Menu
حضارة

مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (الجزء الخامس)

د. وسام الفقعاوي

صورة تعبيرية

ترتب على حرب حزيران 1967، وهزيمة النظام الناصري، والخطاب القومي الذي مثله، إضعاف الأنظمة والأحزاب والحركات السياسية القومية في الشرق العربي، خاصة من ارتبط منها بهذا النظام، وعززت في الوقت نفسه، من الدور الخاص للفلسطينيين أو ما يمكن تسميته بصعود الموقف والخطاب الفلسطيني، فيما يخص معالجة القضية الفلسطينية. كما ترتب عليها أيضا إعادة تشكيل وتنظيم مجموعات المقاومة (خاصة فتح التي بدأت العمل المسلح في عام 1965، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، اللتان نبتتا من تربة حركة القوميين العرب، بالإضافة إلى مجموعات كانت تشكل امتدادًا لحزبي البعث في سوريا والعراق) في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

جنبًا إلى جنب، في الوقت الذي كان "يصعد" فيه الخطاب الوطني الفلسطيني، ومحفزات الكيانية الفلسطينية، ومكونات هويتها التي ارتبطت بمنظمة التحرير، كانت حركات الإسلام السياسي التي لم تتبلور على الشكل والهيئة التي أصبحت عليهما في أعوام الثمانينيات، وإن كان حضور بعضها في الحقل السياسي الفلسطيني منذ أواسط أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، "تحفر" في الحقل الاجتماعي بخطابها الديني – الدعوي المحافظ، وتؤسس لها بنية اجتماعية –مؤسساتية، ترسي لها دائم حضورها ووجودها السياسي الذي ترسَّم مع تفجرّ الانتفاضة الفلسطينية عام 1987.

الخطاب الفلسطيني: بين الوطني التحرري والاجتماعي الديمقراطي ما بين النكسة وتفجّر الانتفاضة:

لا يمكن اعتبار الميثاق الوطني الفلسطيني الذي أقرته الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني (تموز 1968) ممثلًا لوجهة نظر علمانية بشكل محدد، حيث حددت الوظيفة الرئيسية للميثاق في إرساء وتأكيد المطالب والحقوق الوطنية الفلسطينية، دون ربطها ببعدها الاجتماعي الديمقراطي.

وقد ارتبطت التعديلات الأساسية في الميثاق الوطني (القومي سابقًا) بالعلاقة بين القومية العربية والوطنية الفلسطينية، ودور الكفاح المسلح في عملية التحرر الوطني. وجاء فيه: "يصر الشعب الفلسطيني العربي على أصالة واستقلالية ثورته الوطنية، ويرفض أي شكل من أشكال التدخل، أو الوصاية أو الإلحاق. واعتبر هذا النص مهما من حيث تمثلّ العامل الوطني كعامل حاسم في إحقاق الحقوق الوطنية، وليس في الهوية الدينية كما هو الحال في الصهيونية. واهتمت التعديلات بالنضال المسلح كاستراتيجية لتحرير فلسطين، وحق الفلسطينيين في تقرير المصير والسيادة في وطنهم[1].   .
تبنت الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني إنشاء دولة ديمقراطية في فلسطين، كهدف استراتيجي، بدون التطرق بالتفصيل لشروط ومعايير الجنسية، حيث يذهب البعض إلى اعتبار ذلك نتاج تطور رؤية وطنية علمانية للنضال الفلسطيني، قامت على أساس الدعوة أولاً إلى دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين تتسع لأبنائها من جميع الديانات، كما نص على ذلك الميثاق الوطني الفلسطيني بشكل مباشر، وهو الوثيقة الرئيسية التي أسست للإجماع الوطني الفلسطيني خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات، حيث "كان هاجس الحركة الوطنية الفلسطينية آنئذ هو صوغ مشروع ورؤية نضالية تبعد عن الصراع تهمة الصراع الديني، فالصراع مع "إسرائيل" حدد كصراع مع مشروع صهيوني كولونيالي استيطاني، وليس مع اليهودية كدين أو مع اليهود كأتباع"[2].

فيما يعتبر آخرون أن هناك اعتبارات متعددة وقفت وراء تغييب البعد الديني كمحدد رئيس في المواجهة مع الكيان الصهيوني طوال عقد السبعينيات، منها، طبيعة التركيبة السكانية في فلسطين، حيث يوجد مواطنون فلسطينيون مسيحيون ويهود، والعديد من قادة حركة المقاومة الفلسطينية وشهدائها كانوا مسيحيين، بالإضافة إلى ذلك أن الفكر السياسي العربي الذي ساد خلال تلك الفترة، والفكر السياسي الفلسطيني جزءًا منه، كان فكرًا قوميًا اشتراكيًا ويساريًا، لا يؤسِس برنامجه على منطلقات دينية بل طغى عليه الخطاب العلماني، وربما كان لتحالف حركة التحرر العربية آنذاك بما فيها الحركة الوطنية الفلسطينية مع المعسكر الشيوعي دور في تهميش دور الدين[3].

وإذا ما ذهبنا لقراءة منطلقات وأسس وخطاب الفصائل الأبرز التي شكلت محور التفاعلات الرئيسية (بين قيادة متنفذة وأتباعها ومعارضة)، في منظمة التحرير وحضورها في الحقل السياسي الفلسطيني، والتي أكبرها حركة فتح، سنجد إنه ورغم "الصبغة" العلمانية التي وسمتها، إلا أنها لعبت دورًا معوقًا في تبلور هوية فلسطينية علمانية بالمعنى الكامل والشامل، كون الخطاب السياسي للفصيل السائد في المنظمة أي (خطاب حركة فتح) التي اجتذبت أكبر عدد من الفلسطينيين إلى صفوفها، خطابًا إسلاميًا محافظًا بصورة ملحوظة. وكانت الفصائل الفلسطينية الأكثر تطرفاً ترى محقة أن فتح تملك خطة محافظة للعمل على المجالين الاجتماعي والسياسي. ومن الجائز القول إن خطابًا شعبيًا مرصعًا بالصور الدينية غلب عليها[4].

قد نعتبر أن ابتعاد حركة فتح عن تبني أيديولوجيا واضحة ومحددة، حيث مثلت إطارًا فضفاضًا، يتسع لكل الأيديولوجيات والرؤى، جعلها تلجأ بسهولة وقتما لزم ذلك إلى الأيديولوجيا والرموز الدينية سواء لدعم موقف ما، أو لاستنهاض التأييد والحشد.. "إننا ثوريون ولسنا أيديولوجيين.. نحن.. نرفض الوقوع في مصيدة المصطلحات.. أن نصف أنفسنا يساريين أو يمينيين لأننا في الحقيقة.. ثوريون، لنا هدف محدد وهو التحرر ووسيلة وحيدة هي البندقية، ونسعى لخلق الإنسان الواعي الذي يربط بين الهدف بالوسيلة ويصنع النصر"[5].

أما حول الهوية الفكرية للثورة الفلسطينية فقد أشارت حركة فتح في وثائقها الرئيسية حتى أوائل ثمانينيات القرن المنصرم إلى مسألتين مهمتين، الأولى أن "معركة تحرير فلسطين واجب عربي وديني وإنساني"، حيث كان ذلك المرة الوحيدة التي ذكر فيها موضوع الدين، والثانية عندما ذكر أن "قيام دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود بحقوق وواجبات متساوية على أنقاضه أمر حتمي". كانت الوثائق تدل على طابع علماني لفتح ولمنظمة التحرير وللثورة الفلسطينية، لكن ذلك لم يدم طويلاً[6].

من الواضح أن حركة فتح هي أكثر الحركات السياسية الفلسطينية "العلمانية" قرباً من الفكر الديني وتصالحًا معه، وربما انحيازًا له واستخدامًا لرموزه، سواء أكان في الخطاب، أو في المواقف التي تتخذها الحركة من القضايا التي لها علاقة بالدين، بشكل أو بآخر. وقد نجد أيضًا أكثر تعبيرات الربط مع المسألة الدينية في القسم الذي يقوله الشخص لدى قبوله عضوًا في الحركة حيث يقول: "أقسم بشرفي ومعتقداتي أن أصون فلسطين وأعمل على تحريرها وأحافظ على سرية الحركة... والله على ما أقول شهيد"[7].

هناك من يقول بأنه من الصعب حسم إن كان اقتراب فتح من الدين هو قناعة أيديولوجية، نابعة من إيمان بالدين من قبل الحركة وقادتها المتنفذين، أم كان استخداماً براغماتيًا للدين، كونه وسيلة ناجعة لاستقطاب الناس وحشدهم من أجل مقاومة الاحتلال من جهة، وهو وسيلة ناجعة أيضًا من أجل تسهيل حكم الحركة للناس أنفسهم من جهة أخرى، ومجاراة الخطاب الديني الذي بات يتصاعد، ويجد له مجرى ملحوظ وسط الحالة الشعبية في الخارج والداخل الفلسطيني بشكل أكبر. وكذلك استخدمته حركة فتح في تنافسها السياسي مع مكونات الحركة الوطنية الأخرى، من نهاية الستينيات حتى أواسط الثمانينيات، خاصة الحركات اليسارية التي كانت المنافس الرئيسي لها سياسيًا وشعبيًا، حيث هدفت إلى الحد من نفوذها في الأوساط الشعبية الفلسطينية[8].

كما استخدمت الدين – كحركة محافظة – لتوطيد علاقاتها مع بلدان الخليج العربي، وبخاصة السعودية في تلك الفترة، إضافة إلى تأثرها العام بالثورة في إيران في العام 1979، حيث لأول مرة تمثل صورة الخميني "رجل الدين الذي انتصر"[9].

صحيح أن فتح اعتبرت حركة تحرر وطني وضمت في صفوفها متدينين وغير متدينين وبينهم تيار عرف نفسه بأنه ماركسي، منهم: ماجد أبو شرار وناجي علوش ومنير شفيق وحنا ميخائيل، وإن كان استشهد أو غُيب أو أُقصي بعضهم من صفوف الحركة أو انشق جزء منهم عنها - وكذلك ضمت مسلمين ومسيحيين ويهود، إلا أنه من الصعب القول بأن الدين لم يحتل مكانًا هامًا لدى الحركة، على الرغم من إظهار علاقتها بالدين وكأنها ليست علاقة بالدين في ذاته، وبالأيديولوجيا الدينية، وإنما محاولة لإعطاء الأعضاء حرية الاختيار بين أن يكون متدينًا أو غير ذلك، إلا أن كل ذلك يُلقي ظلالاً من الشك على الزعم المتواتر ترديده والقائل إن فتح والحركة الفلسطينية تضميناً، قوة علمانية.

تشكلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بعد هزيمة 1967، من عدة تشكيلات عسكرية جاءت من رحم حركة القوميين العرب، وتنظيمات أخرى كان وجودها سابق على وجود الجبهة فعليًا، حيث انطلقت الجبهة من قواعد التزامها بالماركسية ال لينين ية كأيديولوجيا ومرجعية فكرية لها، وإن لم يكن ذلك الأمر واضحًا بشكلٍ كافٍ في بيان تأسيسها، الذي أكدت من خلاله، على العنف الثوري والكفاح المسلح كأسلوب وحيد وفعَّال للتصدي للعدو الصهيوني وإلحاق الهزيمة به، وأن الجماهير هي المادة والوقود الفعلي لممارسة هذا الأسلوب الثوري. وجاء في وثيقة آب الصادرة عنها في عام 1968، أن "هذه الهزيمة لم تكن هزيمة عسكرية فقط، بل كانت هزيمة لجميع التكوين الطبقي والاقتصادي والعسكري والأيديولوجي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني والعربي (الرسمية والشعبية)، فقد دخلت الأنظمة البرجوازية الصغيرة حرب حزيران دون أفق أيديولوجي ثوري، ودون برنامج اقتصادي وسياسي وعسكري يستطيع الصمود في مواجهة الهجمة الإمبريالية الصهيونية"[10].

وفي الاستراتيجية السياسية والتنظيمية الصادرة عن مؤتمرها الثاني شباط 1969، أكدت أنها تسعى للتحول إلى حزب ماركسي – لينيني، وتحويل الجبهة إلى حزب بروليتاري، مع استمرار تمسكها بمواقفها الوطنية والقومية، وإن كانت قطعت فعليًا مع حركة القوميين العرب التي جعلتها وتجربتها وتراثها في خدمة الجبهة، حيث حددت رؤيتها للنضال الفلسطيني، بنص يقول: "إن هدف النضال الفلسطيني، هو إقامة دولة وطنية ديمقراطية في فلسطين، يعيش فيها العرب واليهود كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات، وتشكل جزءًا لا يتجزأ من الوجود الوطني العربي التقدمي، وبذات الوقت، تؤكد بأن حركة التحرر الفلسطينية ليست حركة عنصرية عدوانية ضد اليهود. إنها لا تستهدف اليهود، وإنما تحطيم دولة إسرائيل ككيان عسكري سياسي اقتصادي قائم على العدوان والتوسع والارتباط العضوي بمصالح الاستعمار في وطننا، وإنها ضد الصهيوينة كحركة عنصرية عدوانية"[11].

لقد انطلقت الجبهة في رؤيتها الفكرية ومن ثم "فكرها" السياسي من المقولة اللينينية، أنه "لا حزب ثوري بدون نظرية ثورية"، حيث اعتبرت لكي يقوم الفكر السياسي بالدور الثوري لا بد أن يكون "فكرًا علميًا أولًا، وواضحًا بحيث يكون في متناول الجماهير ثانيًا، متجاوزًا للعموميات وموغلًا قدر الإمكان في الرؤية الاستراتيجية والتكتيكية للمعركة بحيث يشكل دليلًا للمقاتلين في مواجهة مشكلاتهم"[12].

على الرغم من أن الجبهة لم تتناول في وثائقها التأسيسية مسألة الدين كأولوية في النقاش، إلا إنها إجمالًا انطلقت في موقفها من الدين إلى ضرورة التمييز بين الدين الشعبي والسلوك الديني الاجتماعي الذي تتفهمه، ورؤيتها لأهمية الجانب الإنساني والروحي وحرية الفكر والمعتقد، وعلى هذا الأساس ميزت بين الدين عمومًا وحركات الإسلام السياسي التي تمثل نقيضًا في الرؤية الاجتماعية والديمقراطية لها إجمالًا.

وما يسجل هنا أن الجبهة لم تلجأ لاستخدام الرموز الدينية في خطابها السياسي، لا في الخارج ولا الداخل الفلسطيني، مع تأكيدها بالعام على احترام التراث الإسلامي، كأحد مكونات الثقافة العربية، أو على صعيد الصراع مع العدو الصهيوني، حيث لم تنطلق البتة من كونه صراعًا دينيًا، بل اعتبرته في مجمل وثائقها بأنه صراع تاريخي ووجودي، أي سياسي ووطني، وعليه فإنها ترى "إن فلسطين المحررة.. ينبغي أن يكون قطر اً علمانيًا، ديمقراطيًا، واشتراكيًا أيضًا"[13].

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي انشقت من صفوف الجبهة الشعبية، في أوائل عام 1969، في ضوء ما اعتبرته خلاف فكري متجذر داخل الجبهة، ولم يكن هناك إمكانية لحله إلا بالخروج منها، كونها كانت لا تزال في نظر الفريق المنشق، حزب برجوازي صغير، رغم إعلانها انتقالها لقواعد الماركسية اللينينية، إلا أن ذلك لم ينعكس على بنيتها التنظيمية والقيادية منها بالذات التي بقيت متمسكة بجذورها وبعدها القومي اليميني. "نحن في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين انطقلنا وننطلق من القوانين الأساسية لحركة التحرر الوطني، في بلادنا، وحركات التحرر الظافرة في بلدان العالم الثالث، ونسير باتجاه وطني فاعل وظافر بخصوصيته الفلسطينية"[14].  

لم يشكل الدين قضية حيوية داخل البنية التنظيمية للجبهة الديمقراطية، خاصة أنها تأسست من على قواعد الماركسية اللينينية، وهذا أساس في رؤيتها للصراع مع العدو الصهيوني باعتباره صراعًا سياسيًا، وكذلك في دعوتها لبناء الدولة الديمقراطية، خاصة وأنها وقفت خلف مشروع النقاط العشر "البرنامج المرحلي" 1974. وترى الديمقراطية أن العلمانية هي التي تفيد المجتمع الفلسطيني بكل شرائحه وطبقاته، وفصل الدين عن السياسة لا يعني فصله عن المجتمع وإنما يخدم في إطار علاقات مجتمعية، بمعنى الإيمان بحرية المعتقد[15].

قد يُعتبر أن الجبهة الديمقراطية أسهمت في إعادة النظر في المفهوم النظري للقضية الفلسطينية لكي يأخذ نهجًا جديدًا، من خلال صياغتها حل للقضية يتلخص بأن تحرير فلسطين لا يمكن أن يكون عربيًا أو مسلمًا أو يهوديًا، بل يجب أن يكون غير طائفي، بإقامة "دولة ديمقراطية علمانية" يكون فيها المسلمون واليهود والمسيحيون مواطنين متساوين[16].

يمكن معالجة مسألة العلمانية في الخطاب الفلسطيني إجمالًا في ضوء العرض السابق، من خلال تركيز كل القوى "يمين ويسار"، منذ أواخر الستينيات مرورًا بالسبعينيات والثمانينيات، على البعد الوطني التحرري، في "المعركة" مع العدو الصهيوني، وبنت مجمل مؤسساتها وهياكلها وآلياتها على هذا الأساس، بحيث أضحت مع الوقت أقرب إلى مؤسسات دولة منها لمؤسسات حركة تحرر وطني، ورغم اتسام خطابها بأسس علمانية، إلا إنها طوال تلك الفترة لم تولِ الأهمية المطلوبة لتحويل خطابها هذا إلى ممارسة فعلية، أو سلوك يومي لأعضائها، أو مطالبات محددة، تعزز من خلالها مفاهيم حرية الفكر والاعتقاد والرأي وقيم وثقافة الديمقراطية والتسامح... في الأوساط الشعبية، وإن بدا حضور ذلك في بدايات التأسيس، إلا إن مساحته كانت تضيق باستمرار مترافقة مع التغيّرات البنيوية التي كانت تصيب الحركة الوطنية الفلسطينية وتجعلها تميل أكثر إلى المحافظة، وتضييق هامش الحريات داخلها ومن ثم قاعدتها الشعبية، وهذا سبب من جملة أسباب جعلها أقل اهتمامًا في إرساء بنية مجتمعية – مؤسساتية تستند إلى قيم الحرية والتنوير والديمقراطية والحداثة.

على كل ما يسجل هنا هو أن حركة التحرر الفلسطينية، لم تستطع إنجاز مهمتها الوطنية التحررية كما مهمتها الاجتماعية الديمقراطية، وهذا بدوره ينقلنا للحديث عن العلاقة بين النظرية والممارسة، أي بين الأقوال والأفعال، حيث نستطيع القول أن الشائع في سياق التجربة هو انفصال العرى بينهما، إلا ما ندر، والأدهى أن يكون جزءًا منها ضد المصلحة الوطنية والمجتمعية الفلسطينية. وهذا ما جعل النقد دائمًا ينصب على الممارسة، دون التجرؤ على طرح فرضية أن الممارسة الخطأ ربما تكون نتاج فكرة أو رؤية خطأ أصلًا، وبالتالي ضرورة تجذير البحث ليشمل المستوى الفكري نفسه، والذي انبثقت عنه جملة الممارسات في مختلف المراحل. وهذا بدوره قد لا يبقي حدود البحث في حدود مراجعة المستوى الفكري فقط، بل قد تطال المستوى الفكري ذاته، إن كان موجودًا ومتجذرًا أصلًا، وبالتالي وجدنا أنفسنا أمام ممارسة أخطأت طريقها بعد أن كانت قد فقدت رؤيتها، انطلاقًا من القاعدة المعرفية الصحيحة التي تقول: "فاقد الشيء لا يعطيه". وإلا ما الذي يفسر أن حركة التحرر الوطني الفلسطيني ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية التي يفترض أنها حاملة للفكر الليبرالي، تعايشت مع الفكر المحافظ، وتأقلمت في علاقاتها مع أنظمته وخاصة دول الخليج والسعودية منها بالذات، دون محاولة إيجاد مجالها المنفتح الخاص بها، وهذا ما أعطى مساحة كبيرة لحركات الإسلام السياسي للتغلغل في البنية الاجتماعية - الاقتصادية، من بوابة "أدلجة" المجتمع بالطريقة التي يرونها مناسبة، استعدادًا لدورٍ سياسي كان قد بني على "أنقاض" الحركة الوطنية فيما بعد.

على ضوء ما تقدم يمكن القول: "إن منظمة التحرير الفلسطينية لم تذوّت العلمانية التي لم تكن جزءًا من قيمها الفكرية الأساسية، بل توّصلت إليها، وأبقتها على صعيد الممارسة اللفظية والشعار فقط، لأسباب تتعلّق بطبيعة تحالفاتها السياسية، وطبيعة وجودها الجغرافي، وبعدها عن الرقابة الشعبية، وقناعتها بالشرعية الثورية، واستفادتها من فكر وتجارب عديد من المنفيين والراديكاليين العرب في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات"[17].

الإسلام السياسي: الدور الاجتماعي على طريق الدور السياسي:

ظهرت حركات الإسلام السياسي بقوة بعد هزيمة عام 1967، وجاء بروز الإخوان المسلمين كقوة سياسية في المناطق المحتلة بفعل عوامل متعددة خارجية وداخلية، منها الدعم المالي من الدول المصدرة للنفط - كان ارتحل إليها عددًا كبيرًا من كادرات الإخوان، وعملوا في قطاعات مختلفة فيها، وخاصة في المجال الدعوي، الذي غلب عليه "المذهب" الوهابي السلفي المتشدد - والخدمات الاجتماعية التي قدمها الإخوان في قطاع غزة، والتصاعد العام للإسلام السياسي في الوطن العربي مدعومًا من أنظمة بلدان مثل: مصر والأردن والسودان والجزائر –نموذج الأخيرة يختلف عن البلدان السابقة- وغيرها، لا بل حتى في داخل الأراضي المحتلة عام 1948.

من المعروف أن حركات الإسلام السياسي في الضفة الغربية وقطاع غزة، قبل اندلاع انتفاضة عام 1987، كانت أقل عرضة لإجراءات الاحتلال الإسرائيلي، بعكس ما كان يجري بحق القوى الوطنية، التي عانت من الملاحقة والاعتقال والتضييق المستمر على عناصرها ووجودها، حيث كانت الحركة الإسلامية المتمثلة بالإخوان المسلمين قليلة التركيز على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، كثيرته في الرد على التيارات الوطنية السائدة في أرجاء الضفة وقطاع غزة، ولم يقف الأمر عند حد الصدام مع أبناء الحركة الوطنية وحرق المكتبات الوطنية، والاعتداء على الرموز الوطنية، وتكفيرهم وتخوينهم من على منابر المساجد، بل تعدى الأمر ذلك إلى التعرض إلى فئات المجتمع وخاصة الشباب والنساء منهم، تحت دعاوى الخروج عن تقاليد وتراث "الإسلام الحنيف"، مترافقًا ذلك مع نشر الكتب والأشرطة الدعوية والتحريضية.

لقد ركز الإخوان في دعوتهم على بناء المجتمع من جديد على أساس إسلامي، وكذلك التعليم الديني.. وبما أن الحركة الإسلامية لم تكن تنادي عاجلًا بالجهاد ضد الإسرائيليين مرجئة ذلك إلى ما بعد الأسلمة التامة للمجتمع الفلسطيني، فإن "إسرائيل" أباحت لها أن تتكاثر. وقد قامت جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تعمل تحت اسم "المجمع الإسلامي" بتأسيس المكتبات ودور الحضانة والمدارس الإسلامية والمراكز الصحية والنوادي الرياضية والاجتماعية بتمويل إسلامي عالمي، كان يرد على الأخص من دول الخليج. وكانت الجماعة توزع أموال الزكاة على آلاف المستحقين في الضفة والقطاع. ولوحظ أيضًا خلال الفترة الممتدة منذ أواسط السبعينيات حتى أواخر الثمانينيات ارتفاع عدد المساجد، فقد ارتفع في الضفة الغربية من أربعمائة إلى سبعمائة وخمسين مسجدًا، وارتفع في قطاع غزة من مائتين إلى ستمائة مسجدٍ. وما لبثت هذه المساجد أن غدت مواقع للإخوان المسلمين للعمل السياسي والدعوة من أجل الحصول على أنصار لهم، من دون تدخل يذكر من الاحتلال الإسرائيلي في أنشطتهم هذه[18].

وفي نهاية عقد السبعينيات، وعلى الأخص بعد قيام الثورة الإيرانية في عام 1979، حدث انقسام في صفوف الإخوان المسلمين. فقد قام كل من فتحي الشقاقي وعبد العزيز عودة، بتشكيل الجهاد الإسلامي، وهي حركة التزمت بالتأكيد على تأسيس الدولة الإسلامية، ولكن بوسائل أكثر نزوعًا إلى القتال، حيث قامت الحركة من الزاوية العقائدية بعكس العلاقة بين مركزية القضية الفلسطينية والتوقيت الصحيح لتحرير البلاد، وهو الأمر الذي يدعو إليه الإخوان المسلمون[19]. بعبارة أخرى، فقد رأت حركة الجهاد الإسلامي أن الأسلمة تأتي بعد تحرير فلسطين وليس قبل، لذلك استندت الحركة في بداية تأسيسها على فئات وشرائح مختلفة من المجتمع الفلسطيني، بعضهم غير مؤدلج دينيًا، خاصة في قطاع غزة.

تعتبر حركة الجهاد الإسلامي بأن نقاط ضعف المشروع الوطني الفلسطيني وأيديولوجيته، أنها استبعدت الإسلام من محتواها الفكري، كما أن إشكالية الحركة الإسلامية أنها غابت عن المسألة الفلسطينية طيلة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات... وهكذا نشأت حركة الجهاد الإسلامي حركة فلسطينية إسلامية مقاتلة كمحاولة إسلامية جادة للإجابة على السؤال المعاصر، وعليه دعت الحركة إلى تبني الإسلام كمنطلق والعمل الجماهيري والجهادي المسلح أسلوبًا، وتحرير فلسطين هدفًا[20].

وحول شكل الدولة التي ترى الحركة قيامها في فلسطين المحررة، هي دولة تحكم بالشريعة الإسلامية، وهي لا تعتبر في الوقت نفسه، إقامة الخلافة الإسلامية شرطًا ضروريًا لمقاتلة "إسرائيل" والجهاد ضدها[21].

والنقطة الأخيرة التي تتعلق بإقامة الخلافة الإسلامية، تعتبر هي حجز الزاوية في فكر حزب التحرير الذي يرجع تأسيسه إلى عام 1953، على يد الشيخ تقي الدين النبهاني، وأخذ اسمه من ضرورة إنهاض الأمة الإسلامية من الانحدار الذي وصلت إليه، وتحريرها من أفكار الكفر وأنظمته وأحكامه، ورأى أن هذا التحرير يكون "برفعها فكريًا عن طريق تغيير الأفكار والمفاهيم التي أدت إلى انحطاطها، تغييرات أساسية شاملة، وإيجاد أفكار الإسلام ومفاهيمه الصحيحة لديها، حتى تكيف سلوكها في الحياة وفق أفكار الإسلام وأحكامه"[22].

ورأى الحزب أيضًا أن "قيام حزب سياسي إسلامي فرض شرعي بغية إنهاض الأمة الإسلامية من الانحدار الشديد الذي وصلت إليه، وبغية العمل على إعادة دولة الخلافة الإسلامية إلى الوجود"[23].

وهذا الحزب هو تكتل المسلمين على أساس الإسلام وحده فكرة وطريقة، "ويحرّم عليهم أن يتكتلوا على أساس رأسمالي أو شيوعي أو اشتراكي، أو قومي أو وطني أو طائفي أو ماسوني، لذلك يحرم عليهم إقامة أحزاب شيوعية أو اشتراكية أو رأسمالية أو قومية أو طائفية أو ماسونية، ويحرم عليهم الانتساب إليها"[24]. وبهذا، فقد افترق الحزب تمامًا، وبشكل قطعي، عن أي حركة تتبنى الوطنية أو القومية، ومنها المنظمات الفلسطينية المختلفة التي تجمعت تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية. على أن افتراق الحزب لم يكن فقط مع الحركات السياسية الوطنية والقومية فقط، بل افترق أيضًا مع حركة الإخوان المسلمين، واعتبرها وسائر الحركات الإسلامية عامة على غير الطريق السليم لنهضة للمسلمين.

يمتاز طرح حزب التحرير برفض الوطنية والقومية والدولة القطرية، ولا يجد أي اتصال بينها وبين الإسلام، ويدعو إلى استبدالها بالخلافة الإسلامية التي تضم كل المسلمين. والخلافة الإسلامية بنظر الحزب هي الخطوة الضرورية والأساسية من أجل العمل لتحرير فلسطين.

إن هذه الخلفية الفكرية والسياسية دفعت حزب التحرير في فلسطين إلى الابتعاد عن حركات المقاومة الوطنية والإسلامية، فلم يذكر تاريخ الحزب أيّ نوع من التفاهم أو التوافق أو التعاون بينه وبين أي حركة أخرى، إسلامية كانت أم وطنية أم قومية[25].

جاءت نشأة حركة حماس كجناح من أجنحة الإخوان المسلمين في فلسطين، إبان الانتفاضة الفلسطينية، وهي عضو في التنظيم الدولي للإخوان الذي يشرف على نشاطات الجماعة في أنحاء العالم، وهي تعمل بموجب قرارات وتوجهات هذا التنظيم. وتركز حماس أملها في تحرير فلسطين على نجاح الحركة الأم في الوصول إلى سدة الحكم في واحدة من الدول العربية أو أكثر. لقد حددت حركة حماس تعريفها لنفسها ولمنطلقاتها الفكرية في المادتين الأولى والثانية من ميثاقها، فهي حركة "الإسلام منهجها، منه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها عن الكون والحياة والإنسان، وإليه تحتكم في كل تصرفاتها ومنه تستلهم ترشيد خطاها... وتمتاز بالفهم العميق والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة...الخ"[26].

وعن بواعث تأسيسها اعتبرت "حماس" في المادة التاسعة من ميثاقها، بأنها "وجدت نفسها في زمن غاب فيه الإسلام عن واقع الحياة، ولذلك اختلت الموازين، واضطربت المفاهيم، وتبدلت القيم وتسلط الأشرار، وساد الظلم، واغتصبت الأوطان... وقامت دولة الباطل، ولم يبقَ شيء في مكانه الصحيح، وهكذا عندما يغيب الإسلام عن الساحة يتغير كل شيء وتلك هي البواعث"[27].

أما عن استراتيجيتها حول أرض فلسطين، فقد جاء في المادة الحادية عشرة، "أن أرض فلسطين وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزءٍ منها أو التنازل عنها أو جزء منها..."[28].

أما في تعريفها للوطن والوطني فإنها تذهب في المادة الثانية عشرة، إلى أن "الوطنية من وجهة نظر حركة المقاومة الإسلامية جزء من العقيدة الدينية... وإذا كانت الوطنيات المختلفة ترتبط بأسباب مادية وبشرية وإقليمية، فوطنية حركة المقاومة الإسلامية لها كل ذلك، ولها فوق ذلك وهو الأهم أسباب ربانية تعطيها روحًا وحياة، حيث تتصل بمصدر الروح وواهب الحياة، رافعة في سماء الوطن، الراية الإلهية لترتبط الأرض بالسماء برباط وثيق"[29].

وحول العلاقة التي تجمعها مع منظمة التحرير الفلسطينية، فقد أوضحت الحركة في المادة السابعة والعشرين، بأنها من أقرب المقربين لها، ففيها الأب أو الأخ أو القريب أو الصديق. "وتأثرًا بالظروف التي أحاطت بتكوين المنظمة، وما يسود العالم العربي من بلبلة فكرية، نتيجة للغزو الفكري الذي وقع تحت تأثيره العالم العربي، منذ اندحار الصليبيين، وعززه الاستشراق والتبشير والاستعمار ولا يزال، تبنت المنظمة فكرة الدولة العلمانية وهكذا نحسبها. والفكرة العلمانية، مناقضة للفكرة الدينية مناقضة تامة، وعلى الأفكار تبنى المواقف... لا يمكننا أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لنتبنى الفكرة العلمانية... ويوم تتبنى منظمة التحرير الفلسطينية الإسلام كمنهج حياة، فنحن جنودها، ووقود نارها التي تحرق الأعداء... الخ"[30].

والأمثلة التي استشهدنا فيها من ميثاق حركة حماس، نعتقد أنها واضحة بما يكفي ولا تحتاج لكثير من الشرح، سواء لجهة تعريفها لنفسها أو أفكارها ومفاهيمها المستمدة من المنهج الإسلامي، الذي وجدت نفسها في ظل غياب الإسلام عن واقع الحياة..!! أو لجهة وقفية أرض فلسطين، أو لجهة طبيعة وطنية حركة حماس التي فوق كل شيء انطلاقًا من كونها حركة ربانية..!! أو احترامها لمنظمة التحرير، لكن العلاقة معها موقوفة على تبنيها للإسلام كمنهج حياة، وتخليها عن الفكرة العلمانية المناقضة للفكرة الدينية تمامًا. لذلك نجد حماس تدعو إلى "إقامة دولة إسلامية، ولا تدعو إلى إقامة (دولة دينية). وفي هذا السياق ترفض فكرة فصل الدين عن الدولة، وتراها فكرة غربية مستحدثة، تنبع من تجربة خاصة لا علاقة للبيئة العربية والإسلامية بها. وفي المقابل، تدعو إلى فكرة الشمول التي تجمع بين السياسة والدين، وتسير على نهج حسن البنا في قوله: الحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد، والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك أحدهما عن الآخر"[31].

في ضوء ما سبق، تأسس موقف حماس من العلمانية باعتبارها ضد الدين في ذاته، أي ملحدة وكافرة، وليست وجهة نظر في الدين، وإن كانت قد عرفت حماس ببراغمايتها في الممارسة سواء على صعيد الصراع مع العدو الصهيوني، أو على صعيد علاقاتها بفصائل منظمة التحرير الوطنية واليسارية منها، إلا أن ذلك لا يعبر عن تغيرات أيديولوجية أو فكرية بنيوية في منطلقاتها الأساسية التي جعلتها ترفض أن تكون جزءًا من القيادة الوطنية الموحدة إبان الانتفاضة، وشقت مجرى مختلف عنها في فعالياتها وأنشطتها، وبدت وكأنها تنافس على موقع البديل لها وللمنظمة التي تقف خلفها.

ويتضح الموقف أكثر إذا ما راجعنا أحد الكتب التي تدرس في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث يذهب مؤلفه، وهو أحد قيادات حركة حماس، إلى أن أعداء الدين من الغربيين وعملائهم في ديار الإسلام سلكوا وسائل عدة في علمنة المجتمعات والدول الإسلامية، وفصل الدين عن السياسة والاجتماع والأخلاق والحياة الثقافية وغيرها.. لقد تركت العلمانية آثارًا مدمرة وخطيرة في تفكير الأفراد، وحياة الشعوب المسلمة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهب إلى اتهام الحركات الوطنية والقومية العربية بالكفر والماسونية والارتباط بالصهيونية، وهذا الاتهام لم يسلم منه قادتها ومنظريها، أمثال: ساطع الحصري، وشبلي شميل، ونجيب عازوري، وقسطنطين زريق، وميشيل عفلق، وانطوان سعادة، و جورج حبش وغيرهم[32].

دون إغفال الدور الكفاحي الذي لعبته الحركة الإسلامية إجمالًا في مجرى النضال الوطني الفلسطيني، إلا أن الاستناد إلى الفكر الديني الشمولي أو "وحي السماء"، يلغي كل أسس الحوار والجدل المطلوبين، خاصة أن قواعد القداسة هي التي تحدد رؤيتها ومواقفها بحلالها وحرامها، وعليه، تستحضر تهم التكفير والتخوين والزندقة والصهينة، وما إلى ذلك من أوصاف تُرفع في وجه المخالفين لها في الرأي. في ضوء ذلك فإن المأزق الأكبر الذي أوقعتنا فيه حركات الإسلام السياسي وأوقعت معها المجتمع والقضية، هو تحول الحوار والاختلاف السياسي في الأرض وعليها، إلى حوار واختلاف يجري في السماء وفوقها، بحيث أصبحنا في فترة من الفترات منشغلين بحوار عقيم حول السماء لا أحد فينا يملك مفاتيحه، في الوقت الذي سَرقت فيه السياسة الأرض من تحت أرجلنا، في مشروع الاستثمار السياسي المتسرع للانتفاضة باسم "السلام".

المراجع:

[1]. جميل هلال: العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية، موقع شبكة فلسطين للحوار، بتاريخ 11 نيسان (أبريل) 2006: https://www.paldf.net/forum/showthread.php?t=56664

2. قيس عبد الكريم وفهد سليمان: قضايا نظرية، المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات، ط.1، 2012.

3. إبراهيم أبراش: استشكالات الدين والسياسة في فلسطين، 3 كانون أول (ديسمبر) 2013، موقع سما الإخبارية: samanews.ps/ar/post/18015

4. موسى البديري: الفلسطينيون بين الهوية القومية والهوية الدينية، مجلة دراسات فلسطينية، العدد 21، شتاء 1995.

5. ماجد كيالي: فتح 50 عاماً قراءة نقدية في مآلات حركة وطنية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط.1، 2016.

6. إياد البرغوثي: العلمانية السياسية والمسألة الدينية في فلسطين، مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، رام الله، 2012.

7. المصدر نفسه.

8. المصدر نفسه.

9. المصدر نفسه.

10. الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: المسيرة التاريخية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الدائرة الثقافية المركزية، غزة، ط.2، 2014.

11. الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: الاستراتيجية السياسية والتنظيمية، الصادرة عن المؤتمر الثاني، (آب) 1969.

12. المصدر نفسه.

13. سميح فرسون: فلسطين والفلسطينيون، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط.1، 2003.

14. نايف حواتمة: رحلة في الذاكرة، شركة التقدم العربي للصحافة والطباعة والنشر، بيروت، ط.2، 2014.

15. إياد البرغوثي: العلمانية السياسية والمسألة الدينية في فلسطين، مصدر سبق ذكره.

16. سميح فرسون: فلسطين والفلسطينيون، مصدر سبق ذكره.

17. حسن خضر: العلمانية في فلسطين، موقع الحوار المتمدن، العدد 497، بتاريخ: 24 أيار (مايو) 2003:  

 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=76

18. سميح فرسون: فلسطين والفلسطينيون، مصدر سبق ذكره.

19. سميح حمودة: الحركات الإسلامية: المشروع الوطني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في الحركات الإسلامية وأسس الشراكة السياسية في النظام السياسي الفلسطيني (وقائع مؤتمر)، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية – مسارات، رام الله، ط.1، 2014.

20. محمد الهندي: حركة الجهاد الإسلامي، في خبرات الحركة السياسية الفلسطينية في القرن العشرين (ندوة فكرية سياسية)، المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة، 2000.

21 سميح حمودة: الحركات الإسلامية: المشروع الوطني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مصدر سبق ذكره.

22. حزب التحرير: حزب التحرير (نشرة داخلية)، د.ت.

23. المصدر نفسه.

24. المصدر نفسه

25. سميح حمودة: الحركات الإسلامية: المشروع الوطني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مصدر سبق ذكره.

26. حركة المقاومة الإسلامية: ميثاق حركة المقاومة الإسلامية، 18 آب (أغسطس) 1988.

27. المصدر نفسه.

28. المصدر نفسه.

29. المصدر نفسه.

30. المصدر نفسه.

31. يوسف رزقة: الرؤية السياسية لحماس، في حماس دراسات في الفكر والتجربة، تحرير محسن صالح، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، ط.2، 2015.

32. صالح الرقب: واقعنا المعاصر والغزو الفكري، مكتبة بيت المقدس، فلسطين، ط.2، 2009.