على مدار الساعة
أخبار » آراء

"فلسطين الهدف" بين الاستراتيجي والتكتيكي

08 تشرين أول / يوليو 2015
thumbgen
thumbgen

بقي الفكر السياسي الفلسطيني متمسكاً بمفهوم التحرير الكامل لأرض فلسطين منذ أن تم احتلالها عام 1948م، وعليه فقد رفضت معظم "التنظيمات والأحزاب" كما الدول العربية آنذاك أية طروحات أو تسويات أو مبادرات سياسية لحل القضية الفلسطينية على حساب الحقوق العربية بما في ذلك قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947م، الذي ينص على إقامة دولتين على أرض فلسطين إحداهما عربية وأخرى يهودية، واُشتهر بقرار التقسيم. واعتبرت الموافقة عليه تنازلاً خطيراً عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وخيانة لها، ولم تقبل بأقل من طرد "إسرائيل" وتحرير فلسطين كاملة، وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل التراب الوطني الفلسطيني.

كان لهزيمة حزيران/يونيو 1967م، واحتلال باقي الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى بعض أراضي الدول العربية المجاورة لها، آثار ونتائج عسكرية وفكرية وتنظيمية كبيرة على المستوى العربي إجمالاً، حيث بدأت الشكوك تعلو في إمكانية حسم الصراع مع العدو الصهيوني من خلال المواجهة المباشرة والحرب الكلاسيكية بقيادة أو من خلال الأنظمة العربية القائمة في حينه. في وقت كانت الساحة الفلسطينية الأكثر تأثراً بهذه الهزيمة ونتائجها، حيث ظهرت إلى العلن العديد من التنظيمات والفصائل الجديدة، التي طغى على خطابها البعد الوطني، وإبراز الكيانية الوطنية الفلسطينية، لكنها أكدت على الهدف الاستراتيجي ذاته "تحرير فلسطين"، واعتمدت الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية طريق لإنجاز ما أطلقت عليه مهمات التحرر الوطني، وهذا ما عبرت عنه وثائق وميثاق منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1969م.

لقد تعرض الفكر السياسي الفلسطيني وهدفه الاستراتيجي "تحرير فلسطين" إلى متغيرات عديدة ألقت بوطأتها على الفكر وهدفه في آن، ضاعف من ثقل وطأة هذه المتغيرات طبيعة القيادة الفلسطينية المهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية، وقصر نظرها ارتباطاً بغياب رؤيتها المتكاملة للصراع مع العدو الصهيوني في بعديه الوطني والقومي، وواقعها الطبقي، بالإضافة إلى عشوائيتها وارتجاليتها التي وصلت حد الفهلوة في أحيان كثيرة في تعاطيها مع تلك المتغيرات ونتائجها وانعاساتها، ولعل أبرز تلك المتغيرات: مجازر أيلول الأسود عام 1971م على يد النظام الأردني وضرب المقاومة وخروجها من قاعدتها الأساسية، وبرنامج النقاط العشر "المرحلي" عام 1974م الذي كان فاتحة الطريق لنهج التسوية باسم التكتيك، والخروج من بيروت عام 1982م بعد حصار المقاومة وتشتيت قواتها وتمركز قيادتها بين تونس وسوريا التي عبرت في مضمونها عن توجهات سياسية متعارضة، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987م واستعجال قطف ثمارها سياسياً، وفك ارتباط الأردن مع الضفة الغربية عام 1988م وآثاره واستحقاقاته السياسية والقانونية، وإعلان "وثيقة الاستقلال" عام 1988م والاعتراف الرسمي والصريح  بقراري مجلس الأمن 242-338 بعد رفض طويل لهما.

إن التحول من مفهوم التحرير الكامل إلى مفهوم التسوية السياسية بمعناها العام (من الاستراتيجي إلى التكتيكي إذا جاز التعبير)، وصولاً إلى توقيع اتفاق "إعلان المبادئ" أوسلو عام 1993م بشكلٍ خاص، كتعبير ليس فقط عن طبيعة القيادة التي فَصَلّت حولها فيما سبق، لكن أيضاً عن استعدادها المبكر لانتهاك الاستراتيجي "تحرير فلسطين" باسم التكتيك – تقرير المصير والدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس - الذي غدا أقل منه هو الاستراتيجي في مطالبات القيادة الرسمية الفلسطينية الحالية والتي هي استمرار لذات القيادة المهيمنة ونهجها، وعليه فإن عنوان المقال "فلسطين الهدف" بين الاستراتيجي والتكتيكي يتناول هذه المسألة ليس من باب أن القيادة الفلسطينية تعاطت مع هذين المصطلحين انطلاقاً من فهم علمي عميق لهما في إطار علاقتهما الجدلية،  ولآليات توظيفهما بشكل أمثل في الصراع مع العدو الصهيوني من خلال جعل التكتيك في خدمة الاستراتيجية، بل وظفت المتغيرات سابقة الذكر في تشريع هبوطها وطنياً وسياسياً، وليس للتقليل من وطأة هذه المتغيرات وحجم تأثيرها.

وتركيزي هنا على أثر المتغيرات الداخلية الفلسطينية، ليس تقليلاً من أهمية المتغيرات والتحولات الكبيرة التي شهدها النظام الدولي والعربي خلال ربع القرن الأخير، لكن انطلاقاً من نقطة تأسيسية وهي: أن استجابة الفكر السياسي الفلسطيني للمتغيرات الخارجية وبهذه السرعة، لم تكن لتحدث لولا الاستعداد والتهيؤ الداخلي "الواعي لما يريد" من حيث المبدأ. وهذا ما يؤكده خطاب لهاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح سابقاً، أمام جمهور "الجمعية الراديكالية" في لندن، بتاريخ 8/1/1990م، قال فيه: "النضال الصعب والطويل، الذي خاضته قيادة التيار الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية، وبشكل خاص ياسر عرفات، من أجل تهيئة الأرض من جانبنا للوصول إلى حل سياسي عن طريق التفاوض مع إسرائيل... من عام 1968 – أُكرر 1968- بدأ ياسر عرفات، وأؤلئك الذين كانوا زملاءه الأساسيين في فتح، بدأوا يستوعبون الواقع... أي الحاجة إلى حل سياسي إنساني لنزاعنا مع إسرائيل. وهكذا، حددنا المهمة الصعبة والخطيرة لتحضير الأرضية للوصول لحل سياسي، عن طريق التفاوض مع إسرائيل، إن سِجل نجاحنا في القرارات التي أصدرها مجلسنا الوطني بين عامي 1974-1988".

جدل الاستراتيجي والتكتيكي:

ارتكز وتأسس الهدف الاستراتيجي في الفكر السياسي الفلسطيني، على هدف تحرير الأرض الفلسطينية كاملة من البحر إلى النهر، دون أية مهادنة أو تنازل أو مساومة في أيّ من الحقوق الفلسطينية التاريخية، وباعتبار الكفاح المسلح والعنف الثوري هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك، وهذا ما عبرت عنه الوثائق الرسمية التي صاغتها منظمة التحرير بعد أن دخلتها التنظيمات المسلحة عام 1968م، وأعادت تشكيل مجلسها الوطني ولجنتها التنفيذية، وأصبح ميثاقها الوطني هو بمثابة دستورها ومنهاجها.

تأسيساً على ما سبق، اُعتبرت المنظمة بمثابة "أداة ووسيلة للتحرير"، بحسب ما جاء على لسان رئيس لجنتها التنفيذية آنذاك يحي حمودة، حيث "كان عام 1968 بمثابة انتقال المنظمة من العمل السياسي إلى العمل العسكري، وهو العام الذي شهد أيضاً محاولة المنظمات الفدائية لجعل منظمة التحرير الفلسطينية منظمة ثورية شبه عسكرية، تعمل من أجل توحيد جميع فصائل المقاومة في تنظيم واحد لحرب تحرير شعبية طويلة الأمد"، تأثراً بالتجربة الفيتنامية في مواجهة الاستعمار الأمريكي، وإلحاق الهزيمة به، حيث كانت تلك التجربة بمثابة قبلة حركات التحرر في العالم الثالث وبالأخص حركة التحرر الفلسطينية.

ارتباطاً بما تقدم، عملت المنظمة على إبراز مفهوم التحرير ووسيلته بشكل واضح في ميثاقها الوطني الفلسطيني، وجاء فيه أن "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكاً"، وأن العمل الفدائي "يشكل نواة حرب التحرير الشعبية الفلسطينية، وهذا يقتضي تصعيده، وشموله، وحمايته، وتعبئة كافة الطاقات الجماهيرية، والعلمية الفلسطينية، وتنظيمها، وإشراكها في القوة المسلحة". وأكد على أن الشعب الفلسطيني يرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً ويرفض كل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية أو تدويلها، ولعل في هذه النصوص الصريحة والواضحة ما يؤكد استبعاد المنظمة لفكرة ومفهوم التسوية السياسية من حيث المبدأ. وعبر الفكر السياسي الفلسطيني هذا عن ذاته من خلال الممارسة العملية، وتصعيد الكفاح المسلح بأشكال متعددة سواء من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو من خلال حدود الدول العربية المجاورة لفلسطين، وكان ذروة هذا العمل والمؤدي لاتساع قاعدته ورقعته وتأثيره هي معركة الكرامة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في آذار/مارس 1968م، واستطاعت أن تحقق فيها انتصاراً واضحاً، حيث شهد العدو الصهيوني في هذه المرحلة مقاومة كبيرة من جانب منظمات المقاومة الفلسطينية التي زاد عددها، كما زادت عملياتها، واتخذت أساليب مختلفة في ضرب مصالحه.

لم يؤمن الفكر السياسي الفلسطيني آنذاك بالحل السياسي للقضية الفلسطينية، فما بالنا بمفهوم التسوية السياسية، الذي كان يوصف من يتداوله أو يدعو له إما بالتهافت السياسي أو الخيانة، وذلك انطلاقاً من أن هدف الحلول السلمية كان هو إجهاض الثورة الفلسطينية في تحرير وطنها، كما أنها تعني تحطيم آمال الشعب الفلسطيني، ووضع حد لتطلعاته في استعادة وطنه وأرضه، إلا أن الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر شهد تحولاً عميقاً باتجاهه نحو تبني نهج التسوية السياسية، التي اتخذت منحىً تصاعدياً، وكانت ذروة هذا التحول هو الدخول في مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني أوائل تسعينيات القرن العشرين، توجت بتوقيع اتفاق "إعلان المبادئ" أوسلو، واعتراف منظمة التحرير "بحق إسرائيل في الوجود"، مقابل اعتراف إسرائيل بالمنظمة ممثلاً للشعب الفلسطيني فقط، وما تبع ذلك من إلغاء البنود التي تدعو للكفاح المسلح وتحرير فلسطين وبنود أخرى من الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1996م، دون ضمان أي حق من حقوق الشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في تقرير المصير والدولة المستقلة أو حتى تلك التي أقرتها الأمم المتحدة ومجلس أمنها.

لم يقتصر ضرر اتفاقية "إعلان المبادئ" أوسلو على ضرب وانتهاك الهدف الاستراتيجي باسم التكتيك بل تعداه إلى ضرب أسس ومرتكزات الصراع مع العدو الصهيوني التي عبرت عنها منظمة التحرير الفلسطينية في وثائقها الأساسية قبل "شطبها الواعي" من قبل القيادة التي كان من المفترض أن تعمل على تحقيقها، بالإضافة إلى أنه أدخل الوضع الفلسطيني في انقسام عمودي وأفقي غير مسبوق أسس لانقسام سياسي وصولاً للجغرافي بتداعياته وملابساته المختلفة بين الضفة وغزة، دون إدراك أن كل ما أراده العدو الصهيوني ومن خلفه الولايات المتحدة الأمريكية الراعي الحصري للتسوية، كما يقول على الدين هلال هو "مجرد خلق نظام سياسي مختلط، ثلاثي الأبعاد، يتشكل من نظام استعماري إزاء الأرض الفلسطينية، ونظام فصل عنصري يميّز بين المستوطنين والفلسطينيين، ونظام حكم ذاتي للفلسطينيين، يتمثل بقيام سلطة لهم، ما يغطي على النظامين السابقين، ويجنّب دولة العدو الصهيوني الأعباء السياسية والأمنية والاقتصادية والأخلاقية المترتبة من كونها دولة احتلال، أي المطلوب التسهيل عليها سعيها العيش في واقع من احتلال مريح ومربح ويرضي السكان الأصليين".

وقد نكون أمام سيناريوهات جديدة في ضوء ما يفرضه العدو الصهيوني من وقائع ديمغرافية وجيوسياسية في الضفة الغربية سبقت وتسارعت بعد فشل ما يسمى مفاوضات كامب ديفيد 2000م أو ما سُميّ مفاوضات الوضع الدائم/النهائي، من تكثيف وتمدد للاستيطان وتهويد متسارع للقدس وجدار عازل وحواجز عسكرية، وتحويل مناطق الضفة إلى معازل وجزر منفصلة عن بعضها البعض بطريقة ممنهجة ومدروسة، واستمرار سياسة التوغلات والاغتيالات والاعتقالات، في ذات الوقت الذي تستمر فيه بفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وضرب حصار خانق عليه، واشتراطها المسبق بالاعتراف بيهودية إسرائيل في أية مفاوضات مقبلة، وازدياد المطالب والاشتراطات الأمنية...، مما قد يجعلنا أمام مشهد خاص ومنفصل في غزة عنه في الضفة.   

التحولات من الاستراتيجي إلى التكتيكي وآثارها فلسطينياً:

كان ولا يزال أبرز المتأثرين بالتحولات من الاستراتيجي إلى التكتيكي هو الداخل الفلسطيني فكراً وممارسة، سواء على صعيد رؤية الفلسطينيين ونظرتهم إلى طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني أو إلى أرض وطنهم وحقوقهم فيها أو إلى أنفسهم ووسائل نضالهم المتبعة لتحقيق أهدافهم الوطنية أو إلى أداتهم التحررية منظمة التحرير الفلسطينية التي غدت ذاتها طرفاً رئيسياً في عملية التسوية السياسية. ويعود ما سبق في جزء كبير منه إلى طبيعة "التعبئة الثورية" التي درجت عليها المنظمة وفصائلها – قبل ولوجها في نهج التسوية - وشكلت وعي الفلسطينيين على مدى سنوات طويلة من الصراع.

ولعل مشكلة الفلسطينيين، إزاء ذلك كما يقول أيضاً على الدين هلال "تكمن في تحوّل حركتهم الوطنية من حركة تحرر إلى سلطة قبل إنجار هدف الاستقلال، بحيث باتوا إزاء وضع قوامه سلطة تحت الاحتلال، مع تهميش وأفول كيانهم السياسي الجامع المتمثل في منظمة التحرير، ومع اختزال مشروعهم الوطني بمجرد كيان سياسي لجزء من الشعب الفلسطيني على جزء من الأرض من دون مراعاة الآثار الخطيرة التي تنجم عن ذلك، وضمنها تآكل إدراكات الفلسطينيين لذاتهم، ولكونهم شعباً، وتراجع الاهتمام العربي والدولي، وحتى الإسرائيلي، بحقوقهم المشروعة". أي أننا أمام ثنائيات وتناقضات عديدة وخطيرة في آن، في آثارها وما ترتب عليها من نتائج على إدراك ووعي الفلسطينيين، وممارستهم الكفاحية والسياسية، يمكن إبراز أهمها بالتالي:

انتقال الفكر السياسي الفلسطيني من مفهوم التحرير الكامل إلى مفهوم التسوية السياسية، الذي كان يعتبر خيانة أو تهافت سياسي في مراحل مختلفة، وصولاً للاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود، وقبل أن تُعرف لها حدود واضحة ومحددة، وقبل أن تضمن منظمة التحرير الاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيين أو ضمان تحقيق ما يسمى برؤية حل الدولتين، الذي استندت إليه في ولوجها لعملية التسوية، حتى أنها عجزت عن أن تكون سلطة فعلية من حيث مفاهيم السيادة والوظيفة والدور، بسبب طبيعة اتفاقات التسوية مع العدو الصهيوني التي تحكَّمت ليس في بنية السلطة فحسب، بل وفي مستقبلها. الأمر الهام هنا هو ذاك التناقض بين إدراك ووعي الفلسطينيين بحقهم في أرض وطنهم كاملة من البحر إلى النهر، وبين الممارسة السياسية التي اختزلت فلسطين على أجزاء محدودة من الأرض – حتى أنها لا تتمتع بأي تواصل أو ترابط فيما بينها – أي استبدال الوطن، كفكرة وحلم وهدف عاش في عقل ووجدان الفلسطينيين منذ النكبة/الهزيمة، "بوهم الدولة" التي لم تتحقق أيّ من شروطها الفعلية المعروفة.
إن "الشطب الواعي" لما تضمنته وثائق وميثاق منظمة التحرير، باسم التكتيك غير الواعي للمصطلح بمفهومه العلمي، باعتباره جزءً من الاستراتيجية ويعمل في كل خطوة منه إلى تمهيد الطريق نحو تحقيقها، قزم القضية الفلسطينية من قضية قومية باعتبار أن الصراع في جوهره عربي – صهيوني، إلى ما هو أقل من صراع فلسطيني - صهيوني، تحت شعارات ومقولات مضللة وغوغائية مثل "يا وحدنا"، "والقرار الوطني المستقل"، التي لا تصبح كذلك في إطار علاقتها بالنظام الرسمي العربي والإمبريالي العالمي وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية.
التغيّر في النظر إلى مضمون الصراع مع "إسرائيل" وطبيعته، القائمة من قِبَلِها والحركة الصهيونية من ورائها على إقصاء ونفي وتبديد وجود الشعب الفلسطيني، حيث كان هذا التهديد الوجودي سبب رئيسي في إيقاظ صورة "الأنا الفلسطينية" مقابل "الآخر الصهيوني". وشكّل هذا الفهم لمضمون الصراع، ركيزة أساسية من ركائز الفكر السياسي الفلسطيني، ومكون أساسي من مكونات هويته وكيانيته الخاصة، حيث تم تحديد طبيعة التناقض مع الوجود الصهيوني بالتناحري، الذي لا يتم حله أو تحقيق السلام إلا بالقضاء عليه، إلا أن صورة "الآخر" في إطار تحولات الفكر السياسي الفلسطيني غدت: "الشريك، والطرف/الجانب الآخر، والجار، ودولة إسرائيل".
تراجع دور ومكانة ووظيفة منظمة التحرير الفلسطينية، من أداة للتحرير من خلال الكفاح المسلح كوسيلة رئيسية، إلى طرف يبحث عن تسوية سياسية ومن خلال المفاوضات كخيار رئيسي، وبالتالي ضُرب مضمونها، بل مبرر وجودها بحسب ما أقرته في وثائقها وميثاقها، وبالتالي تراجع دورها الوطني والتمثيلي الذي يمتد لكافة تجمعات الفلسطينيين في الوطن ومواقع اللجوء، مقابل هيمنة سلطة الحكم الإداري الذاتي - المنقسمة على ذاتها - على الحقل السياسي الفلسطيني في مناطق محدودة ومحددة في الضفة وقطاع غزة، مما يضاعف ويزيد من خوف وقلق تهميش اللاجئين الفلسطينيين، خاصة في ضوء ما يتعرضون له في مخيمات سوريا ولبنان وما تعرضوا له في العراق وغيرها من قبل، والمحاولات المحمومة لتجاوز قضيتهم بمقترحات حلول لا يشكل أساسها ضمان حقهم في عودتهم إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم التي هُجروا منها، بل التوطين والتعويض بشكل أساسي. هؤلاء اللاجئون الذين انطلقت من وسط مخيماتهم الثورة الفلسطينية بشعارات ووعود التحرير والعودة والاستقلال. وهذا ما أدخل الفلسطينيين في ثنائيات وتناقضات كبيرة ومتعددة منها: الداخل والخارج، المفاوضات والمقاومة، السلطة والمنظمة...الخ.
سادت في الفكر والممارسة السياسية الفلسطينية مفاهيم تحض على وحدة وترابط الشعب الفلسطيني، مثل: وحدة القوى المقاتلة، وحدة البندقية، والجبهة الوطنية، والمؤسسة الجامعة، والوحدة الوطنية، التي عبرت عن ذاتها في إطار مواجهة الخطر والوجود الصهيوني. هذا لا يعني أنه لم تعترض هذه المفاهيم الخلافات السياسية والتنظيمية بل والصراعات الدامية أحياناً عدة وعرضت تلك المفاهيم للخطر، لكن الفارق أنها كانت تلتئم ولو في أجواء احتفالية الشكل والمضمون، إلا أن التحول نحو التسوية السياسية كرس انقساماً استمر في التدحرج والاتساع من "الجدال الفكري والسياسي" كما اتسمت الكثير من الخلافات التي مرت بها المنظمة خلال وجودها خارج أرض وطنها، إلى اقتتال دامٍ وانقسامي عندما أصبحت على جزء من أرض وطنها، وهذا الواقع الذي بات عليه الفلسطينيون اليوم، يؤكد أنهم لن يحققوا وهم منقسمون ما لم يستطيعوا تحقيقه وهم موحدون.

خلاصة القول، إن ضرب وانتهاك القيادة المهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية للهدف الاستراتيجي "تحرير فلسطين" واستبداله بالهدف التكتيكي "المرحلي"، الدولة وتقرير المصير، الذي تم تقزيمه إلى سلطة حكم إداري ذاتي، ويبدو أن ما يحمله المستقبل أقل من ذلك بكثير، يطرح علينا سؤال جوهري: متى سندرك أننا أخطأنا عندما استبدلنا الوطن "بوهم الدولة"؟. 

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

د. وسام الفقعاوي.

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر