Menu
حضارة

المقاومة الشعبية والمجتمعية للتطبيع وأبرز إنجازاتها

حيدر عيد

لا يختلف اثنان على أن هذه المرحلة التاريخية من أهم و أصعب المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية. فمن انتصارات غير مسبوقة على الإطلاق لحملة المقاطعة و عدم الاستثمار و فرض عقوبات على إسرائيل (بي دي أس) على نمط ما حصل ضد نظام التفرقة العنصرية البائد, و العزلة الدولية الكبيرة التي تعاني منها إسرائيل , تحاول الأخيرة و بمساندة الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة و الأنظمة الرجعية العربية, إعادة عجلات الزمن إلى الوراء لتبقى الطفل المدلل للغرب, و”واحة الديمقراطية” في صحراء “التخلف” الشرقي! ومن هنا تأتي استماتة الرئيس الأمريكي لايجاد “حل” لكل القضايا العالقة, في إطار ما يسمى بصفقة القرن, و تصفية القضية الفلسطينية بالكامل. و هنا يكمن خطر التطبيع المستعر!

أصبح من الواضح أن الخيار الرسمي الفلسطيني منذ عام 1993 توجه نحو توفير ورقة التوت لعمليات التطبيع العربية المتسارعة. و لكن ما يهمنا في سياق هذه الندوة و هو ما يتم من طرحه من الغالبية الساحقة من القوى الحية في فلسطين و الشتات، هو الرفض و تحمل مسئولية توجيه حركة مقاومة شعبية شاملة مرتبطة بحملة مقاطعة دولية، بدأت نتائجها بالظهور بشكل لافت للنظر, لا ينكرها إلا أولئك الذين جعلوا التطبيع و “صناعة السلام” نهجاً سيؤدي إلى تحقيق “المشروع الوطني الفلسطيني”، الذي تم تصغيره ليمثل مصالح الفئات الحاكمة في بانتوستانات الضفة الغربية و سجن غزة!

عندما تقوم إسرائيل باعتبار (البي دي أس) أكبر خطر استراتيجي ووجودي عليها, و تبدأ بشن حرب عليها يعرفها الكل، و التأكيد من خلال التهديدات المباشرة لنشطاء المقاطعة أن الحركة قد استطاعت عزل إسرائيل، كما عُزل نظام الفصل العنصري الجنوب أفريقي, فإننا نستطيع أن نجادل أننا ندخل مرحلة جديدة في نضالنا من أجل الحرية و العدالة و المساواة. و هنا يكمن خطر التطبيع!

كان الهدف من اتفاقيات أوسلو إنهاء الانتفاضة الشعبية الأولى و البدء بترسيخ فكرة إمكانية “حل” القضية الفلسطينية عن طريق “الحوار” بين “الطرفين المتنازعين”. و انتشرت صناعة “السلام” المبنية على الفكرة الزائفة أن هناك “طرفين متساويين في القوة” يتحاوران لإنهاء “خلاقاتهما” حول مناطق “مُتنازع عليها!”.

و بقراءة دقيقة لتصريحات قادة إسرائيل, فإن العزلة الكبيرة التي بدأت تعاني منها نتيجة لحركة المقاطعة الدولية ذات القيادة الفلسطينية , تثير أسئلة ليس فقط عن احتلال الضفة الغربية و قطاع غزة، بل عن كل المنظومة القهرية التي تمارسها إسرائيل من احتلال و تطهير عرقي و أبارتهيد. فإذا كانت أوسلو قد نجحت باجهاض الانتفاضة الشعبية الأولى و تصغير القضية إلى مسألة احتلال عسكري لمناطق ال 1967, فإن حركة المقاطعة قد أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية و للشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاث, من منظور الشرعية الدولية, على أساس أنها حركة من أجل حقوق و ليس حلول.

و من الجدير بالذكر أن حركة المقاطعة قد حققت انتصارات غير مسبوقة و اختراقات في دول كان يعتبر انتقاد إسرائيل فيها من التابوهات السياسية التي لا تستطيع أي قوة سياسية المخاطرة بتحديها. فها هي تسع مؤسسات أكاديمية أمريكية تقرر الاستجابة لنداء المقاطعة الأكاديمية, أكبرها جمعية الدراسات الأمريكية, و آخرها مؤسسة دراسات علم الانثروبولوجيا, بالإضافة لجمعية دراسات السكان الأصليين و جمعية الدراسات الأسيوية. و القرارات المتلاحقة لاتحادات طلاب في العديد من الجامعات الأمريكية و الكنائس بسحب استثماراتها من شركات لها مصالح في العديد من المستوطنات الاسرائيلية. و آخر هذه الانتصارات تبني البرلمان الإيرلندي بالقراءة الثانية مقاطعة بضائع المستوطنات.

بالإضافة إلى كل ذلك قيام صناديق التقاعد الحكومي في بعض الدول سحب استثماراتها من بنوك و شركات إسرائيلية. و الخسارات الهائلة التي لحقت بكبرى الشركات فيوليا للسكة الحديد, جي 4أس الأمنية, أورانج للاتصالات, و قرار كل هذه الشركات الانسحاب من إسرائيل. أضف لذلك قائمة الفنانين و الفنانات الذين يرفضون الغناء أو زيارة إسرائيل و القائمة تطول.

و ما يهمنا في هذا السياق هو أن هذه الإنجازات تأتي استجابة لنداء المضطهَد الفلسطيني الذي عبر عنه بيان المقاطعة الشهير عام2005, مسبوقا بنداء المقاطعة الأكاديمية و الثقافية عام 2004. و هذا يُفسر قلق إسرائيل “الوجودي” المشابه لذلك القلق الذي عانى منه, عن حق, نظام الأبارتهيد العنصري في أواخر الثمانينيات من القرن المنصرم. و لكن من الملاحظ أيضا هو أن هذه الأداة النضالية الأكثر فعالية في هذه المرحلة تعتمد بذكاء, لاحظته المؤسسة الحاكمة في إسرائيل, على ما توفره الشرعية الدولية.

و هنا تكمن قوة خطاب المقاطعة من حيث دمجه بين قول الحق, بذكاء, في وجه السلطة الدولية و في نفس الوقت عدم التخلي عن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاث, أي المساهمة بطريقة فاعلة في تحرير العقل الفلسطيني بعد سنوات من استعباده و استعماره و أسلوته و أنجزته!

إذاً هو خطاب قوة يستثمر القانون الدولي, بعلاته, لصالح الشعب الفلسطيني, بعيدأ عن الأيديولوجيا التي تشكك بنجاعة، أي أداة نضالية لا تخرج من تحت عباءتها الضيقة التي تعمل على احتكار تعريف المقاومة بشكل واحد متعال لا يأخذ بعين الاعتبار أن قوة المقاومة الشعبية تكمن في تعدد أساليبها.

الحقيقة أن هناك تفهم أممي لما تنادي به الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني باعتبار أن نضالنا هو نضال مركب، ضد استعمار استيطاني استخدم أشكالاً متعددة من القهر لا تقتصر على احتلال عسكري مباشر للضفة الغربية و قطاع غزة و القدس الشرقية، بل أنه تخطى ما قام به نظام الأبارتهيد الجنوب أفريقي من تفرقة عنصرية مقيتة ضد سكان الأرض الأصليين, و بالتالي فإن تعدد أشكال الاضطهاد الصهيوني تتطلب إبداعات في مقاومته. و هنا تكمن أهمية التركيز على التدخل الأممي لجسر الهوة الهائلة بين المستعمِر الأشكنازي الأبيض (لتبيان أهمية البعد العرقي) و المستعمَر الفلسطيني.