Menu
حضارة

هل يفلحون..؟

د. علي عقلة عرسان

إلى أن يفلح اليهود في الحسم بين مقولتين تنسبان لحاخاميهم، تمثل إحداهما الانغلاق الديني، والعيش في “جيتو” القبيلَة المقفَلَة المحنطة الذي يمثل “جيتو ديني عنصري”، وعقائدي متعالٍ مدان.. وهي نظرة أو نظرية الحاخام حلفو “من القرن الرابع الميلادي” وتقول: “المتهودون خطَرٌ على إسرائيل كالجرب”/مسيخت يبموت/.. وتمثل الثانية توجها نحو الانفتاح على التهويد الديني وقبول متهودين، خارج حدود دين القبيلة “الجيتو”، لكنها لا تغير في نظرة اليهود للأغيار شيئا. وهي نظرة أو نظرية الحاخام أليعازر، وتقول “لم ينف المُقدس المبارك إسرائيل بين الأمم إلّا لكي ينضم إليهم متهودون” /بساحيم ٨٧ -٢.. حتى يحسموا ذلك، يمكنهم أن يفهموا “الإنساني”، وأن يخاطبوا الآخرين بمنطق إنساني مقبول.. أما قبل أن يحدث ذلك الحسم “الفقهي ـ السياسي”، ومع استمرار الأخذ بمنظور الحاخام “حلفو”، وهو السائد بينهم منذ بداية انتشار المسيحية في القرون الأولى للميلاد إلى اليوم.. فهم الانغلاق العقائدي والإنساني، والعنصرية مجسدة.

وعندي.. لا يوجد أمل في أن يفهم معظم اليهود، وكل الصهاينة العنصريين ومعهم المتصهينون، أنهم إنما يَعْرِشُون الأكاذيب في كروم المَعرفة، ويعيشون وهم التميُّز، وهو تميُّز في تصنيع الأكاذيب، وممارسة للإرهاب والقتل والإجرام. حيث تصبح ممارساتهم أكاذيبهم دينا، ويصنِّعون صورة وتاريخا للرّب، يستنبتون فيهما وعليهما وجودا إثنيا وموقعا لهم، يرفعونهما إلى درجة اختيار “الرَّب” لهم شعبا مُختارا، وجَعْل البشر الآخرين مخلوقات من نوعٍ أدنى، لا يرون لها أرواحا وحياة ومعتقدات ومقدسات وأوطانا، وهوية وتاريخا، وأنهم مما ينبغي احترامه، وترك أهله الذين هم كل الناس تقريبا، يعيشون المساواة أمام الخالق بإيمان وأمن وسلام.؟!.. إن تلك الطائفة من البشر ترى أن “الرَّبَّ” اختارها، وفضلها، وأباح لها دم الآخرين وأرواحهم وأملاكهم وأموالهم، وترى أن كل ما تقوم به من فعل، هو فعل مقدَّس مُوحى به من “الرَّب” ومباركٌ منه، لمجرد أنه يتم على أيديهم؟! وأن ما يشتهونه مما في أيدي سواهم، هو لهم، وأنهم مكلفون بإنارة العالم الذي يغشاه ظلام “الأغيار”؟!.. وأن تلك “مهام مقدسة، ومأمور بها؟!.. ويدخل في نطاقها أن يقدموا “الغوييم أضحيات ومُحَرَّقات على مذابح شهواتهم وأطماعهم، لأن ذلك مما يشتهيه، بل يتعشَّقه، “يهوة” رَبُّ الجنود.؟! وأن “إقامة إسرائيل على حساب فلسطين، وقتل شعبها، وتدمير هويتها العربية ـ الإسلامية، وذبح أبنائها، هو عمل مباح لهم، وهو مقدس أيضا، فذاك عندهم “تحقيق لحلم الأنبياء؟!”، وإنفاذ لوعد الرب؟!.. ولا ندري عن أي أنبياء يتكلم أولئك المأفونون؟! أَعَن القتَلَة والمشعوذين، أم عن الذين يصنِّعونهم ويصدرونهم أنبياء، حين يبلغ الواحد منهم الحد الأقصى في ارتكاب الجرائم، أم يصدرون عن أوهام يصنِّعون لها أبطالا “ملوكا وأنبياء”؟!.. هل يتكلمون عن “أنبيائهم = ملوكهم”، أولئك المشكوك في قدرتهم على الرؤية، والمَعلنون أعلاما لأنهم أراقوا دم الآخرين واستباحوا حقوقهم في الحياة.. أم عن نفيهم لحق الآخرين “الأغيار”، بالإيمان بالله خالقا لجميع البشر بالتساوي؟! أم عن نهجهم في التعامل مع الناس كافة على أنهم بلا عقول ولا ضمائر ولا أرواح، تجعلهم يدخلهم في الأخيار؟!..

فعلا يحار المرء كيف ينظر إلى هذا النوع من البشر، وكيف يصنفهم بين المخلوقات، وفي أي صنف يُدرَجون. إنهم لا يتكلمون عن أنبياء أرسلهم الله لهداية الجنس البشري، ممن يعترف بهم معظم الخلق، وأتباعهم يملأون مساحات شاسعة من أرض البشر، ورسالاتهم أخلاق وقيم وتعامل إنساني، وحضورهم ملء الوجود والتاريخ ومنجزات وسع الأرض.. بل عن “أنبيائهم؟! إنهم يشوهون رسالات السماء، وتعاليم الأنبياء، ويزورون الحقائق والوقائع والتاريخ، ويفجُرون ويفترون، ويهددون حياة الأبرياء.. ويمارسون القتل والإرهاب والشر، انطلاقا من عنصرية متأصلة وضلال مقيم، ويدَّعون أنهم “ضحايا؟!”، وأنهم الأخلاق، و”كتلة النور التي تخترق الظلام لتبدده.”؟!. إن شر الخلق من لا يعرف حق الخلق في الحياة، وأن الله خالق الخلق جميعا، هو العدل والإنصاف والرحمة.. وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير.

الصهاينة العنصريون الذين يقتلون الفلسطينيين يوميا، ويحاصرونهم إلى حدِّ الإبادة في غزة، ويشردونهم في أصقاع الأرض منذ عقود من الزمن.. يصفون مساعدة السلطة الفلسطينية لأسر الشهداء والمعتقلين والأسرى بأنها “تمويل للإرهاب”، ويطلقون على المقاومين الفلسطينيين صفة “قَتَلَة اليهود”.. أمَّا هم الإرهابيون العنصريون بامتياز، و”قتلَة الفلسطينيين” بامتياز، ومَن يمارس إرهاب الدولة، ويموّل إرهاب قطعان المستوطنين، وسطرتهم على أملاك الفلسطينيين وأراضيهم.. أمَّا هم فمن جنس الملائكة، وإجرامهم مقدس، وإرهابهم حق من حقوقهم؟ فأي انحطاط، وأية ممارسات تفوق في إجرامها حدَّ التصور؟!. أولئك الصهاينة المحتلون لفلسطين، يريدون حسم المبالغ التي تدفعها السلطة الفلسطينية لأسر الشهداء والمعتقلين، من الضرائب التي يجبونها من الفلسطينيين، وهي من استحقاق الشعب الفلسطيني وسلطته، تقوم “إسرائيل” بالسطو على تلك الأموال، “بموجب قانون يلزم وزارة الدفاع بأن تعرض على “الكابنت” معطيات عن حجم رواتب الإرهاب، ويلزم وزير المالية بتخفيض المبلغ من أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل ـ من الفلسطينيين ـ عن السلطة الفلسطينية.”؟!.. فأي قانون، وأية أخلاق، وأي فجور، وأية إجراءات فاسدة يقوم بها أولئك الصهاينة العنصريون.. وهي إجراءات وممارسات فاقت وحشيتها وحشية النازيين بمراحل كثيرة، وتستمر منذ عشرات السنين، بينما استمرت سطوة النازي وممارساته ثلاث سنوات، هي سنوات الحرب العالمية الثانية.؟!

النازية الجديدة تُغفِل أنها تدفع الرواتب، وتعطي المكافآت، وتقدم العلاوات والترفيع والتكريم والتمجيد، للإرهابيين الإسرائيليين من قطعان المستوطنين المنتشرين في الضفة الغربية.. أولئك الذين يهاجمون الفلسطينيين في بيوتهم، ويقطعون أشجارهم، ويتلفون محاصيلهم، ويستولون على أراضيهم، ويعيثون الفساد أينما حلوا.. مدعومين بقوة “جيش الذّبح الإسرائيلي” المجرد من الأخلاق”، ذلك الذي يحمي جنوده وضباطه الإرهابيين، ويمارس هو إرهاب الدولة، ويقتل الفلسطينيين ويحاصرهم حتى الإبادة.. وكل ذلك يجري بتخطيط وتمويل مما يسمى “دولة إسرائيل”، وبرعاية وتمويل من الأميركيين حماة الإرهاب الصهيوني، وبتشجيع من الحاخامات والأحزاب والساسة. إن هذا هو الإرهاب الفظيع، وكل أولئك الصهاينة هم الإرهابيون العنصريون الذين يجسدون العدوان وانعدام الأخلاق، بأجلى الصور وأشد المظاهر قسوة ووضوحا وانحطاطا.. وما الاحتلال الصهيوني في الأصل، إلا أبشع صور الإرهاب والعدوان.. فبأي حق، وبأي منطق، ووفق أية شرائع وقوانين يجري ذلك، ويُسْكَتُ عليه دوليا، بل ويُدعَم سياسيا وماليا وعسكريا؟! وعن أيِّ قَتَلَة يتكلم الصهاينة، وهم القَتَلة، وعن أي “إرهاب فلسطيني” يتكلمون، وهو المقاومة المشروعة بأقدس صورها، ضد الاحتلال والإرهاب، ودفاعا عن النفس والوطن والحق والمقدسات؟!. الإرهابيون الصهاينة يتكلمون عن “إرهاب الفلسطينيين؟!”، وهم الإرهاب، والعنصرية والإجرام، والفُجَور، والافتراء والكذب، ماضيا وحاضرا..؟! وحاخاماتهم يرفعون ذلك السلوك وتلك الممارسات إلى درجة التقديس ويمجدونها، ويشوهون كل حقيقة وقيمة وخُلُق، ويباركون إرهابييهم ويرفعونهم أبطالا، والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى.. لكن نذكِّر بواحدة منها.. تلك هي مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي في الخليل وهم ركَّع سجود لله في صلاة الفجر.. حيث قام الإرهابي الصهيوني باروخ جولد شتاين بقتل العشرات منهم وجرح آخرين كُثر.. فأقيم له نَصْبٌ تذكاري بطولي في “كريات أربع”، وأبَّنَه الحاخام “دوف ليئور”، وسمَّاه قديسا، “مثل قديسي الكارثة؟!. ويسوق “ألكسندر روبنسون” في معرض التذكير ببعض ما يؤكده ذلك الحاخام، دوف ليئور، وردده مؤخرا، في ذلك قوله: “.. صحيح أنني قمت بتأبين المرحوم جولدشتاين (انتقم الله له) الذي قتل في عملية قتل جماعي من قبل الأغيار في مغارة الماكفيلا، واليهودي الذي قتل لكونه يهوديا، بالتأكيد يجب تسميته قديسا، كما نقول عن قديسي الكارثة دون فحص كيف تصرفوا في حياتهم السابقة، وأكثر من ذلك هنا، لأننا نعرفه عن قرب، شاب كان يخاف من الله ويعمل الخير، يحب الكائنات وينقذ الأرواح، حتى إذا اعتقد أحد ما أن فعله الأخير لم يكن كما يجب، لماذا لا يستحق التأبين بشكل صحيح.”/ هآرتس- 27/1/2019/، فانظروا افتراء الحاخامين، وتبصروا بعقليتهم و”بإيمانهم”؟!

ولا يكتفي كيان الإرهاب الصهيوني بممارسة القتل، وقلب الحقائق، وتمجيد الإسرائيليين الإرهابيين القَتَلة، والتجسس على الفلسطينيين وغيرهم، وتسخير جهاز الأمن الفلسطيني لخدمتهم، من خلال “التنسيق” البغيض بين الطرفين، بتمويل أميركي يبلغ ٦٠ مليون دولار سنويا، توقف مؤخرا بالخطأ، ويجري بحث تعويض ذلك؟!.. بل يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير.. فهو لا يكتفي بحماية عملائه، بل يطالب السلطة الفلسطينية بدفع تعويضات باهظة لأنها حاسبتهم بوصفهم متعاونين مع الاحتلال، وبوصفهم يتجسسون على إخوتهم وأبناء وطنهم لصالح كيان الإرهاب “إسرائيل”.. وتقوم بإجراء محاكمة تسفر عن إدانة للسلطة..؟! وقضاؤهم، بما فيه المحكمة العليا، مثل حاخاماتهم.. لا تعطي للفلسطيني حقا ولا قيمة، ولا يحكمون له حين يُعتدى عليه ويجرد من أرضه، ويشتكي.. بل يحكمون عليه..؟! وقد صدر مؤخَّرا “قرار المحكمة العليا، يتبنى قرار المحكمة المركزية الذي ثبت الحقيقة التي تأكدت أمامها بأن المدعين ـ 52 رجل وامرأة ـ عذبتهم السلطة الفلسطينية للاشتباه بالتعاون مع إسرائيل. إن القرار الذي يأمر بتعيين خبراء بتكليف من المحكمة لتحديد أضرار المعذبين، يشق الطريق لتسريع القرار النهائي للمحكمة المركزية، الكفيل بأن يصل إلى مئات ملايين الشواكل”.//الخبر الرئيس في جريدة “إسرائيل اليوم”، من يئير التمَن، بتاريخ 24/1/2019 .. فأية عدالة، وبأي قانون تُعاقب دولةٌ دولةً أخرى، على محاسبتها لجواسيس من مواطنيها، تعاونوا مع أعدائها، محتلي أرضها، ضد مواطنيهم ومصالح شعبهم وقضيتهم؟! إن هذا لا يفعله سوى الصهاينة، والعنصريون الأميركيون الذي هم على شاكلتهم، والمتماهون معهم.. أمَّا “جهاز القضاء الصهيوني الذي يعمل مع “الدولة” والمستوطنين والمستوطنات، بشكل مشترك، ووفقا للنمط الإجرامي الممنهج.. فإنه يثبّت أسس دولة الإرهاب والابرتهايد، “إسرائيل”، بلا أدنى حرج.

إن هذا الوضع الشاذ جدا سيستمر، ويتفاقم، ما دمنا لا نقف بوجهه بل ويتواطأ بعضنا معه جهارا نهارا.. نحن إذا توافقنا وصممنا وأخلصنا لأنفسنا قادرون، نعم على ذلك قادرون.. والصهاينة الذين يتشدقون بكلام أكبر بكثير من حقائقهم المخجلة، ومنه الكلام عن الأخلاق والديمقراطية وحقوق الإنسان.. سوف يستمرون في نهجهم ذاك لا تردعهم إلَّا قوة.. وهم يتسابقون على إراقة دماء الفلسطينيين ويتفاخرون بالعدوان، وإعلانهم عن القيام بأكثر من مئتي عدوان على سوريا خلال الحرب الكارثة بعض ذلك. ويتباهى ساستهم وجنرالاتهم والمتطلعون إلى تسلم مناصب في السلطة، بعد الانتخابات القريبة القادمة، يتباهون بما أراقوه من دماء أهل غزة، وما ألحقوه ويلحقونه بهم من إبادة بطيئة جراء الحصار المستمر، والعدوان المتجدد، وقطع كل تمويل عنهم؟!.. وقد أصاب قائلٌ منهم قال: “طالما استمر قمع الشعب الفلسطيني، فسيستمر التدهور الأخلاقي، ويستمر الفساد والعفن في الانتشار فينا كالسرطان.. لأن بيبي ـ نتنياهو ـ لم يجلب معه الاحتلال والفساد والعفن.. لكن الاحتلال هو الذي جلب معه بيبي والفساد والعفن.”.//هآرتس – مقال – 5/2/2019 – كوبي نيف.

وهذا القول منه صحيح في حدود، لكن الأصح، هو أنهم سيستمر فيهم التدهور الأخلاقي والفساد والعفن والانحطاط.. إلى أن يغيروا نظرتهم لأنفسهم، ونظرتهم للآخرين، ويتصرفون كبشر أسواء، ليسوا مختارين بأي حال، ومدانين عبر تاريخهم في معظم الأحوال.. ويتساوون مع خلق الله أمام الله الخالق الرازق البارئ المصور، ويخرجون من “الجيتو” بأنواعه وأشكاله، ليس الجيتو المادي ذا الحيز الجغرافي فقط، بل الجيتو الروحي والنفسي والثقافي والاعتقادي الذي يجعلهم يتعفنون وينشرون عفنهم على الآخرين.

ومن أسفٍ أن تغيُّرهم ذاك لا يبدو قريبا.. و﴿.. إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم وَإِذا أَرادَ اللَّـهُ بِقَومٍ سوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُم مِن دونِهِ مِن والٍ ﴿١١﴾- سورة الرعد.. والأمر لله من قبل ومن بعد.