Menu
حضارة

تقريرالمكرمات الرئاسية.. يسرقون رغيفك ثم يعطونك منه كسرة!

غزة _ خاص بوابة الهدف

“يسرقون رغيفك ثم يعطونك منه كسرة، ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم”.. ليست الكلمات التي كتبها الأديب الشهيد غسّان كنفاني، شعارًا عفى عليه الزمن؛ إنما باقية راسخة حتى اليوم، تُعبّر عن وضعٍ اجتماعي وسياسي يعيشه المجتمع العربي، والفلسطيني بشكلٍ خاصّ.

تتناول المواقع الإعلاميّة بشكلٍ مستمرّ تصريحات عن مكرمةٍ رئاسيّة هُنا ومنحةٍ ماليّة من جهةٍ ما هُناك، وكلها لمواطنين وعوائل فقراء أو لأهالي أسرى وشهداء أو جرحى ومرضى، وغيرهم ممن يعيشون في أوضاعٍ سيئة ومأساوية، أوصلهم إليها المسؤولون بتقصيرهم ونهبهم لحقوق المواطنين، عدا عن مُحاصصتهم للمنح المالية الخارجيّة واستيلائهم عليها.

وقد نظم "القانون الفلسطيني" في موادٍ عدّة حقوق المواطنين وكفلها، وهي كثيرةٌ ومختلفة ومتنوّعة، من حق السكن وحق الحصول على عملٍ يؤمّن العيش الكريم، وحق التعليم، وحقوقٍ أخرى، أغلبها سُلبت جراء الفساد الممنهج في مؤسسات السلطة، إلى جانب سوء الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة، عدا عن الاحتلال وحصاره الذي زادَ من سوء هذه الأوضاع، وساعد في استغلال قادة ومسؤولي السلطة للمواطنين.

لا أساس لها

تؤكد الحقوقية صبحية جمعة أنّ مصطلح "المكرمة الرئاسية" لا أساس ولا مصدر لها في أيّة قوانين، مبينةً أنّ "النظام في فلسطين رئاسي يحكّمه القانون، الذي نظّم كل ما يتعلّق بالمواطنين من حقوقٍ وواجبات. والأصل أن ما يخرج من خزينة الدولة منظّم بهذا القانون، وليس برغبات أشخاص وقراراتهم".

أمّا الباحث والكاتب السياسي تيسير محيسن، فيقول إنّ هذا الأمر "ارتبط تاريخيًا بأشخاص يرون أنهم ليسوا من فئة البشر العاديين، ملوك أو مقدسين، أو آلهة، فهؤلاء عندما يقدمون خدمة للبشر يتعاملون وكأنها منحة من السماء وهبة من أشخاص كبار، مثل أن يتم توزيع منحة في يوم ميلاد الملك، أو عفو عن أشخاص في مناسبة دينية أو ملكية".

لكنّ جمعة تؤكدّ أنّ هذا المصطلح لا يوجد إلّا في الدول التي يغيب فيها القانون، وتقول "لا نسمع بهذا المصطلح في الدول التي تحترم مواطنيها وتعطيهم كامل حقوقهم، فالمفترض أن الحقوق يتمتع بها المواطن ولا يطلبها، وعندما يتعلم ويُعالج ويحصل على السكن وغيره، لا تصرف الدولة عليه، إنما تعطيه حقه".

الدولة ليس لها مال خاص بها، هو مال المواطنين الذي تجبيه من الضرائب، ومن خلال هذا المال تموّل المشاريع والطرقات والمستشفيات وغيرها، ليتمتع المواطنون بحقوقهم من خلالها، حسب قول الحقوقيّة الفلسطينيّة.

وتنص المادة 22 من القانون الأساسي الفلسطيني على "1- ينظم القانون خدمات التأمين الاجتماعي والصحي ومعاشات العجز والشيخوخة. 2- رعاية أسر الشهداء والأسرى ورعاية الجرحى والمتضررين والمعاقين واجب ينظم القانون أحكامه، وتكفل السلطة الوطنية لهم خدمات التعليم والتأمين الصحي والاجتماعي." بينما تنص المادة 23 منه على أنّ "المسكن الملائم حق لكل مواطن، وتسعى السلطة الوطنية لتأمين المسكن لمن لا مأوى له"، بالإضافة للمادة 24 التي كفلت حق التعليم، والمادة 25 التي كفلت حق العمل "الذي تسعى السلطة الوطنية إلى توفيره".

أهدافٌ سياسيّة وأيديولوجية

ولا شكّ أنّ السلطة تحاول تحقيق أهدافٍ سياسيّة خاصّة بها من خلال هذا الأسلوب، تتلخص في الترويج لها، ويبرز هذا في أوقات الأزمات أو الانتخابات، فتعمل من خلال هذه الوسائل على تعزيز مكانتها بين المواطنين، عبر إيهامهم بقدرتها على "إعطائهم" و"التكرّم" عليهم، بما لديها. وهو ما اتفق معه محيسن، الذي أوضح أن "السلطات تسعى من خلال المكرمات إلى إعادة إنتاج ذاتها، ففي الذي يفترض أن تمارس فيه عملها بطريقة قانونية من خلال خدمة الناس وتحويل الضرائب إلى خدمات تقدم لهم، تُجبرهم على اللجوء إليها للحصول على المنح والهبات والمكرمات".

وتتعدّدُ أهداف هذه المنح، فيرى محيسن أنّ هناك محاولات للهيمنة الأيديولوجية، وهي محاولة الوصول لقلوب الناس قبل عقولهم، ويتم ذلك من خلال المؤسسات الخيرية والإنسانية التي تتبع لجهةٍ ما"، ويدلل محيسن على ذلك بالدور الذي لعبته المؤسسات الخيرية التابعة لحركة "حماس" قبيل انتخابات عام 2006.

ويشدّد على وجود معايير عالمية في آلية توزيع المنح والمساعدات الخارجيّة أو المكرمات المحلية، حتى لا  تستغل سياسيًا أو جنسيًا أو انتخابيًا، يُفترَض على أيّة سلطة أو جهة الالتزام بها.

لكنّ المفارقة أن الأموال التي يتم توزيعها كمنح، هي أموال الشعب التي يفترض إعادة توزيعها بطريقة مؤسساتية من خلال الضرائب والخدمات، إنما عوضًا عن ذلك تستخدم هذه الأموال بطريقة غير عادلة وغير منصفة، تهدف في الغالب إلى السيطرة على الشعب.

وهذا ما يؤكد عليه المختص في علم الاجتماع، د. وسام رفيدي، الذي يقول إنّ "المكرمة والصدقة والإحسان، لا يلزَم الأشخاص على تقديمها للآخرين، وهي مسألة أخلاقية"، مبينًا أنّ هناك "حقوق للأشخاص والفقراء، ولا يجوز تحويل هذه الحقوق إلى صدقات ومكرمات وإعادة إنتاجها بشكلٍ وأسلوب آخرين".

كما يرى محيسن أنّ "هذه الأمور تندرج في إطار الفساد، تمامًا مثل التوظيف، الذي هو حق للناس، يفترض أن يكون مضمونًا للجميع ضمن إجراءات شفافة وعلنية، لكنّ يتم استغلاله في شراء الذمم والمحسوبيات وتوزيعها بشكل ما على بعض الناس المخصصين، كمكرمات وهبات".

ويتفق محيسن ورفيدي على أنّ هذا الأسلوب بدأ منذ قدوم السلطة الفلسطينية، والذي حاول الرئيس الراحل ياسر عرفات التأسيس له، ما أدى لتدرجه وتناميه في مؤسسات السلطة ووزاراتها على مدار السنوات اللاحقة، واتبعه في هذا خلفُه الرئيس محمود عباس.

وقدّم محيسن مثالًا على هذا قائلًا إنه "في أحد الأعوام بعد سنوات قليلة من تأسيس السلطة، في زمن ياسر عرفات، تبرع الوليد بن طلال للشعب الفلسطيني بمنحة مالية، أعلنت السلطة عنها، وطلبت من الناس التسجيل لدى مكتب أبو عمار للحصول عليها منه". مضيفًا: "حاولنا في حينه، تعبئة الناس لرفض هذا الأمر، لنؤكد لهم أنّ المنحة حق لهم وجاءت باسمهم كفلسطينيين، وهي ليست مكرمة من السلطة نفسها".

رفيدي يرى أنّ هذا الأسلوب يؤسس لـ"نظام زبائني"، وبيّن أنّ "قيادة السلطة فقدت شرعية البندقية التي كانت تحظى بها قبل أوسلو، وعندما جاءت كانت تفتقد إلى شرعيتها وباتت مشكوكٌ بها بين المواطنين، لذا سعت إلى تعزيز شرعيتها من خلال بناء قاعدة اجتماعية بطريقتين أساسيتيْن؛ الطريقة الأولى رهنُ رواتب الناس ومعاشاتهم بمصير السلطة، فهناك 180 ألف موظف، علمًا بأنها- حسب علم الإدارة الحديث- لا تحتاج أكثر من 40 ألف موظف".

والطريقة الثانية، وفق رفيدي، كانت من خلال ربط الناس بالمكرمات والمنح والصدقات التي يقدمها الرئيس وتقدمها السلطة، وهنا يتم التأسيس لنظام زبائني فاقد الشرعية، في محاولة لإعطائه شرعية.

المحاربة بالرفض والوعي

وتعلو مناشداتٌ من آلاف المواطنين، بين الحين والآخر، أحدهم يُطالب الرئيس بمسكنٍ، وآخر يطالبُ بالسماح بعلاج ابنه. وعن تزايد المناشدات والمطالبات، تقول الحقوقية صبحية جمعة إنّ هذا "يدل على أن المواطن يفتقر لأدنى حقوقه، بشكل كبير، ويبحث عن أي أسلوب كي يحصل على مساعدات وأشياء هي حق له، موجودة لدى الدولة".

ودعت إلى أن يتم إعطاء جميع الناس حقوقهم في الصحة والتعليم وغيرها من الحقوق، حتى لا يلجؤوا إلى مثل هذه الأساليب التي تُظهر السلطات بدور المُعطِي والكريم الذي يُقدّم للمواطن من ماله الخاصّ كما تروّج للأمر.

الكاتب تيسير محيسن يعتقِدُ أنّ الحل يبدأ من الناس أنفسهم "والذين يجب أن يرفضوا هذه المنح وهذا الأسلوب في المكرمات وتقديم الحقوق، وذلك حتى تتشكّل حالة من الرفض أمام السلطات والجهات الحاكمة".

ودعا إلى أن يتم توعية المواطنين برفض هذه الأساليب من المنح وتقديم الأموال، وعدم قبول ما هو حق لهم والذي يُعاد توزيعه بشكل آخر، مشددًا على أنّ "السلطة لن تنتبه لعدم رضا الناس عن هذا الأسلوب، دون الرفض".

ورغم ذلك، لا زالت المناشدات متواصلة جراء غياب الحقوق، فمن الصعب على جائعٍ فقد حقه في الغذاء أو فقير لا يقدرُ على علاج ابنه، أن يقتنع بأهميّة الوعي والرفض، فإلى الحين الذي ستسمع فيه السلطة صوته لتستبدل محاولات تكرّمها عليه بأن تمنحه حقّه الذي شرّعه له القانون، قد يكون ابنه غادر الحياة أو ستكون عائلته شُردت في الشوارع بعد أن نهشها الجوع والبرد. لذا يؤكد الواقع الآن أن هذا المواطن يُدرك بأن من منع ويمنع عنه حقّه المادي لن يستمع إلى حقّه في إبداء رأيه ورفضه حتمًا!