Menu
حضارة

الثورة إنسان، والإنسان ثورة

د. سامي محمد الأخرس

غسان (77)

الحديث عن الثورة ليس مجرد حديث عن بندقية أو برنامج أو مجموعة أهداف وشعارات تحررية، وليس حديث عن شهداء واستشهاد، ومراحل واستراتيجيات نضالية أو كفاحية. وإنما الحديث عن القاعدة الأساسية في البناء المفاهيمي الحقيقي للوعي الفعلي للثورة، أيّ قيمتها وصيرورتها، ومصدر أهدافها، بما يعني الإنسان.

فالإنسان هو الهدف الأسمى، والأهم والأول لأيّ ثورة تعبر عن إرادتها المتمردة لتحرير الإنسان والأرض، وليس الأرض والإنسان، فإن كانت الأرض في العرف المؤدلج هي أساس الثورة، فما قيمتها الفعلية بلا إنسان؟

تخوض الشعوب ثوراتها، وانتفاضاتها لتحرر نفسها من ربق الاستعباد، والاضطهاد، والاستعمار، والديكتاتوريات التي تبدأ استعبادها للعقل الإنساني أولًا ومن ثم السيطرة على الإنسان وعيًا ثانيًا فالأرض ثالثًا.

فالديباجة الأساسية لأيّ ثورة ما هي القيمة الإنسانية الّتي تقوم على أساسها هذه الثورة، ونظرتها للإنسان حيًا أو مستشهدًا أو مرحومًا؟

وثورتنا الفلسطينية كأيّ ثورة انطلقت من حتمية ( تحرير الإنسان) حيًا وليس مستشهدًا، رغم أن الفهم العام في الوعي الثوري والمجتمعي ينفي هذه الحقيقة الفاعلة، ويؤكد أن الفهم الجمعي للثورة يُخلد الشهداء، ومن غادرونا، وتجاهل من لا زالوا شهود وشهداء، شهود على الثورة، وشهداء من أجل حرية الروح الإنسانية عبر سنوات التجاهل اللامحسوسة، واللامحسوبة.

فكرة الكتابة عن الأحياء أشبه بالنقش بالمخرز على راحة الكف الناعمة، مؤلمة، دامية لأنّها غير مُشرعة في العرف السائد لدى طلائع وعينا الّتي شُكلت باتجاه الأرض أولًا، والأرض ثانيًا....إلخ، لم يُدرك وعينا الجمعي أن النصر يصنعه الإنسان المتثبت بالحياة، والانتصار يدونه من استمروا، والثورة تلتهب أو يزداد أوارها بحفاظها على القيمة الإنسانية والبشرية الحية. فهذه القيمة هي الفاعل والناظم الدائم لكلِّ مناحي العملية النضالية الثورية الّتي لا يمكن التعبير عنها ببندقية أو قنبلة أو صاروخ فقط، بل بروحٍ متمردة تُشعل فتيل التحفيز المستمر، وديمومة الفعل المؤثر في التواصل والإتصال بين الماضي والحاضر والمستقبل.

قبل عدة أشهر اصدرت كتاباً عن مناضلة جبهاوية جيفارية من حقبة السبعينيات، لا زالت بيننا، فاكتشفت شيئان؛ الأوّل: جهلنا بمسيرة هذه المناضلة لأنَنا لم نطلع على أي شيء منها عن مسيرتها، الثّاني: أن مخزون الأرشفة الثورية لا يملك شيئاً عن الأحياء، فكله لمن هم تحت الأرض (الخالدون) الشهداء فقط، ممّا دفعني لاستحضار مفهوم إنسانية الثورة، هذه الإنسانية الّتي أوصى بها الشهداء، واستشهدوا لأجلها، بل وأكدت عليها قافلة الثورة الممتدة عبر مساحات الزمن، وعبّر ردهات الوطنية المنسية. هذه الحالة لم تقتصر على فصيل هنا وآخر هناك بل تكاد تكون حالة جمعية لكلِّ فصائل الفعل الثوري الفلسطيني، الذي ينتظر لإستخراج شهادة وفاة ليضيف رقم آخر لأرقام سجلات الخالدين (الشهداء). ومن ثمّ نبدأ بأرشقة واستعراض إنسانية التكريم، والتشريف، أيّ أنّ الثورة فعليًا فقدت أهم ركائز ديمومتها، وحركتها وربما ركيزة أساسية من ركائز الاستمرارية، وفعالية المواجهة، حيث لم يجد من سيتبعونا، ويستلموا الراية إلَّا الشهداء، وكأنّ مصير المناضل الاستشهاد فقط، وما دون ذلك لا ينظر له بتقدير واحترام، ويتناساه الزمن كرقم شاخ، وهو ما يحبط من عضد وعزيمة التواصل والاتصال الثوري لدى أجيال أكثر انفتاحًا، ووعيًا تكتشف ما يدور حولها كونيًا عبّر وسائل الاتصال.

إنّ الحقيقة الفاعلة في العرف الثوري الناهض هي الحفاظ على تواصل الروح الإنسانية المكافحة، ليس بشكله التشريفي، وإنما بأساسه التحفيزي الناجز، لمن سيأتوا متقدمين الصفوف مستقبلًا وليعلموا أن الإنسان هو الأصل حيًا أو مستشهدًا، وأساس اهتمامات الثورة وأهدافها، وإنه الأصل في وعي وضمير الثورة وديمومة استنهاضها المستمرة.

هنا لابد من إعادة الإعتبار للحركة الإنسانية الحية في العرف الثوري الفلسطيني، هذه الروح الّتي لا زالت تقبض على قهر التجاهل، والنسيان، والإحباط، والتناسي لمسيرة معمدة بتراكمات وآلام اللامبالاة.

فثورتنا إنسانية تبحث عن أهداف إنسانية غض العالم المتحضر بصره عنها، فعليها أنّ تحافظ على إنسانيتها، وتحافظ على ذخيرتها وتجاربها الّتي لا زالت حية... فهي بحاجة ماسة لسجلٍ آخر غير ( سجل الخالدين) وهو ( سجل المناضلين). وخير الكلام يبدأ بالإنسان وينتهي بقيمة الإنسان.