاقاتها مع الأنظمة العربية المطبعة مع الاحتلال، والضغط على تلك الأنظمة لقطع علاقاتها مع الاحتلال، ومنع اللقاءات التطبيعية العلنية والسرية، ووقف استقبال قادة الاحتلال ورموزه في وسائل الإعلام العربية.