Menu
حضارة

معرض فنّي

بالصورأطفالٌ في غزة.. حوّلتهم الحرب إلى "آيس كريم"!

محمد أبو ضلفة

نحت يُجسّد طفلًا شهيدًا بكفنه على شكل آيس كريم، جزء من أعمال المعرض

غزة_ خاص بوابة الهدف

ليس من الصعب فهمُ الفنّ الحديث؛ إذا رأيتَه معلقًا على حائطِ فهو لوحةٌ، وإذا تمكّنت من التجوّل حوله فهو تمثالٌ، أمّا إن أعاد الفنُّ ذكرى مؤلمة بدليلٍ ملموسٍ بين يديك، يُثير فيكَ إعصارًا من المشاعر المتناقضة، فهذا أمرٌ قد لا يحدث إلّا في غزّة.

"آيس كريم" العودة، مشروعٌ نحتيّ من إنتاج الفنانة الفلسطينية دعاء قشطة، يُحيي ذكرى الشهداء الأطفال الذين قضوا خلال العدوان "الإسرائيلي" على قطاع غزة صيف العام 2014، وتحديدًا خلال مجزرة رفح مطلع أغسطس، حين لم يكفِ موتُهم مأساويةً، ليتمّ حفظ جثامينهم في ثلاجات "الآيس كريم"!.

المشروع عبارة عن مجسّمات منحوتة على شكل "مثلّجات"، تتّخذ صورة أطفالٍ مُوشّحينَ بالأكفان، واستخدمت الفنانة خاماتٍ لتشكيل القِطَع الفنيّة، التي لم تُخفِ ألوانها الزاهية قسوةُ تفاصيلها، سيّما ملامح الموت الساكنة التي يُمكنكَ مُلاحظتها بوضحٍ على قسَمات "الطفل المثلَّج".

صورة الشهداء.jpeg

جاءت الفكرة لدعاء، 28 عامًا، مع حلول ذكرى هذه المأساة، بتاريخ 3 أغسطس 2014، فعملت على هذا المشهد، وعالجته بصورة فنّية، لتُجسّده وتُسلّط الضوء عليه بطريقةٍ جديدة ومُبتكرة، سيّما وأنّ المكان الطبيعي لهؤلاء الشهداء، وخاصة الأطفال، هو بين ذويهم ووسط عائلاتهم، وليس في ثلاجةٍ باردةٍ مُخصصةٍ لحفظ المثلّجات، لتصوّر دعاء بعملها هذا مشهدًا سيرياليًا صادمًا في التعبير عن الواقع.

وقصف الطيران الحربي الصهيوني مستشفى "أبو يوسف النجار" ومحيطه أكثر من مرة، وهو المستشفى الوحيد في مدينة رفح –250 ألف نسمة-، ولشدّة القصف جرى إخلاء الجرحى والمرضى والطواقم الطبية، إلى أماكن أخرى، منها "المستشفى الكويت ي التخصصي"، صغير المساحة، والذي استوفى كلّ سعته من النُزَلاء: جرحى ومرضى، وطفحت غرفُه بالدمِ وازدحمت ثلاجاته بجثامين الشهداء.

وفي ظل عجز ثلاجات المستشفى الكويتي عن استيعاب العدد الكبير والمتزايد من الشهداء، خلال مجزرة رفح، لم يكُن هناك مفرٌ من اللجوء لحفظ الجثامين في أيّ "ثلاجة" لحين دفنها، كي لا تتعفّن في أجواء الصيف الحارق؛ فاستعانت الطواقم الطبية بثلاجتيْ "آيس كريم" من متجرٍ مجاور، ومع ارتفاع عدد الشهداء، تزوّدَ المشفى بثلاجتين إضافيتين من "مصنع العودة للآيس كريم".

نحت رمادي 2.jpeg

هذه الذكرى المؤلمة، تمرّ ببالكَ بكلّ تفاصيلها، ما أن تُمسِكَ بقطعةٍ من "المثلّجات الأطفال"، وبقدر ما تُوقعه هذه التسمية على مسمعكَ من قسوةٍ، قد تشعر بالاختناقِ أيضًا إن فكّرتَ بما كان يدور ببال الأهالي، في تلك الأيام، حين علموا أن أولادهم في "ثلاجات الآيس كريم" إلى حينٍ تأذنُ فيه الحربُ بدفنِ جثامينهم. وهذا بالتحديد ما أشارت إليه صاحبة العمل التي تنظر إلى أبعادٍ غر مرئيةٍ للمشهد، بما يتضمّن تجاوز حسيّته إلى معناه، كاسرًا حالة الاعتياد التي ربّما شابت السنوات الأربع الأخيرة، التي كان يتم فيها إحياء ذكرى الحدث الألميم، بحلول تاريخ وقوعه فحسب.

"الصدمة"، تقول دعاء إنّها كفيلة بخلق حالة متناقضة من المشاعر، يُولّدها هذا العمل الفنّي، الذي أكّدت على أنّه لا يهدف إلى استفزاز مُشاهدِه، أو الاستهانة بمأساة أهالي الشهداء، إنّما الهدف إعادة إحياء الذكرى رغم ما يرافقها من ألمٍ، مع إضافة عنصر الصدمة للتذكير بأزمةٍ، لم تُحل حتى اليوم، وهي أن مدينة رفح لا تزال بحاجة إلى مستشفى.

وتضيف أن حالةَ الصدمة ربما هي الحاجة الحالية التي تخدم الهدف، لتحريك وتغيير الواقع، وهذا لا يتم إلّا بعد الإقرار بوجود المشكلة، من خلال تسليط الضوء عليها عبر صوتٍ لا يمكن إغفاله. مشيرةً في ذات الوقت إلى خضوع الفن بعمومه إلى الذوق والإحساس، فما يرفضه ذوق شخصٍ بالتأكيد سيقبله آخر.

وأقرّت دعاء بأنّه "هناك من سيرفض فكرة نحت جثامين شهداء بأكفانهم، لكنّه بالفعل مشهدٌ قاسٍ ولا جدوى من تجميله، لذلك آثرتُ الحفاظ على هذه القسوة، ومعها كلّ المشاعر التي تجتاح الشخص مع مشاهدة العمَل، للتذكير بأن الواقع لم يتغيّر بعد".

وتعتقد دعاء أن هذا المشهد باستطاعته إرسال فنية مفهومة إلى العالم، تشرح ما حدث في قطاع غزة خلال العدوان "الإسرائيلي" عليها في العام 2014، وتُذكّر بأن هذه المأساة لم تنتهِ، وهي مستمرة حتى الآن.

وتستعدّ دعاء لمعرضها الأول، الذي أسمته "آيس كريم العودة"، ويبدو أنّها ذات الكلمات التي كانت مكتوبة على الصورة الشهيرة لثلاجة الآيس كريم، التي وُضعت بها جثامين الأطفال الشهداء. ويبدأ المعرض يوم غدٍ الاثنين 18 فبراير، الساعة الرابعة مساءً، في مقرّ مُحترَف شبابيك، ويستمرّ حتى 8 مارس المقبل، بتمويلٍ حصلت عليه بعد الفوز بمنحةٍ إنتاجية عن فكرة المعرض، مُقدَمةً من مركز عبد المحسن القطان، ضمن مشروع الفنون البصرية "بناء واستدامة".

معمل.jpeg

وبدأت دعاء نشاطها الفني بالعام 2015، وطوّرت موهبتها عبر التعليم الذاتي وورش العمل ذات العلاقة، سيّما وأنّها حاصلة على درجة البكالوريوس في تعليم الرياضيات، وتُركّز في عملها على القضايا المجتمعية والإنسانية، ضمن مشاريع بحثية أكثر من فنية، تؤدي إلى فن مفاهيمي خارج إطار اللوحة، كما قالت لبوابة الهدف.

جدير بالذكر أنّ معرض "آيس كريم العودة"، يُخلّد ذكرى الأطفال السبعة، الذي استشهدوا خلال عدوان 2014، وهم: ماريا أبو جزر (عامٌ واحد)، فراس أبو جزر (3 أعوام)، مصطفى الغول (شهر)، ملك الغول (٦ أعوام)، لما عبد الوهاب (١٠ أعوام)، محمد عبد الوهاب (رضيع)، خالد رأفت زعرب (٨ أعوام).

*الصور لإبراهيم أبو مصطفى- رويترز