Menu
حضارة

ندوة غسان كنفاني تُناقش "الوطني والقومي في الفكر السياسي الفلسطيني"

غزة _ خاص بوابة الهدف

ناقشت ندوة غسان كنفاني التي تعقدها "بوابة الهدف الإخبارية" بصورة دوريّة، العلاقةَ الجدليّة ما بين الوطني والقومي في الفكر السياسي الفلسطيني، والتي –رغم مرور أكثر من 100 عامٍ على الصراع مع العدو الصهيوني، لا تزال هذه العلاقة بحاجة لمعالجة ومُساءلة دائمتيْن.

وحملت الندوة، التي انعقدت 18 فبراير، عنوانَ "الوطني والقومي في الفكر السياسي الفلسطيني"، وأدارها رئيس تحرير بوابة الهدف وأستاذ العلوم السياسية د.وسام الفقعاوي، مُحاوِرًا- عبر الهاتف- الكاتب والصحفي المصري عبد الله السنّاوي، وضيوف الهدف في الأستوديو بمدينة غزة، أستاذة العلوم السياسيّة د.عبير ثابت، ومدير مركز عروبة للدراسات والأبحاث والتدريب د.رائد حسنين.

وافتتح النقاش، الفقعاوي، قائلًا "إنّ وجود العدو الصهيوني على الأرض الفلسطينية، لم يكُن يستهدف الشعب والأرض والوجود الفلسطيني فقط، بل تجاوز ذلك إلى الأرض والوجود العربي، كما الأمة العربية بالإجمال، وعليه تداخل البُعد القومي العربي للصراع مع العدو الصهيوني، منذ بداياته، مع جدلية العلاقة في سياق الوطني الفلسطيني".

وتوجّه مُدير اللقاء بالسؤال الأول للكاتب المصري السنّاوي، حول مسؤوليّة وطبيعة الجدلية في العلاقة بين الوطني والقومي في الفكر السياسي الفلسطيني إجمالًا، ومن يتحمّلها: هل الفلسطينيون بشكل أساسي، أم النظام الرسمي العربي؟.

القضية الفلسطينية عربيّة منذ البداية

وقال السنّاوي "إن القضية الفلسطينية منذ معاركها الأولى بدأت قضية عربية"، وتحدّث عن سجالٍ نشأ في أوساط الحكومات العربية، بين وُجهتي نظرٍ، أعقبت إعلان الدولة العبرية 1948، كانت الأولى أنّه يتوجب على الجيوش العربية أن تدخل وتُحارب في فلسطين وتُحررها، في حين كان الرأي الآخر، الذي تبنّاها الحاج أمين الحسيني، أنّ تُوكّل مهمّة القتال والمواجهة والتحرير للفلسطينيين وأن تظل الجيوش العربية قوة دعم وإسناد على الحدود. ليتم الأخذ بالرأى الأول وتدخل الجيوش العربية للقتال. وهذا يُبرهن أنّ القضية الفلسطينية كانت عربية منذ البداية، وبدت للكثيرين أنّ الدفاع عنها تأديةٌ واجب للأمن القومي العربي.

لكنّ مع مُضيّ الوقت، وبعد الهزيمة العربية والنكبة في العام 1948، تمّت مراجعة كبيرة جدًا، كيف هُزمنا في فلسطين، وامتدت هذه المراجعة لكل أنحاء العالم العربي. وصدرت كُتب ومراجعات كثيرة، وجرى تطويرٌ للفكر السياسي العربي بالشأن الفلسطيني، وبحكم الوقائع التاريخية المباشرة، يُمكنك أن تجد مئات الأدبيات حول المراجعات العربية والدروس المستخلصة في العالم العربي، أكثر بكثير مما صدر في ذلك الوقت عن مثقفين وسياسيين فلسطينيين. وبالتالي الحركات القومية الناشئة في ذلك الوقت، بدأت تضبط على نحوٍ جاد بين تحرير فلسطين ووحدة العالم العربي والتنمية فيه، إذ أصبحت القضية الفلسطينية تُوصف بالقضية المركزية للعرب، التي تعني أنّ كل القضايا والصراعات الأخرى تدور حول الموقف من القضية الفلسطينية.

لا تناقض بين الوطني والقومي

وعن إشكالية "الوطني والقومي"، رأى السنّاوي أنّها "نشأت بمضيّ الوقت، لأنّه لم يكُن هناك طرف فلسطيني يتحدث باسم فلسطين وباسم أصحاب القضية أنفسهم، وكانت هذه نقطة خلل حقيقية". وبعد نشوء منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة أحمد الشقيري، بقرارٍ فلسطيني مصري مدعومٌ من العالم العربي، وكانت هذه نقطة تحول جوهرية، وبعد هزيمة 1967، أعطي المجال لمنظمات الكفاح المسلح: الجبهة الشعبية وفتح بالذات، النصيب الأكبر في السيطرة على مقاليد الأمور في منظمة التحرير، وهذا تمّ بدعم وخطاب سياسي حقيقي من العالم العربي.

وأضاف "بعد هذا، بدأت تنشأ نزعات إقليمية، حاولت- لأسبابٍ سياسية عديدة- أن تُؤكّد الطابع الوطني، وهذا مشروعٌ، على حساب الطابع العربي، وهذه خطيئة"، موضحًا أنّ "تعبير (الممثل الشرعي والوحيد) في الحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية، أُسيء تفسيره وتأويله والعمل بمقتضاه، وكأن القضية الفلسطينية أصبحت قضية الفلسطينيين وحدهم، وليست قضية تهم وتخصّ وتدخل في تحديد مصير العالم العربي والصراع في المنطقة. هذا الخلاف انعكس بطبيعة الحال على الفكر السياسي الفلسطيني.

وهذا استدعى كردة فعل، تعبيرًا آخرًا، شاع في العالم العربي، وانتصر وبدا كما لو كان هو العنوان الرئيسي، وهو أن "فلسطين عربية"، سيّما بعد تخلّي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، بالتوقيع على اتفاقية أوسلو، وهو ما اعتُبر ليس من حق المنظمة، بل من حق العرب ككل، فهم حاربوا وقاتلوا من أجل فلسطين، وربطوا مصيرهم بمصيرها، واعتبروها قضيتهم. وكان شعار "فلسطين عربية" بمثابة ردّ اعتبار لعروبة فلسطين، وتأكيدًا على أنها قضية عربية، وأن الفلسطينيين أصحاب القضية، لكّنهم ليسوا الوحيدون.

وتطرّق السنّاوي في مداخلته، إلى مرحلة جديدة لاحقة، بعد نشوء حركة المقاومة الإسلامية حماس، وترديد شعار أن فلسطين قضية إسلامية وإضفاء الطابع الديني عليها، وهذا انطوى على إشكاليات كبيرة، تُعاني منها القضية الفلسطينية حتى اليوم. هناك تضامن إسلامي بلا شك، بحكم موقع القدس في العقيدة الإسلامية، لكن يُوجد أيضًا بُعدًا مسيحيًا لا يُمكن تجاهله، لوجود المقدسات المسيحية في ذات المدينة، واعتداءات "إسرائيلية" تستهدف كذلك هذه المقدّسات، كما لا نستطيع تجاهل إنسانية القضية الفلسطينية، التي تعاطف معها الكثير من أحرار العالم. لذا نحن أمام إشكالية معقدة، خضعت للتوظيف السياسي، ولكن في حقيقة الأمر لا يُوجد تناقض بين البُعد الوطني الفلسطيني، والبعد القومي العربي، وهما جناحان رئيسيان للقضية الفلسطينية، لا بد أن تكون الهوية الفلسطينية حاضرة ومؤثرة ومتصدرة للمشهد، لكنها لا تستطيع أن تصمد أو أن تُقاوم بعزلة عن عالمها العربي.

الانقسام الفلسطيني "ورقة التوت"

ثاني محاور الندوة، ناقشت تراجع الدور العربي تجاه القضية الفلسطينية، والذي يتذرّع البعض بالانقسام الفلسطيني لتبريره، "فهل هذا السبب كافٍ كي يتنصّل العرب من القضية الفلسطينية، ويُهرولون نحن التطبيع؟" أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية د.عبير ثابت، وفي معرض إجابتها على هذا التساؤل قالت "إننا نشهد في هذه المرحلة انحدارًا بالغ الخطورة في الدور العربي والمسؤولية تجاه القضية الفلسطينية، وللأسف معظم العرب يتعاملون مع الانقسام الفلسطيني كشمّاعة يُعلّقون عليها عجزهم وانفصالهم عن القضية، وتخلّيهم عن الفلسطينيين وتركهم لوحدهم في مواجهة الإسرائيليين".

وأضافت أنّ "الانقسام السياسي الفلسطيني باتت كورقة التوت التي تُغطي الإخفاقات العربية تجاه القضية الفلسطينية، ومحاولة لتبرير التهافت نحو التطبيع غير المُبرر، وكذلك التساوق مع الإدارة الأمريكية وخطتها لإنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وكل هذا تحت ذريعة عدم قدرتنا كفلسطينيين على إنهاء الانقسام". رغم هذا أقرّت د.ثابت أنّ "الانقسام الفلسطيني أفقدنا عمقنا العربي والدولي وتعاطف الكثيرين من أحرار العالم وأصدقاء الشعب الفلسطيني".

المحور التالي في ندوة الشهيد غسان كنفاني، ركّز على "المسؤولية الفلسطينية عن ما آلت إليه أوضاع القضية الفلسطينية إجمالًا في علاقتها مع عمقها العربي، تحت شعارات طُرحت قديمًا ولا زالت، ابتداءً من القرار الوطني المُستقل أو عدم التدخل في الشؤون العربية، حتى وصلنا إلى حالٍ بِتنا نصرخ فيه (يا وحدنا)"، وفق ما قدّم به مُدير اللقاء د.وسام الفقعاوي، لهذا المحور من النقاش، والذي تحدث فيه د.رائد حسنين، مُؤكدًا على أنّه لم تحظّ قضية باهتمامٍ عربيّ على المستويين العربي والشعبي كما حظيت به القضية الفلسطينية، وهذا لارتباط هذه القضية بالمخططات الإمبريالية لتقسيم المنطقة، مع التذكير بأن نشوء منظمة التحرير عام 1964 كان بميثاق قومي وليس وطني، اتصالًا بالحالة التي كانت راسخة في الوطن العربي، تجاه القضية الفلسطينية.

الوطني.. "الشعار المُهلِك"

ورأى د. حسنين أنّ نقطة التحول والشكوك تجاه البُعد القومي للقضية الفلسطينية كانت الهزيمة في حرب 1967، ومن بعد تأسيس منظمة التحرير، سعت إسرائيل لإعاقة الوحدة العربية وتفتيت وإضعاف الوطن العربي بشكل عام، وتم ترويج القضية الفلسطينية على أنّها قضية وطنية، وكذلك كان لهذه الوحدة أعداءٌ، من الداخل مثل الأنظمة الرجعية العربية، إلى جانب الإمبريالية والصهيونية الداعمة للمشروع الصهيوني في المنطقة.

وبيّن أنّه بعد العام 1967، لم تعُد القضية الفلسطينية القضية المركزية الأولى للأنظمة العربية، خاصة بعد احتلال أراضٍ عربية جديدة، وبالتالي ظهرت إشكاليات جديدة داخل هذه الأنظمة، إلى جانب عجزها عن حلّ المشكلات الموجودة داخلها. وأثرت هذه الهزيمة في العلاقة بين الوطني والقومي، وأصبح هناك عدم يقين بالدور القومي، وتم رفع شعار استقلال القرار الفلسطيني، هذا الشعار الذي بات مُهلِكًا، وحرمنا من احتواء الشعوب العربية، وباتت العلاقة الرسمية فقط، التي تتعامل مع الفلسطينيين بشكل صعب وغير لائق، تتجلّى بصورٍ قاسية في ملف السفر وأوضاع اللاجئين.

وناقشت الندوة عدّة موضوعات أخرى وطرحت المزيد من التساؤلات بشأن العلاقة بين الوطني والقومي في سياق القضية الفلسطينية والفكر السياسي الفلسطيني، منها مدى تأثّر القضية بتراجع الاهتمام والدور العربي، إضافة إلى المطلب المُلحّ بضرورة النقد والمراجعة والتقييم للحالة والتجربة الفلسطينية، خاصة في ظلّ تراجع القوى القومية التي حملت القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عربية بشكل رئيسي، سيّما القوى الفلسطينية منها، وذلك للانطلاق نحو إعادة الاعتبار للبعد القومي العربي في سياق الصراع العربي- الصهيوني، على طريق استنهاض الجماهير العربية ومُواكبة الأجيال العربية للقضية الفلسطينية. وللنقاش في هذه المحاور بقيّةٌ بإمكانكم مُتابعتها عبر الفيديو  المُرفَق لكامل الندوّة.