Menu
حضارة

عن "حكاية سر الزيت" وسر الحرية وإدراك معناها

أحمد مصطفى جابر

غلاف رواية سر الزيت

(الرواية حكاية سر الزيت/وليد دقة/ سجن جلبوع/ عن مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي 2018)

يمكن القول ببساطة، أن رواية وليد الدقة، مثيرة للإعجاب تماما وتبرز الكثير من نواحي القوة الأخلاقية، والإبداعية لدى الكاتب، ولكن لم أكن أستطيع الكتابة عنها قبل إخضاعها للاختبار الجدي، وهو قراءتها لأطفال بين العاشرة والثانية عشرة، ورصد ردة فعلهم عليها، وهذا ما فعلته، وأظن أن هذا النص، يعطي الإجابة عن ردة فعل أولئك الأطفال، الذين فرحوا مع جود، وسخروا من أبوريشة، وحزنوا مع أم رومي، ولكنهم تقافزوا فرحا أيضا بعودة أبي ناب إلى الطريق المستقيم.

إذا كانت الكتابة فعل مقاومة، فإن القراءة لاتقل أهمية عن هذا الفعل، خصوصا عندما يسعى القارئ إلى الفهم، والاندماج في وقائع ما يقرأ والقيم التي يقدمها الكاتب.

ثمة تيار نقدي كبير، يرفض تحليل النصوص الأدبية ارتباطا بالكاتب استنادا للنظرية الأساسية في الأدب، بأن الرواية موضوع متخيل، منفصل في وقائعه وشخصياته وزمانه عن وقائع حياة الكاتب وشخصيته وزمنه، وإن حدثت بعض التقاطعات أحيانا، إذ أن الكاتب يأخذ مادته من الحياة، فلا عجب إذا أخذ بعضها من حياته بالذات.

بينما نما أيضا تيار لا يفصل بين المبدع وموضوع إبداعه، ونعرف الكثير من الكتاب الذين عايشوا تجارب شخصيات أعمالهم، لكي يتوصلوا إلى فهم حقيقة مشاعر هذه الشخصيات قبل صبها على الورق، رغم أن هذا أيضا يحيل إلى أن التأثير عكسي باعتبار أن الكاتب نفسه هو مبدع الشخصية.

هذه الأسئلة النظرية، موجودة بقوة في رواية الأسير وليد دقة "حكاية سر الزيت" ما يجعل هذه الرواية تبدو وكأنها نوع من التدوين الشخصي، للتجربة القاسية التي يعيشها أبناء وعائلات الأسرى، وهذه نقطة الإبداع الأولى في الرواية، فالكاتب، لا يتحدث عن مأساة السجن من وجهة نظره هو السجين، بل يختار أن يتحدث عنها لناحية تأثيرها على حياة الآخرين، الأهل والعائلة، عبر منظور كلي، لا يفصل حقائق هذه المعاناة ووقائعها عن معاناة الشعب كله.

لكن رغم كل ذلك فإن الرواية تدور حول حياة الأسر، وتقدم إدراكا عميقا لحقيقة أن الأسر ليس داخل جدران السجن فقط، فكما بنى الاحتلال جدارا لمنع السجناء من الخروج، كذلك بنى العديد من الجدران لمنع الآخرين من زيارتهم، بل لقطع أواصر العلاقة بين الناس خارج السجن الصغير، الذين بنى السجان حولهم سورا أكبر ليبدو المشهد وكأنه سلسلة من السجون المتداخلة المنضبطة لإرادة المحتل ومصالحه.

استخدم الكاتب لغة متراكبة، سهلة وسلسة، مابين لغة السارد الفصيحة والعامية التي تحدثت بها الشخصيات، فكان هذا الأسلوب يعكس متانة لغوية برأيي عند الكاتب خصوصا أن العامية تتيح إنتاج كم هائل من المشاعر المخصوصة التي يعبر عنها أبناء البلد بلهجتهم الخاصة.

أيضا، استخدم الكاتب الحيوانات كشخصيات رئيسية في روايته، وهو أسلوب قديم لدى جميع شعوب الأرض، وإن كان الأبرز بينها هي قصص كليلة ودمنة التي ترجمها إلى العربية عبد الله بن المقفع، ونجد هنا تقاطعا. فكما أريد لحكايات كليلة ودمنة أن تكون دروسا تعليمية في القيم والأخلاق، كذا تأتي رواية وليد دقة لتكون درسا فذا، بدون تكلف لجمهور الفتيان والفتيات، من أبناء شعبه، لتوصيل رسالة يحتاجها الجميع، رسالة الحرية والأمل في المستقبل والعمل الجماعي. وهذه القيم هي غيض من فيض القيم التي تقدمها الرواية، بما يناسب السن الذي تتجه إليه، وهي قيم أصيلة في المجتمع الفلسطيني، من الكرم والشجاعة والإيثار والتكاتف وحب الوطن والتضحية وكلها نحتاج جديا التركيز عليها للأجيال الناشئة والتي هي عماد المستقبل، المستقبل الذي تحدد الرواية إنه يمكن تحريره وإنقاذه بتحرير هذه الأجيال.

القصة ببساطة، تدور حول جود الصبي الفلسطيني المحروم من زيارة والده الأسير، وفي رحلة شجاعة، ومعرفية وأخلاقية يدرك جود معنى التحرر، ومعنى تحطيم جدران السجن، وهو وإن كان تمكن أخيرا من رؤية أبيه من وراء شباك الزنزانة، لم يسمح لنا الكاتب بالتمادي في حلمنا الوردي، فالسحر والأساطير والمقدسات والزيت لا تعطي الإجابات الكاملة ولا تقدم حلولا سحرية، فإذا كان جود قد رأى والده فإن الأسير يعجز تماما عن رؤية الابن المتخفي بالزيت المقدس، وهنا يقول لنا الكاتب بوضوح إن قضية التحرر قضية شاقة وصعبة ولا يجتاز دروبها، إلا من عقد العزيمة على هزيمة السجان وهدم جدار السجن.

مع جود يقدم الكاتب رسائله عبر مجموعة من حيوانات البيئة الفلسطينية، فهناك العصفور أبو ريشة، والأرنب السمور، والقط خنفور، والحمار براط، والكلب أبو ناب. وهناك أيضا الشخصية الأسطورية التي أحكم الكاتب نسجها وكتابتها، الزيتونة أم رومي، وبدون أي أسطرة، من المعروف أن عمر الزيتونة الذي بلغ 1500 عام هو شيء طبيعي تماما في فلسطين، وهذا النوع من الأشجار عايش غزوات ورأى امبراطوريات تأتي وتذهب، ولكن الفلاح الفلسطيني بقي دائما على هذه الأرض، وهذه الزيتونة هي رمز ل فلسطين الباقية أبدا، وما محاولة المحتل نقلها إلى مكان آخر إلا محاولة فاشلة لأن كل الأرض فلسطين وكل وجوده عليها إلى زوال وستشهد أم رومي زواله كما شهدت هزيمة واندثار من سبقه من الغزاة.

من هنا ينسج المبدع وليد دقة تفاصيل المغامرة المبهرة، عارفا بقداسة الزيت والزيتون عند الفلسطينيين، قداسة ارتبطت بوجودهم تاريخهم كله، فكان من الطبيعي أن تكون الزيتونة وزيتها الدائم هي سر الحكاية وأن تنطوي على سر الحكاية أيضا.

استخدام الحيوانات والشجر في الرواية ليس مجرد أسلوب إبداعي تشويقي بغرض الوصول إلى القارئ الهدف، بل هو أيضا انعكاس لوعي الكاتب بطبيعة الحرب التدميرية التي يشنها كيان المُستعمِر الصهيوني، ليس فقط ضد الإنسان الفلسطيني، بل أيضا ضد البيئة الفلسطينية، وضد التمازج الطبيعي الهائل الذي طالما ميز فلسطين، قبل أن يأتي المُستعمِر ويغير معالم الأرض ويسممها ويقسمها بجدرانه ومستوطناته، فلم يكن الإنسان وحده هو الضحية.

ما معنى الحرية؟

دون الخوض في تفاصيل وأحداث رواية يجب أن نقرأها ونشجع أبنائنا على قراءتها، هذا هو السؤال الرئيسي الذي تطرحه الرواية، معنى الحرية وغايتها تحرير الإنسان ليس في ماضيه وحاضره، بل في مستقبله بالأساس، وهذا لن يأتي إلى بتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة والتضحية الضرورية التي يجب تقديمها من أجل حرية الأرض وإنسانها، وهذا ما أدركه بطل روايتنا، جود، وهذا ما يريد كاتبنا الأسير أن يقوله، فالمسألة ليست في هدم واختراق جدران السجن الصغير بل في هدم جدران السجن الكبير وإزالة كل ما يمت للاحتلال بصلة، ومن هنا كانت حكمة أم رومي، إن زيت الجرجير، يخفي ولا يعالج، أما العلاج فشأن آخر لا يأتي بالسحر والقداسة، بل بالعمل الشاق الذي يقدم عليه من أوتي العزيمة والاستعداد للتضحية، لذلك كتب وليد دقة في افتتاحية روايته: "أكتب حتى أتحرَّر من السجن.. على أمل أن أُحرّرهُ مني". ويختمها، بضرورة تحرير أقدم أسير عربي وهو المستقبل.. "المستقبل يابا، المستقبل".