Menu
حضارة

للكاتب الأسير وليد دقة

قراءة في قصّة كُتبت من أجل الحرّيّة والبقاء: حكاية سرّ الزّيت

رواية سر الزيت

خاص بوابة الهدف _ انتصار الدنّان

لماذا نكتب؟ هذا هو السّؤال الّذي يجب أن نجيب عنه، قبل أن نبدأ بالكتابة.

العديد من الأشخاص يعتقدون أن البعض يكتب لمجرّد أنّه يريد التّرويح عن نفسه، أو ليخطّ مذكّراته الّتي مرّت بها حياته. لكنّ الكتابة الحقيقيّة هي تلك الّتي تكون من أجل تصوير واقع عاشه الكاتب أو غيره، وهذا ما أبدع به كاتب الرواية.

الرّواية الّتي يُستحق أن يُقال عنها رواية على الرّغم من أنّها تتمحور حول موضوع واحد مرتبط بالحرّيّة والبقاء، ويرمز فيها إلى أمّ رومي ( شجرة الزّيتون) الّتي تبلغ من العمر 1500 سنة، ما يؤكّد أحقّيّة الفلسطينيين بأرضهم، ما يؤكّد أنّ هذه الأرض هي لأهلها الّذين زرعوا بها منذ آلاف السّنين، لكنّها متعدّدة الأماكن والشّخصيّات.

اعتمدت الرواية لنفسها بنية خاصة، فقد اختارت لنفسها الأسلوب السهل الممتنع، كما أنها جاءت باللهجة الفلسطينية العامية في بعض الأماكن، حيث إن الكاتب اعتمد أن تُستخدم هذه الألفاظ للتأكيد على أن الأرض الفلسطينية هي عربية الهوية والجذور والمستقبل، كما أنها منذ بدايتها، وبدءًا بالمقدمة، ظهرت غاية الكاتب من روايته هذه، فقد قال:" أكتب حتى أتحرَّر من السجن على أمل أن أُحرّرهُ مني".

هي الكتابة من أجل الحرية، حيث تظهر هذه الجملة أن السجن هو المسجون وليس كاتبنا الأسير وليد دقة، من خلال جملته هذه يشير إلى أن الحرية من السجن، منطلقًا من فكرة التحرير لا يكون إلا بالإيمان بالقضية التي من أجلها يضحي.

ثم ننتقل إلى الإهداء، إلى جود حتى يعيش طفولته، وإلى كل الأطفال الذين أصبحوا رجالًا ونساءً بالغين قبل أوانهم، وإلى كلّ البالغين الّذين حرمهم السّجن طعم الطّفولة.

هذا الإهداء لم يكن لابن الكاتب جود وحده، بل هو لكل الأطفال الذين حرمهم الاحتلال طفولتهم، وصاروا رجالا قبل أوانهم، يناضلون، ويقاومون الاحتلال وغطرسته، من أجل الحرية.

أما جود الذي منذ اثني عشر عامًا، وبعد أن أبصر النور لم يسمح له الاحتلال ولو لمرة واحدة أن يرى والده، والسبب كما يدعون هو أمني، نعم هو أمني بامتياز، هو الخوف من أن تهرب نطفة أخرى ليولد جود آخر، هو الخوف من أن يتكاثر الفلسطينيون المؤمنون بقضيتهم، وهو الخوف من التحدي الكبير الذي يقوم به الفلسطينيون الذين يكسرون كل ما يخطط له العدو، يؤكدون له أن في السجن حياة.

جود يسابق الأمل، حين قال:" بدي أزور بابا... بدي أزور بابا... بدي أزور بابا".

ثم يبكي، يبحث عن طريقة ليرى فيها والده، إنه الشوق الذي يدفعه إلى رؤيته، ومحادثته، ليخبره كل شيء عن رفاقه، ومدرسته، وعلاماته. إلى أن يصل الأرنب " السمور"، ويطرح السؤال المعهود: ما بك؟ وما الذي يبكيك؟ مسح جود دموعه، وقال له: "هذي مش دموع، هاظ عرق لأني كنت أركض".

لكن السمور ألح عليه السؤال، إلى أن اعترف له بعد أن أخبره السمور بأن الجدار يمنعه أيضا من رؤية أمه، وشقيقه، وشقيقته، وهنا تبدأ حكاية الجدار الذي يفصل به العدو تلك الأرض. وحال السمور وجود واحد، فلا السمور يستطيع النط ليرى أهله، وكذا جود.

الجدار بخوف، وواصل للسما، لكن جود لا يرهبه ذلك الجدار، ويحاول اجتيازه بشتى الطرق، إلى أن يصل أبو ريشة، ويعرض جناحيه للمساعدة، إلى أن أتى البس ( خنفور) الذي يعرف كل الثغرات الموجودة في الجدار.

هو الحق الذي يبحث عنه جود، يريد أن يخترق الجدار ليصل إلى والده، وهو الحق الفلسطيني في العودة والحرية. الجدار تثار حوله الحكايا، فيتضح من كلامهم أنه واهٍ، فيه ثغرات عديدة يستطيع المرء اختراقها إن استطاع، علما أنه أغلقت جميعها وأبقي على الصغيرة، كما أن ما أثاره الكاتب قضية أجهزة الإنذار الذي يخوف فيها الجيش الذي بزعمهم لا يقهر الناس، هو أيضا غير موجود؟

من يحرس ذلك الجدار التنسيق الأمني، متمثلا بأبي ناب (الكلب) الذي صار يعمل لدى العدو.

لكن الأهم في الأمر، والذي أراد الكاتب أن يشير إليه هو الهم المشترك، البحث عن لقمة العيش، لأن من يطاردهم واحد، والجدار واحد. لقمة العيش ذريعة لدى البعض، لتمرير ما يقومون به من تنازلات، وخيانات، يؤدونها للاحتلال.

ثم يتكلم على أم رومي ( شجرة الزيتون) التي أخفت جود ورفاقه في قعرها، عندما جاءت آلية حرس الحدود واقتلعتها من أرضها، لتضعها في أرض أخرى. هنا يريد الكاتب أن يقول: إن هذه الشجرة المعمرة منذ مئات السنين دليل واضح على أحقية الفلسطينيين بأرضهم، وبالرغم من اقتلاعهم منها غير إنهم مازالوا متشبثين بها مهما طال الزمن.

غير أن الكاتب هنا أشار إلى أن كل فلسطيني في أرض فلسطين بنظرهم خطر أمني، والأخطر بالنسبة إليهم تزايد المواليد الذي لا يستطيعون توقيفه حتى ولو كان الشخص أسيرًا، يجد الطريقة التي يستطيع من خلالها تزايد أعداد الفلسطينيين.

جاء الحمار براط، ليخبر جود بضرورة زيارة أم رومي (الزيتونة) التي تجذرت بالأرض منذ 1500 سنة، أم رومي التي تمثل التراث الفلسطيني الذي يريد أن يسرقه العدو الصهيوني، وينسبه إليه، وهي ليست الوحيدة المتجذرة في الأرض، بل المئات من النصبات التي لم تحنها الشدائد.

سر أم رومي في زيتها الذي يشفي من مرض العصر، لكن ما هو السر؟

السر معرفة، والمعرفة تمنح مالكها قوة، والقوة خيارات، وأنت بهذا المعنى حر، هكذا قالت أم رومي لجود، إذ إنه يجب عليه أن يمتلك المعرفة ليواجه سجاني والده والسجناء كافة، والاختيار هو حرية، واستطاعة المرء الاختيار، لأن المستوطنين اختاروا أن يأتوا إلى أرض فلسطين، فاختاروا "الحرية بهذا المعنى".

وسر استخدام الزيت في حسن استخدامه، وتعدد الفصائل الفلسطينية أساء بعضهم استخدام الزيت، فازداد سلبنا حريتنا، وهو هنا يحض على الثورة والتغيير حتى لا تستمر الفصائل التي تأكل شعبها بدلًا من أكل العدو، فازدادت غطرسة العدو بهذا المعنى.

أما مرض العصر، فهو فقدان الحرية.

أم رومي كُتفت ومثلها العديد من الأشجار، وكذلك أبو جود، ففقدوا جميعا حريتهم، وحثت جود على البحث عن الحرية، وقبل أن يترك جذع أم رومي كمش حبات لم يرها ووضعها في جيبه.

مسح جود بثلاث حبات زيتون جسده وأجساد رفاقه الذين لم يتركوه، ودخل السجن رغمًا عن السجان الذي لم يره. لكن في مقاربة أخرى بين سجن العدو وسجن غزة الكبير الذي يعيش فيه الآلاف من الفلسطينيين سجن أكبر، فهم منذ أن ولدوا لم يغادروا قراهم ومدنهم، في إشارة إلى المعبر الذي يفتح بقرار ويغلق بقرار آخر.

لا أفق أمام الفلسطيني المولود بغزة، فلا خيار أمامه إما أن يعيش والبحر أمامه لكنه لا يستطيع السفر، وإما أن يموت ولم ير البحر البتة.

مهمة جود إذًا هي التحرير والحرية، انتشرت مجموعات كبيرة من الأطفال والحيوانات على شواطئ حيفا، وعكا، وطبريا، يلعبون ويلهون فرحين، ما أقلق الجهات السياسية والأمنية الإسرائيلية، فيما يبدو وكأنها إشارة إلى مسيرات العودة، بدليل أنه بعدما عادوا وذهب السمور إلى أهله، اتفق جود مع السمور على أن يلتقيه في المفرق ذاته أيام الجمعة الأولى من بداية كل شهر، في ساعات الصباح الباكر، وقال له إن مهمته لم تنته، ودعاه ليشاركهم ما تبقى من المهمة.

هي الحرية، وسرها في العمل نحو تحرير المستقبل، وتحرير المستقبل هذا هو الذي سيحرر أقدم أسير عربي.

  • أما الراوي، فهو الأسير وليد دقة، المسجون في سجن الجلبوع، يدعو إلى الحرية من خلال إيقاد شعلة الأمل في تحرير المستقبل المعول عليه في تحرير الإنسان.
  • شخصيّات الرواية: شخصياتها كانت من الحيوانات على اختلافها، وفي ذلك دليل على أنها قد تكون أوفى من الإنسان، على الرغم من أن أبا ناب كان من بينها، وأبو ناب قام بدورات تدريبة لدى الاحتلال، ثم لدى الأمريكان، ومن بعدها عمل في التنسيق الأمني، غير أنه وبالرغم من ذلك فلسطين لها الوفاء الدائم، ولم يخذل أصدقاءه.
  • المكان: أما الأمكنة فقد كانت متعددة، هي فضاء الكاتب الذي لا حدود له، فهي غزة، والجدار، والزيتونة، والسجن، الشواطئ. في دليل على أن فلسطين بكلها لأهلها.
  • الزمان: هو الزمان المفتوح الذي ابتدأ منذ الاحتلال وحتى اللحظة.

الأسير كتب نصه هذا في صيف 2017. هو لم يخترع ما كتبه، لكن نصه هذا أتى بعد التنازلات التي يقوم بها البعض أمام الحرية التي يقدمها المسجونون، لقاء أن يتوحدوا على كلمة سواء، الكلمة الفصل هي فلسطين وتحريرها، مدركا أنه ستكون هناك مرحلة جديدة من الحرية، الحرية التي تبدأ مع أولئك الفتية الذين أدركوا أوسلو وملحقاته، المحرومون حتى من نور الشمس، وهي اليوم تعكس نفسها على الأرض، هي مسيرات العودة المعقود عليها أمل التحرير.

إنهم الفتية المثقفون، إنهم المشتبكون دائمًا.