Menu
حضارة

عن أم سعد رواية التحول التاريخي

أحمد مصطفى جابر

رواية ام سعد

تقول آني كنفاني في شهادة نُشرت بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لاستشهاد  غسان كنفاني  إن "غسان الماركسي" هو من كتب رواية أم سعد، تبدو هذه ملاحظة نقدية لافتة، لأنه على حد علمي لا أحد من نقاد غسان كنفاني أو من كتبوا عنه تمكن من رصد النمو أو لنقل التحولات الأيدلوجية عنده، ولا أحد رصد كيف تحول الصبي اللاجئ من معلّم رسم إلى منظر سياسي أيدلوجي هام ومشهور، ربما لأن هذا التحول تم عبر تداخل أقانيم أو حيوات متوازية متعددة ومتدامجة، لغسان كمعلم ورسَّام وكاتب قصة ثم كثوري محترف، اجتمعت كلها كضفيرة استثنائية ليس كضفيرة شعر بل كضفيرة الحمض النووي إن صح التعبير. لذلك من السهل والخالي من التعقيد، ولكن العميق في آن معا الانتقال من مقال لغسان عن جموح الثورة، إلى لوحة رسمها لحصان جامح، إلى وصف فريد لحركة حصان يعدو على درب ترابي في رواية، أو الأحرى لن يشعر قارئ غسان بالاغتراب المفاهيمي بانتقاله من لوحة إلى رواية إلى مقال سياسي صارم فكلها تخرج من ذات الضفيرة إياها.

ورغم طغيان البعد الراديكالي الثوري في أسلوب غسان اللغوي، دون اهمال تحليقه في فضاءات لغوية كانت جديدة وغير مسبوقة في عصره، اقتربت من لغة الناس العاديين وابتعدت عن لغة الصالونات، إلا أن من السهل الغوص عميقا لإيجاد الأرض النظرية الفلسفية التي وقف عليها نص غسان خصوصاً في (أم سعد) كما تقترح ناقدته وقارئته الأولى آني كنفاني، كنموذج تطبيقي لفهم غسان الماركسي.

الرواية المرأة أو المرأة التي صارت رواية

يهدي غسان روايته (أم سعد) إلى أم سعد. إن كون الرواية تحمل ذات اسم صاحبة الاهداء له دلالة عميقة في سياق سيكولوجية الكتابة وتأويلات الرسالة، إذ تبدو وكأنها رسالة شخصية تماماً، مكتوبة لصاحبتها، ولكن الأمر أبعد من ذلك، إذ أن النص الكامل للإهداء "إلى أم سعد، الشعب المدرسة"، من اللافت أن النص موجه لامرأة تمثل المخيم، ومن المعروف تاريخياً العبء الذي تحملته المرأة ال فلسطين ية اللاجئة إثر النكبة وهو كان موضوع أبحاث كثيرة، ومن ثم إنها أم، وستحيلنا شخصيتها مباشرة دون أي تأويل سطحي إلى شخصية بيلاجيا نيلوفنا في رائعة مكسيم غوركي، التي لاشك أن غسان قرأها، وفي الحقيقة بالإمكان رصد تقاطعات كثيرة ليس لها أي علاقة بالتأثر أو الاقتباس كما قد يذهب عقل متسرع بقدر ما لها علاقة بنمو وتطور أفكار غسان وترسخه الأيدلوجي.

والإهداء يحدد أم سعد باعتبارها: الشعب، الذي هو كما لو كان خلاصة نظرية عميقة، المدرسة، وهنا انحياز طبقي واضح وحاسم ونهائي، بما إن أم سعد التي يضفي عليها هذه الصفات هي: لاجئة، فقيرة، تسكن مخيماً وابنها مع الفدائيين، وغسان في مدخله إلى الرواية لا يتردد في استخدام مصطلح (الطبقة) الذي ينجح تماماً في تلافيه في نص الرواية، ومدخل الرواية المكتوب أصلا بلغة منظّر سياسي لا يمكن فصله عن الرواية أو قراءتها بدونه، ومصطلح (الطبقة) مصطلح ماركسي بامتياز ويلقى حضوراً واسعاً في أدب الواقعية الاشتراكية. إن هذا الانحياز يتحدد أكثر حيث يحدد في نص المدخل انحيازه النهائي للطبقة المسحوقة ويصفها بـ (الباسلة) مضفياً عليها ما يمكن اعتباره أعظم تكريم، ويستخدم مصطلح (الجماهير) وهو أيضا مصطلح ماركسي ناهيك عن مصطلح (الكدح) ارتباطا بالفاعلية، وإنه اعتبر إن هذه (الطبقة) –وهذا جوهري- "هي التي دفعت غالياً ثمن الهزيمة" ولنلاحظ إنه لا يستخدم كلمة (النكبة).

قد لا يكون هذا كافياً لتلمس الأيدلوجي في أم سعد، ارتباطاً بالافتراض الأساسي الذي قبلناه من آني كنفاني، ولكن قراءة أخرى في الرواية ستكون مفيدة حتماً، دون الغرق طبعا في رحلة تصيد المصطلحات فغسان له لغته الخاصة وتعبيراته التي يتحدث فيها عن نفي النفي وصراع الاضداد وتحول الكم إلى كيف والصراع الطبقي دون أن يرهق قارئه بوطأة الأيدلوجيا فهو في النهاية واعٍ لدوره كروائي وواعٍ للرواية كعمل فني تمكن بعبقرية من قول ما يريد بلغة جديدة واضحة وسهلة وشعبية جداً وليس شعبوية على الإطلاق.

يقسم غسان روايته العظيمة هذه إلى تسعة أجزاء تكمل بعضها بعضاً وتصلح كل منها للقراءة منفردة وكأنها حبات تجمعت لتشكل عنقوداً، جمال العنقود لا يمكن أن يخفي اللذة في كل حبة، في سياق سردي متصاعد يبدأ بمقدمات ثم متن شارح لينتهي لنتيجة واستخلاص وحل، وماذا تكون الرواية إن لم تكن سؤالاً جيداً ومسعى مثابر للإجابة أو محاولة تقديم إجابة؟ ماذا تكون إن لم تكن صورة الواقع في تحولاته وطموحه للتغيير وإيجاد قواعد جديدة؟

-1-

أم سعد والحرب التي انتهت

أو: المختار ونفي النفي

تبدأ الرواية بقضيب بني جاف، هو رد أم سعد على الحرب التي انتهت، انتهت بهزيمة، "وضعت صرتها الفقيرة في الركن وسحبت من فتحتها عِرقاً بدا يابساً ورمته نحوي. قطعته من دالية صادفتني في الطريق سأزرعه لك على الباب، وفي أعوام قليلة تأكل عنباً. ودورت العرق الذي بدا خشبة بنية داكنة لا تنفع شيئاً بين أصابعي وقلت لها: أهذا وقته يا أم سعد؟.. – قضيب ناشف– إنه يبدو كذلك ولكنه دالية" ص249. إن الجواب اليقيني لأم سعد هو جوهر الرواية التي تتلخص كلها في مصير القضيب النابت وبرعمته وتحوله إلى عرق أخضر، وهكذا يتفحص غسان ويقف شاهداً ويوثق تحول حياة اللاجئين السوداء القاحلة المريرة ولكن المتعطشة للحياة والشمس، تحولها إلى حياة فدائيين وثابة متنامية تماماً مثل العرق الذي تثق أم سعد أنه سيتحول إلى دالية تشق عنان السماء.

بلغة محكمة لا تقبل التأويل، جميلة وسلسة يشرح غسان تهاوي القواعد الاجتماعية القديمة أمام الثورة القادمة، وكيف "راحت على المختار" الذي يمثل السلطة القديمة في القرية الفلسطينية، فما كان ينفع هناك لا ينفع في المخيم، وكيف انقلبت الأدوار في حديث المختار مع الشباب وكيف انقلب معنى المصطلحات (أوادم) وكأن هذا الحوار يدور هنا والآن.

بشارة الثورة

التفاؤل الثوري يغلب على قصص غسان رغم امتلائها بالألم والأسى الذي لا يتركه غسان دون رد، فالأم تبشر بالثورة وتعرف أن جيلاً جديداً سيحمل راية الانعتاق "أتحسب أننا لا نعيش في الحبس؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير التمشي داخل ذلك الحبس العجيب؟ الحبوس أنواع يا ابن العم..."ص255 "اسمع أنا أعرف أن سعد سيخرج من الحبس.. الحبس كله أتفهم؟" وإلى أين سيذهب سعد؟ إلى الثورة طبعاً "إذا لم يذهب سعد فمن سيذهب؟"ص263.

-2-

خيمة عن خيمة تفرق

أو: الفطام

الثورة عند غسان هي الحل النهائي للإنسان المقهور وللجماهير الكادحة على حد سواء فـ "خيمة عن خيمة تفرق" ثمة فرق شاسع بين خيمة البؤس الغارقة بالوحل في المخيم وبين خيمة الفدائي التي من خلالها يعلن عن فطام من نوع جديد فهي انتماء آخر فـ"الرجل الذي يلتحق بالفدائيين لا يحتاج بعد لرعاية أمه" ص285.

-3-

المطر والرجل والوحل

أو: سعد يسد المزراب

هنا تتضح أمثولة الشعب المعلم، وتكامل الأدوار بين الشعب وطليعته ومثقفه الثوري الذي يؤمن بمدرسة الجماهير ولا يبخسها حقها جالساً في برج عاجي بعيد "أنت تكتب رأيك، أنا لا أعرف الكتابة، ولكني أرسلت ابني إلى هناك، قلت بذلك ما تقوله أنت أليس كذلك" ص271.

إنها رسالة غرامشية إن صح التعبير إلى مثقف البرج العاجي المنفصل عن شعبه ليتعلم أن الشعب هو المدرسة والنظرية الحقيقية لأنه يطرح نظريته بالممارسة المباشرة ولا يحتاج للكلام. نتعلم أن الموضوع ليس قدرياً وعندما نتجاوز أقدارنا بإمكاننا أن نسد مزراب السماء لأن هذا الوحل الذي نغوص به له مصدر آخر هذه التعاسة مصدرها الأصلي ليس الوحل بل ليس العيش بالمخيم بل ما أوصلنا إلى هنا أصلاً "كان يقف ويتفرج على الرجال وهم يجرفون الوحل ثم يقول لهم: ذات يوم سيدفنكم هذا الوحل، ومرة قال له أبوه: لماذا تقول ذلك؟ ماذا تريدنا أن نفعل؟ هل تعتقد إنه يوجد مزراب في السماء علينا أن نسده؟ وضحكنا كلنا.. ولكنني حين نظرت إليه رأيت في وجهه شيئا أرعبني، كان منصرفا إلى التفكير وكأن الفكرة راقت له كأنه سيذهب في اليوم التالي ليسد ذلك المزراب. –ثم ذهب؟ -ثم ذهب" ص272، لقد أرسل غسان بطله سعد ليسد المزراب لكن ليس في السماء بل في مكان آخر في مصدر الهزيمة الأصلية في مصدر البؤس الأصلي.

-4-

في قلب الدرع

في هذا النص يلخص غسان التحام الجماهير بطليعتها الثورية، واحتضانها، ولولا الجماهير لفنيت هذه الطليعة وما كان لها أي قيمة، إن المرأة في النص هي المعادل الموضوعي والذاتي لأم سعد، لا يوجد ترميز هنا، إنها هي شعب المخيم المدرسة.

-5-

الذين هربوا والذين تقدموا

أو الفقراء هم وقود المعركة!

إنه الانحياز للفقير .. انحياز أخلاقي ليس بسبب فقره بل بسبب موقفه الايجابي من حياته ومما يدور حوله، أنه أفضل تمثيل لوضعية الطبقة البرجوازية الجبانة التي لا تريد أن تحرك ساكناً للدفاع عن نفسها "لا أستطيع أن أثق برجل ترك سيارته في لحظة مثل تلك اللحظة لا أستطيع أن أثق"ص296.

-6-

الرسالة التي وصلت بعد 32 سنة

أو لماذا هزمنا؟

أعترف أن هذا أحب المقاطع إلى قلبي، إنه الجواب الذي يقدمه غسان عن سؤال: لماذا هزمنا ولماذا حدث ما حدث، قدمه في ذلك الوقت المبكر جداً وقبل أن يندلع السؤال في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، يعلمنا غسان أن الماضي يجيب بشكل ما عن أسئلة الحاضر وأن الحياة ليست سوى أسباب ونتائج، واضعاً خطاً فاصلاً بين المضحين والمستغلين، بين الفدائيين الحقيقيين ومن يصعدون على أكتافهم:

 "لو يومها قام فضل عن العتبة وطخ عبد المولى أما كانت هذه المشكلة قد انتهت؟ -لو فعل ذلك لقتله الناس.

 –صحيح كان أحسن له أن يظل في الجبل ولا يحضر تلك الحفلة.

 –لو ظل في الجبل يا أم سعد لما استطاع عبد المولى أن يقيم الحفلة.

 –صحيح، لو ظلوا كلهم، ولكن ماذا حدث؟ المسكين فضل ركبوا على ظهره، في المعصرة وفي الجبل، ثم في المعصرة، ولو جاء إلى المخيم لركبوا أيضاً على ظهره" ص310

ولكنها ليست مجرد استحضار الماضي للرد على مشكلة حاضرة بل نبوءة عميقة، وكأن غسان يسائلنا اليوم لماذا نزلتم عن الجبل؟ لماذا؟ ولا أعرف حقيقة لماذا لم يدخل "عبد المولى" التاريخ الأدبي جنبا إلى جنب مع أبا الخيزران!

-7-

الناطور وليرتان فقط أو يا عمال العالم اتحدوا!

هنا يبدو النداء الطبقي واضحاً، حيث وحدة الطبقة العاملة ووحدة المضطهدين، عبر معضلة أم سعد والحرمة والناطور، حيث أن المشكلة ليست في الليرتين اللتين يريد أصحاب البناية توفيرهما من أجر العاملة بل في التلاعب بمصائر الكادحين وضربهم ببعضهم لينسوا عدوهم الحقيقي "يريدون ضربنا ببعضنا نحن المشحرين كي يربحوا ليرتين، لا يهمهم مع ذلك أن يدفعوا واحدة منا لتقطع رزق الأخرى.. وأنظر ماذا يفعل ذلك الناطور.. إنه يستجيب لهم يظل طول النهار يكرج على البسكليت ليوفر لهم ليرتين! يا حرام.." ولكن لا يتركنا معلقين "لو أنا والناطور والحرمة قلنا للخواجا.." ص319.

-8-

أم سعد تحصل على حجاب جديد

أو: الرصاصة التي أصبحت تعويذة

الحل ليس غيبيا بل هو الواقع الذي بإمكانك اختياره، فقد كان استبدال أم سعد لحجابها القديم الذي كتبه لها شيخ ما برصاصة سعد المخبأة في فراشه هو النتيجة الطبيعية لتهاوي سلطة المختار سابقاً، إعلان جديد عن تهاوي قيم قديمة كانت السبب في الهزيمة لتحل محلها قيم ثورية مستمدة من واقع جديد يرفض المهادنة والاستسلام للقدر، "صنعه لي شيخ عتيق منذ كنا في فلسطين وذات يوم قلت لنفسي: إن ذلك رجل دجال بلا شك.. حجاب، إني أضعه منذ كان عمري عشر سنين، ظللنا فقراء وظللنا نهترئ بالشغل وتشردنا وعشنا هنا عشرين سنة. حجاب؟"ص326.

-9-

البنادق في المخيم

أو: يوم استعاد أبو سعد بارودته المسروقة

بلغة رائعة شفيفة ومبكية يصف غسان في هذا الفصل نهوض المخيم وانتفاضه على البؤس وإعلان رفض الهزيمة، حيث دخول العمل الفدائي إلى المخيمات وثورة اللاجئين وإجابة أخرى على سؤال الهزيمة: لماذا لم نفعل هذا من قبل؟ " حين التفت رجل عجوز كان يجلس على حافة الجدار إلى أبي سعد وقال له: لو هيك من الأول، ما كان صار النا شي. ووافق أبو سعد مدهوشاً من الدموع التي رآها في عيني جاره العجوز: يا ريت من الأول هيك".

والثورة تقلب الموازين وتغير البشر فالحياة البشرية بعواطفها واندفاعاتها هي انعكاس للعالم الواقعي المادي وليس العكس "الفقر يا ابن العم الفقر. الفقر يجعل الملاك شيطانا ويجعل الشيطان ملاكاً ما كان بوسع أبو سعد أن يفعل غير أن يترك خلقه يطلع ويفشه بالناس وبي وبخياله؟ كان أبو سعد مدعوساً، مدعوساً بالفقر ومدعوساً بالمقاهرة ومدعوساً بكرت الإعاشة ومدعوساً تحت سقف الزينكو ومدعوساً تحت بسطار الدولة، فماذا كان بوسعه أن يفعل؟ ذهاب سعد رد له شيئاً من روحه، لو تراه كيف يمشي مثل الديك لا يترك بارودة على كتف شاب يمر من جانبه إلا ويطبطب عليها. كأن بارودته القديمة كانت مسروقة ولاقاها" ص336.

العود برعم

أو: القيامة الآن

تنتهي الرواية بالعود الجاف وقد اخضر وأزهر كما اخضر المخيم وأزهر بالثورة، إنها قوانين الحياة من صراع ونفي وتحول تاريخي تفرضه الوقائع لا رغبة فنان نزق، لا يمكن وصف الواقع إلا بما هو عليه وكأن صوت أم سعد وهي تعلن تبرعم العود هو انتقام من المحادثة الأولى والجدال حول عدم فائدته "لوهلة اعتقدت إنها مضت إلا إنني سمعت صوتها يعبر من بين ال مصر اعين المفتوحين على وسعهما: برعمت الدالية يا ابن العم برعمت.. وخطوت نحو الباب حيث كانت أم سعد مُكِبة فوق التراب حيث غرست منذ زمن بدا لي في تلك اللحظة سحيق البعد تلك العودة البنية اليابسة التي حملتها إلي ذات صباح تنظر إلى رأس أخضر كان يشق التراب بعنفوان له صوت" ص336.

أخيرا: هل تنبه أحد إلى ما يريد غسان قوله، حيث ينقلنا من بداية الرواية حيث العود قضيب ناشف، ليتحول في نهايتها إلى عودة بتاء التأنيث؟ هل لأن العودة هي أم سعد أو العكس...