Menu
حضارة

مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (ج7)

د. وسام الفقعاوي

منذ زمن طويل يدور في الوطن العربي جدل فكري حاد بين دعاة الفكر الديني في دعوتهم إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للحكم والقوانين والأحكام، وبين دعاة العصرنة والحداثة الذين يدعون إلى العقلانية والعلمانية والديمقراطية في الحكم والممارسة السياسية.

وكأي سلطة مطلقة، سعى دعاة الفكر الديني من بوابة الاستحواذ على كل المساحة الفكرية لأنفسهم، إلى استنفار الأدوات القمعية التي اُشهرت في وجه المُخالفين، بدءًا من تهمة التكفير التي تتعدى في كثير من الأحيان صفة الاتهام وتصل حد إصدار القرار بالتصفية الاجتماعية والسياسية وحتى الجسدية. فالتاريخ القديم والحديث يُخبرنا عن أشخاص كُثر قضوا على أيدي المؤسسة الدينية ودعاتها، بوسائل التصفية المذكورة آنفًا وغيرها، لأنهم حاولوا إطلاق العنان لعقولهم في التفكير خارج غياهب السجن وأسواره الذي وضعت عقولهم خلفه.

فحريٌّ بنا التأكيد بأن مواجهة الأميّة والجهل والانقسام والفقر والتبعية والاستعمار، لا يمكن أن يتم دون الإقدام فعلًا نحو ثورة فكرية وعلمية شاملة، كي نستطيع تحقيق تحرر وطني وقومي وتطور ثقافي وعلمي وسياسي من خلال التأكيد على حرية الفكر وموضوعية العلم ونسبية الحقيقة، في مواجهة السلّطة التي تدّعي احتكارها المطلق والشامل لها.

 حركات الإسلام السياسي: ملاحظة تاريخية

يُرجع العديد من الباحثين الازدياد المتسارع لشعبية حركات الإسلام السياسي بالاستناد موضوعيًا إلى ثلاثة عناصر أساسية[1]:

الأول: استثمار وتوظيف الشعار الديني القريب من وجدان الشعوب وعامة الناس على خلفية احباطات جماعية عامة، وشعور عارم بالاغتراب والخوف على الذات والخصوصية والهوية.

الثاني: فشل الشعارات والأيديولوجيات الأخرى في تحقيق ما وعدت به في حقبة دولة الاستقلال الحديثة، وطرح الإسلام السياسي على إنه البديل الواعد (الذي لم يُجرب بعد).

الثالث: استمرار النقمة على الغرب؛ نتيجة قضية فلسطين وديمومة الاحتلال الإسرائيلي وتغوّل توحشه إلى جانب الحروب الغربية المتواصلة.

والحال هذا، فإن التوسع والانتشار الذي تميّزت به حركات الإسلام السياسي منذ ما يزيد عن نصف قرن، يقوم على عناصر داخلية وأخرى خارجية، جعلها تتقدم نحو طرح شعارها الناظم: "الإسلام هو الحل"، كدواء لكل الأمراض والتحديات التي تواجهها المجتمعات العربية الإسلامية اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا وروحيًا.

فمنذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم، والحديث متصل عن صعود وانتشار حركات الإسلام السياسي التي أعطتها هزيمة حزيران قوة دفع جديدة، سرعان ما وجدت مجالها الأرحب والأخصب في ظل سياسة الانفتاح الساداتية ثم معاهدة كامب ديفيد، واستعادة القوى البيروقراطية المتنفذة والبرجوازية الحاكمة وبقايا رواسب الأنماط الاجتماعية القديمة والمتخلفة، لدورهم المسيطر على السلطة في كل البلدان العربية، الأمر الذي مكّن الحركات الإسلامية الأصولية من أن تقدم مشروعها الأيديولوجي والسياسي والمجتمعي الذي اتخذ – لدى بعض فروع هذه الحركات - طابعًا قتاليًا تضحويًا مميزًا ضد العدو الصهيوني، لكن هذا المشروع ظل في شكله وجوهره معتمدًا على عنصرين أساسيين؛ الأول، قوامه العودة إلى الأصول السلفية والتراثية كما هي دون تجديد أو استنارة أو تطور عقلاني حديث، عبر النقل الجامد والمنغلق للنص الديني. والثاني: تربية وتثقيف أعضائها وفق منهجية رفض الآخر، المتمثل في كافة أطراف حركة التحرر العربي (اليسارية والقومية والوطنية) وتكفيرهم بذريعة منطلقاتهم الفكرية العلمانية الديمقراطية بمختلف ألوانها[2].

تستند حركات الإسلام السياسي في بنّية فكرها الديني على خمسة ركائز رئيسية متمثلة في أن الحاكمية لله وحده، وقداسة سلطة السلف، وتاريخية مفهوم الخلافة الإسلامية، وصحة الأحاديث النبوية المدوّنة، وأزلية النص القرآني وقدمه. ووفقًا لذلك بالنتيجة يعني أن التشريع وإصدار القوانين والتحليل والتحريم والأمر والنهي كلها لله وحده وليس لمخلوق، سواء أكان فردًا أم جماعة أم أمةً أم شعبًا. وهذه الحاكمية تعني في التحليل النهائي الاحتكام إلى النصوص الدينية. والسلطة الوحيدة في نظر هذا الفكر الديني القادرة على القيام بمهمة تفسير النصوص واستنباط التشريع اللازم من تحريم وتحليل وأمر ونهي هي السلطة التي يمثلها رموز الفكر الديني أو من يُسمون أنفسهم علماء أو رجال دين. أي إن الحاكمية الإلهية تنتهي في الحقيقة إلى حاكمية نخبة من الرجال سمحت لنفسها بأن تنطق باسم الخالق، وأن تكون مُمثّلة له على الأرض، وأن تحكم باسمه[3].

ومن الواضح من أدبيات الحركات الإسلامية أن الركيزة الأساسية في بنّية فكرها الديني هي فكرة الحاكمية لله، التي تُبنى عليها بقية الركائز الأخرى، وتعود فكرة الحاكمية في الأصل إلى حادثة رفع المصاحف على أسنة السيوف، والدعوة إلى تحكيم كتاب الله التي أطلقها الأمويون في موقعة صفين، ولم تكن هذه الدعوة سوى مجرد حيلة أو خدعة لاختراق صفوف جيش عليّ بن أبي طالب وإثارة الخلافات بينهم، بعد أن تقهقر جيش معاوية بن أبي سفيان، وذلك بنقل الصراع بين الطرفين من المجال السياسي إلى المجال الديني، وهو ما فطن إليه الإمام عليّ في حينه، حيث خاطب جنوده قائلًا: "امضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم، فإن معاوية وعمرًا بن العاص ليسا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعرف بهما منكم، قد صحبتهما أطفالًا وصحبتهما رجالًا، فكانا أشر أطفال وأشر رجال. ويّحكم، إنهم ما رفعوها لكم إلا خديعةً ودهنًا ومكيدةً... إن القرآن خط مسطور بين دفتين لا ينطق، إنما يتكلم به رجال"[4].

يتضح مما سبق، بأن بناء فكرة الحاكمية التي روج لها الأصوليون الإسلاميون، كانت بذورها الرئيسية في إقحام الدين في السياسة لتحقيق هدف نفعي شخصي، في سبيل الصراع على السلطة والوصول لسدة الحكم، مرورًا باستئثار رجال الدين بسلطة تفسير النصوص وبيان الدلالات الدينية، باعتبارهم وحدهم القادرين على القيام بتلك المهمة، وصولًا إلى التمكين لحاكمية رجال الدين.

ويترتب على طرح مفهوم الحاكمية – فضلًا عما سبق في المجال السياسي وأنظمة الحكم – عدم الاعتراف بالنظام الديمقراطي، والتعددية، والحريات العامة والشخصية التي كفلتها المواثيق الدنيوية، وصولًا لتكفير المجتمعات واتهامها بالعودة للجاهلية. "إن زعامات هذه المجتمعات تتلقى التشريعات والأنظمة والقوانين من عند غير الله تعالى، وتجعل بعض البشر أربابًا من دون الله تعطيهم سلطة التشريع وإصدار القوانين، إنها مجتمعات يعلن زعماؤها السياسيون ومفكروها أنه لا صلة للدين بالحكم والسياسة والاقتصاد، ولا صلة للدين بالحياة، ويحارب هؤلاء السياسيون كل من يدعو إلى تحكيم شريعة الله في المجتمع، ويقوم الإعلام -بوسائله المختلفة- بالصد عن حاكمية الله... لقد عادت الجاهلية من جديد، وعاش المسلمون في بلدانهم أغرابًا"[5].

ضد الحضارة.. ضد الحداثة

من المفارقات الملفتة للانتباه، أن مجتمعاتنا العربية الإسلامية منذ بداية احتكاكها بتحدي التقدم الغربي لم تستطع أن تستوعب وتتمثل وتطبق الأفكار الأساسية في الحداثة السياسية، وهي دولة القانون والديمقراطية، ولا الحداثة الفكرية، والتي جوهرها أن العقل هو محك الحكم على الأشياء لا النص الديني. وهذا يعتبر أحد أهم أسباب التخلف والعجز عن إبداع حداثة عربية. وفي الوقت ذاته، أخفقت المجتمعات العربية في بناء مشروع علمي متكامل، يقوم على استيعاب منجزات العلم الحديث والمعاصر وصياغة سياسات علمية قادرة على التصدي للمشكلات التي تعيق التطور والتقدم والعصرنة والحداثة.

في المقابل فإننا نجد بأن حركات الإسلام السياسي التي انطلقت من رؤية مختلفة لواقع مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فشلت في تحقيق الأهداف الكبرى التي رفعتها، المتمثلة في إعادة بعث (الأمة الإسلامية) الموحّدة، أو السير نحو (الخلافة الإسلامية)، أو إقامة (الدولة الإسلامية)، أو صوغ أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية إسلامية، تقدم نماذج مختلفة عمّا أنتجه مشروع الحداثة الغربي من أنظمة، بل انخرطت في الشكل السياسي للدولة الذي أنتجته الحداثة الغربية. النجاح الذي يمكن أن يسجل لقوى الإسلام السياسي كان إضافة صبغة دينية على المجتمعات تتمظهر في اللباس والعادات والقيم الإسلامية، حيث انتشر التدين، وانتشر الحجاب وإطلاق اللحى والطقوس والسلوكيات الدينية، لكن تلك الصبغة لا تتعدى القشرة الظاهرية؛ إذ ظلّت بنية المجتمع قائمة على أسس العناصر التي ولَّدتها التجربة الغربية الحداثوية في بناء المجتمعات وأشكال تنظيمها[6]. بمعنى أن حركات الإسلام السياسي فشلت أيضًا في إنتاج نموذج، منافس ومختلف كليًا عن ما أنتجته التجربة المعرفية والسياسية الغربية، ويحقق أهداف المجتمع بشكل أكثر مما تحققه الأشكال العلمانية الموجودة للاجتماع السياسي. وقد يعاد ذلك إلى التقييد المطلق لحركة الفكر الذي إن أراد أن ينطلق نحو القضاء على أسباب التخلف وسعيًا إلى التقدم، فعليه أن يعود في كل جزئية تتعلق بالعالم الطبيعي والعالم الاجتماعي إلى النص القرآني، بحيث يُغرق الباحث نفسه – أيًا كان اتجاهه – في تفسير النصوص القرآنية وتأويلها، وعليه ألا يخرج إطلاقًا على النص، وإلا عُدّ خروجًا على حدود النظرة العربية الإسلامية للعالم! وهذا ما يمكن تسميته إعادة إنتاج لفكرة "أسلمة المعرفة"، القائمة على مسلّمة، هي ضرورة "أسلمة" العالم الغربي قبل أن نتبناه في المجتمع العربي الإسلامي[7].

لعل السؤال الذي يُطرح في هذا السياق، هل جاء ظهور وانتشار حركات الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي متعلقًا بخصوصية التراث الثقافي والحضاري؟ أم جاء ظهوره نتيجة أزمات اجتماعية تعيش تحت وطأتها الأمة العربية والإسلامية؟

اعتبر البعض أن ظاهرة الإسلام السياسي هي ظاهرة محض ثقافية ترجع إلى خصوصية الثقافة العربية الإسلامية وإلى طبيعة النص الديني الإسلامي، واعتبر البعض الآخر أنها محض ظاهرة اجتماعية ترجع إلى الأزمة الاقتصادية والتعثر الديمقراطي والسياسي.

في الحقيقة فإن للظاهرة الإسلامية بعدًا ثقافيًا يفسر وجودها بشكل "أولي" على الساحة الفكرية والسياسية، وآخر اجتماعيًا/سياسيًا يفسر انتشارها وانحسارها، أو تبنيها للأساليب الديمقراطية أو العنفية، وهنا تصبح طبيعة السياق السياسي والاجتماعي المحيط بالحركات الإسلامية هي المحدد لمضمون الخطاب الإسلامي[8].  

ولعل النسخة الأكثر تطرفًا من حركات الإسلام السياسي هي تلك التي عبّرت عنها داعش خلال السنوات القليلة الماضية، فبقدر ما يتعلق الأمر بشأن تطور وجودها العنيف بالأيديولوجيا، يمكن الحديث عن الوهابية السعودية، باعتبارها المرضعة الأولى، أو حتى العودة إلى تاريخ الإسلام الأول وما شهده من فتن وصراعات، وإذا اقتربنا أكثر من النصف الثاني من القرن العشرين، تصبح العودة إلى الإخوان المسلمين ممكنة، بينما تعيدنا الجينالوجيا[9] إلى السلفية الجهادية، والقاعدة وحروب أفغانستان، والشيشان، وصولًا إلى الزرقاوي بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

ويمكن في هذا الصدد، الإشارة إلى ما لم يحتل حيزًا واسعًا في وسائل الإعلام، مقارنة بذبح الرهائن أمام عدسات الكاميرات، وسبي النساء، وفرض الجزية على المسيحيين، وتهجيرهم، وقتل الشيعة، وحتى السنة أيضًا، ونقصد تدمير الآثار والمعالم التاريخية بما فيها الدينية، حيث عبرّت عن حقيقة ماهية داعش، باعتبارها نقيضًا لفكرة الحضارة نفسها، والحضارة فكرة جديدة في التاريخ الإنساني تنتمي إلى الأزمنة الحديثة، ويندرج فيها اهتمام الجماعات القومية، خاصة في حدود الدولة/الأمة بابتكار سرديات خاصة بشأن وجود الجماعة وتاريخها وشواهدها الحضارية، ولغتها، وآدابها، ومعالمها الثقافية... وبقدر ما تمثل الداعشية تصعيدًا، كان من الصعب تخيّله خلال سنوات قليلة فقط، فإنها مثلّت محاول لاستعادة مكانة "الإمبراطورية الإسلامية"، ومجدها الغابر، إن لم يكن بلغة العصر، فبأدواته، وتقنياته، وكاميراته، وما خلّفته الطفرة النفطية من أوهام التمكين[10].

على أية حال، يمكن القول أن الأزمة التي شهدتها المجتمعات العربية، وخاصة على مستوى الأنظمة السياسية الرسمية، لناحية فشل مشروع الحداثة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفشل مشروع تحرير فلسطين، والفشل في تحقيق الوحدة العربية، وصولًا للتحديات التي باتت تواجه كل قطر عربي على حدة، مضافًا لذلك ضعف بنية الأحزاب الوطنية والقومية التقدمية، والردة الفكرية لبعضها، عاد بالفائدة على حركات الإسلام السياسي وفتح المجال لتقدم "برنامجها" السياسي والاجتماعي على مستوى المنطقة ككل، بما في ذلك النسخة العنفيّة منها، والذي يعني أيضًا استمرار إعادة إنتاج الأزمة، وعدم القدرة على تقديم نموذج مختلف من خلال الاستفادة من منجزات الحداثة والحضارة الإنسانية.

نحو العقلَنة

لكي يقوم العقل بوظيفته الرئيسية وهي التفكير لا التكفير، يحتاج إلى بيئة مواتية ومناسبة وصديقة في آن، وهذا لا يتحقق إلا في مناخ من الحرية، فالعقل المقيّد لا يستطيع أن يقوم بوظيفته الرئيسية، والنفاذ إلى جوهر المشكلات المنتصبة أمامه، وبالتالي سيكون معطلًا جزئيًا أو كليًا عن أداء واجبه ودوره، أي وظيفته.

فمن أهم المبادئ التي يقوم عليه الخطاب الأصولي الإسلامي أن الخطاب الديني يحتكره العلماء، وليس العقيدة، وهو الذي يجب الرجوع إليه في تفسير كافة الظواهر الاجتماعية بل والطبيعية أيضًا، دون أي اعتبار للقوانين الطبيعية أو الاجتماعية، وهو ما يعني نفي أي أثر أو دور للعقل، ومصادرة أي معرفة ليس لها أصل في سلطة العلماء أو خطابهم الديني في هذا المجال، وهو يستند لذات موقف طائفة الأشعرية[11] القديم، الذي يؤمن إيمانًا مطلقًا بالجبرية الشاملة بما فيها السياسية والاجتماعية، وفي المقابل إنكار أي مجال لإعمال قوانين السببية حتى في تفسير الظواهر الطبيعية. لذلك تلجأ الحركات الأصولية الإسلامية إلى الهجوم على اجتهادات وإبداعات العقل الإنساني في تفسيره لظواهر الكون، لا لشيء سوى كونها نتاج العقل الغربي الكافر أو العلماني أو المناهض للدين أو الملحد أو الماركسي...الخ.

فيما يذهب بعض الباحثين إلى أنه وعلى الرغم من أننا لم نشهد عملية تقييم شاملة داخل هذه الحركات لتجاربها المختلفة وفشلها هناك وهناك، لكن وعيًا داخليًا يتراكم – وإن ببطء – وعلى أكثر من صعيد يعمل على عقلنة ولو جزئية في الخطابات الإسلاموية. وعلى مستوى أوسع وأهم، فإن الجانب الأهم المرتبط بالإيجابية المفترضة والمفيدة لتراجع الإسلاميين تطال المجتمع المعني نفسه والشرائح الأعرض منه، بحيث تتمكن من الحكم على الحركات الإسلامية وفق الممارسة وليس وفق الشعار الديني[12]. وهذا لا يتم ولا يمكن إلا بنزع عباءة القداسة التي تتلفح بها تلك الحركات، لإقصاء أو تجاوز أو دحر غيرها من قوى وحركات سياسية علمانية وطنية وقومية، إلا عبر اختبارها في الميدان العملي، أي مختبر الواقع، الذي يجب أن يُعمل فيه العقل، لكشف صدق أو زيف ما ترفعه من شعارات، ووضع حصيلتها أمام الناس المعنية بالحكم على ذلك.

في حين يذهب باحثون آخرون إلى أن سبب معاداة الأصوليين الإسلاميين للعلمانية كونها تجردهم من السلطة المقدسة الناتجة عن الإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة والكاملة، وأن محاولتهم أسلمة العلوم والآداب والفنون يقود لجعلهم مرجعية شاملة تكرر ذات موقف الكنيسة في العصور الوسطى، لذلك فإن العلمانية تمثل الضمان الأكبر لحرية الفكر والإبداع، وأن مصطلح "المجتمع المدني" يعبر في الحقيقة عن العلمانية، لأنه لا قيام لهذا المجتمع دون تكريس مبدأ العلمانية، والقول بغير ذلك يحرم المجتمع من الطاقات الروحية والأخلاقية للدين ويحوله لمجرد وقود سياسي من خلال تزييف المفاهيم وعلى رأسها مفهوم العلمانية التي لا تحارب الدين، وإنما تحرر الإنسان من الاضطهاد الديني، لأن أهم مبادئها أنه لا سلطان على العقل بوصفه فعالية ونشاطًا – وليس بوصفه مقولات ثابتة كما يتوهم الأصوليون – إلا للعقل[13].

إن النظرة الدينية المتعصبة والمنغلقة، أي غير المعقلّنة، مثلها مثل أي تعصب وانغلاق عقيدي وفكري، تنزع إلى استبعاد الآخر، وترفض الاختلاف والنقد وحوار الأفكار، منطلقة من كون الطاعة واجبة "لأولي الأمر"، وهي في صراع وخصومة مع العقل والعقلانية التي تتعامل مع بدائل هي بنت الحوار والاختلاف وتلاقح الأفكار والعقل النقدي، ذلك العقل المتفاعل مع الواقع ويطرح أسئلة على الوجود والكون والعلاقات الاجتماعية، ودور الفرد الاجتماعي والثقافي، ومحددات هذا الدور إن كانت دينية أم دنيوية.  

نحو التبيئة

في الوضع الفلسطيني وبحكم الخصوصية التي تميز الشعب الفلسطيني عن غيره من الشعوب العربية، بحكم واقع الاحتلال بشكل رئيسي، فإن حالتي كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، تختلفان عن نظيراتها من حركات الإسلام السياسي في البلدان العربية الأخرى، فهما حركتان تنخرطان في مشروع تحرير وطني قائمة على مفاهيم تحرير الأرض وتحقيق الاستقلال وتقرير المصير وإقامة الدولة، ولو كان ذلك باستخدام شعارات أيديولوجية دينية. بمعنى أن ما تقومان به هو لصيق بالتحرر الوطني أكثر منه "بالجهاد" بمفهومه القديم والتقليدي. وعليه فإن تمسكهما بمرجعية دينية لا يثير في حد ذاته أي تحفظ إنما يجب أن يعيا أن برامجهما وأطروحاتهما التي يتقدمان بها للجمهور، هي برامج وأطروحات مدنية من الوارد نقدها أو رفضها، دون أن تحتمي بأية قدسيّة خاصة، وأن تعتبرا نفسيهما حارسا للشريعة والدين.

وإذا أردنا التخصيص هنا، فبتناولنا لتجربة حركة حماس في الحكم منذ 2007، وبحكم كونها ذراع حركة الإخوان المسلمين في فلسطين – وإن أعلنت في أكثر من مرة ومؤخرًا على لسان رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية غير ذلك – فعليها أن تعي وباقي القوى السياسية أن التغيير والإصلاح السياسي والديمقراطي ليس وسيلة للوصول للسلطة، إنما طريق نحو النهضة والتقدم وإنهاء حالة التفرد والهيمنة والإقصاء وتحفيز الإرادة الشعبية في معركة التحرر الوطني. وهذا بدوره يتطلب بناء نظام سياسي قائم على منطق الشراكة السياسية والتوافق الوطني كطوق للنجاة، بعيدًا عن أسلوب التفرد والمغالبة، وعليه، فإن حركة حماس مطالبة أن تعاظم في أدبياتها أنها حركة تحرر وطني برؤية إسلامية، ولا تخرج في رؤيتها عن سياق الإجماع الوطني، وما يمثله العمق العربي والإسلامي من إسناد استراتيجي في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني، الذي يحتمي بالسياسات الاستعمارية الغربية، ويتمدد على حساب أرضنا وشعبنا[14].

وعلى الصعيد ذاته، يرى بعض الباحثين بأن حركة حماس احتكمت في مواقفها تجاه النظام السياسي الفلسطيني إلى قاعدة الربح والخسارة من الناحية السياسية، وليس الحلال والحرام من الجانب الفقهي الديني، ما يفسر الكثير من سلوكياتها البراغماتية في علاقاتها السياسية، مع عدم إغفال بعض مفردات الخطاب الديني الذي خيّم على سلوك حماس السياسي ردحًا من الزمن، سواء في تعاملها مع الآخر من منطلقات عقائدية، أو اعتبار نفسها الممثل الحقيقي للإسلام، ومنح سلوكها وعلاقاتها مع الآخر، تحالفًا أو قطيعة، بعدًا دينيًا لا تخطئه العين[15].

والأسئلة التي يجب أن تطرح فيما يتعلق بعلاقة حركة حماس بالنظام السياسي الفلسطيني، هل ينطلق من كونه نظام لحركة تحرر وطني يجب أن تلتحم فيه مهمات التحرر الوطني مع مهمات التحرر الاجتماعي والديمقراطي، بما في ذلك تعزيز مبادئ الشراكة الوطنية على أسس ديمقراطية، وصيانة وحماية الحريات الخاصة والعامة، وتعزيز البنية الاجتماعية؟ أم أن رؤيتها تعود إلى ذات النص الديني الذي تنهل منه حركات الإسلام السياسي الأخرى؟  أم أن جذر المسألة يعود إلى أن السياق السياسي الذي وُجدت فيه حركة حماس لم يكن ديمقراطيًا بالأساس كي  تُعيد تشكيل خطابها الإسلامي وفق قواعد العمل الديمقراطي؟

صحيح أن سياق البيئة السياسية الذي وُجدت فيها حركة حماس لم يكن ديمقراطيًا لا قيمًا ولا ثقافةً ولا آليات كاستجابة لحاجة موضوعية داخلية، إلا أن ما أقدمت عليه حركة حماس من إجراءات وممارسات أضافت أعباءً جديدة على مبادئ أساسية في العمل الديمقراطي مثل التعددية، والحق بالاختلاف، وثقافة التسامح، والحق بالتجمع السلمي، وبالتشكيل النقابي الحزبي، وعلى مبدأ استقلالية وحرية العمل الأهلي، كما ضعفت إلى حد كبير مفاهيم المساءلة والمحاسبة والشفافية في ظل السيطرة الشاملة على مبنى وهياكل مؤسسات الحكم "السلطة" في قطاع غزة. فمن الواضح أن سياسة حماس في غزة تخضع لسلم الأولويات والتدرج في إطار محاولة فرض نموذجها المرتبط بمنهجها كحركة تُصنّف على أنها من حركات الإسلام السياسي، فهي تريد "أسلمة" المجتمع وبصورة تراكمية تدريجية من أجل امتصاص نقمة أية ردود فعل باتجاه موجه يشير إلى الحكم الإسلامي أو فكرة "الإمارة"، لذلك فإنها تخضع قراراتها لميزان ردود الأفعال وحجمها وقوتها داخليًا وإقليميًا[16].

ومما يزيد الأمر تعقيدًا، هي نظرة التفوق والاستعلاء التي تحكم حركات الإسلام السياسي، (ومنها حركة حماس) في علاقتها مع التيارات الفكرية والسياسية الأخرى، كونها تعتبر نفسها "حارس قيم الإسلام"، مما جعلها في كثير من الأحيان لا تعي أن هذه القيم هي مسألة تَدخُل في صميم الاختيار الشخصي للأفراد، وأن محركها دوافع دنيوية محضة لا دينية[17]. وهذا ما يتطلب من حركات الإسلام السياسي في الحالة الفلسطينية، أن تقر بمبدأ الحريات الفردية والعامة، وفي مقدمتها حرية الاعتقاد والرأي والتعبير والاجتهاد والإبداع الثقافي وقضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب اتخاذ موقفًا واضحًا من التوجهات التالية[18]:

أولًا: تكريس أسس الدولة المدنية الديمقراطية، والالتزام بمفاهيم وآليات الديمقراطية السياسية والاجتماعية، بدءًا من بناء نظام سياسي فلسطيني ديمقراطي تعددي.

ثانيًا: رفض التبعية للقوى الإمبريالية بأشكالها المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية.

ثالثًا: رفض الاعتراف أو التطبيع مع دولة العدو الصهيوني.

رابعًا: تغليب التناقضات الرئيسية على الثانوية، والالتزام بقواعد الحوار الديمقراطي، والاحتكام للجماهير، مع نبذ استخدام العنف وكل وسائل وآليات الجبر والإكراه داخليًا.

إن قضايا التحرّر ومقاومة الاحتلال والهُويّة القومية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الظلم أينما كان وكيفما كان، هي كلّها قضايا إنسانية عامّة لا ترتبط بمنهج فكري محدّد. فلا الدين يتعارض مع هذه القضايا ولا الابتعاد عنه يعني تخليًا عنها، وعليه فإن الاختلاف القائم في المسألة الفكرية، بين التيارين "الديني" و "العلماني" هو ظاهرة صحيّة إذا حصلت في مجتمعات تصون التعدّدية الفكرية والسياسية وتحترم وجود ودور «الرأي الآخر»، وتبحث عن المشترك من القضايا الوطنية والاجتماعية. وهذه مواصفات وشروط لمجتمعات تعتمد الحياة السياسية السليمة، وتكون مرجعيتها هي القوانين والمواثيق والدساتير المجمَع على الالتزام بها بين كل الأطراف[19].

يؤكد التاريخ سابقًا وراهنًا، أن نشوء حركات الإسلام السياسي ارتبط أساسًا في سياق الصراع المحموم على السلطة بين المذاهب والتيارات الدينية الإسلامية المختلفة، والتيارات الفكرية والسياسية النقيضة التي تنطلق من مواقع علمانية وطنية وقومية، وبأن الصراع لم يكن صراعًا دينيًا محضًا يتعلق فقط باختلاف تفسير النصوص الدينية، أو موقع السلطة الدينية، أو مكانة ودور رجال الدين، أو إقامة الدين الصحيح، باعتباره منهج حياة، بل كان الاستثمار والتوظيف حاضرًا في خدمة هدف الوصول للسلطة والحكم التي هي بكل الأحوال سلطة دنيوية لا دينية.  

إن إدراك جذور الأزمة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية والإسلامية عمومًا، يجب أن تتجاوز "حزبية العقيدة" من خلال إدراك جذور الاغتراب الاجتماعي الذي ترزح تحت وطأته مجتمعاتنا، وإن كانت فعلًا في التاريخ ومعه، وتمثل حضورًا مُعتبرًا فيه، دون إدعاء "العصمة" أو الهروب من الإجابة عن أسئلة الواقع، والقطع مع التاريخ الإنساني، ومواصلة طريق الانهيار.

لقد حان الوقت إلى ضرورة أن تُشرع حركات الإسلام السياسي في مراجعة نقدية شاملة ومسؤولة، لفكرها الديني الذي أنتجته عقول بشرية في ظروف وأوضاع اجتماعية وسياسية معينة، تلبية لطبيعة واقعها المعيّن ومحدداته وشروطه، دون الاستمرار في الغرق "بوحل" المعارك الخطأ في "الزمن" الخطأ أيضًا، وعدم "تسفيه" العقل والوظيفة المناطة به، ألا وهي التفكير لا التكفير، ومغادرة عقلية احتكار الحقيقة ورفض نسبيتها، وهذا طريق سلكته كل المجتمعات البشرية التي نهضت، وفتحت لها طريقًا نحو المعرفة والعلم والتقدم والعصرنة والحداثة. وتزداد أهمية تلك المراجعة النقدية في الحالة الفلسطينية ارتباطًا بخصوصيتها الشديدة.

المراجع:

[1]. خالد الحروب: تراجع الإسلاميين في العالم العربي: أفول الأيديولوجية ونزع قداستها، مجلة سياسات، العدد 9، رام الله، صيف 2009.

2. غازي الصوراني: حول القضايا السياسية والمعرفية وآفاق اليسار العربي والعالمي (حوار)، مطبعة الأخوة، غزة، ط.1، 2010.

3. نضال عبد القادر الصالح: المأزق في الفكر الديني بين النص والواقع، دار الطليعة، بيروت، ط.1، 2006.

4. محمد بن جرير الطبري: تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، الجزء الخامس،  دار المعارف، ط.4، 1979.

5. صالح الرقب: واقعنا المعاصر والغزو الفكري، مكتبة بيت المقدس، فلسطين، ط.2، 2009.

6. خالد الحروب: تراجع الإسلاميين في العالم العربي، مصدر سبق ذكره.

7. السيد يسِين: تحولات الأمم والمستقبل العالمي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2010.

8. عمرو الشوبكي: الحركة الإسلامية وإمكانية الاندماج في عملية التطور الديمقراطي، مجلة سياسات، العدد 4، رام الله، 2008.

9. مصطلح معرفي أطلقه ميشيل فوكو للإشارة إلى دراسة أشكال التاريخ، من أجل رصد التكوينات المعرفية والثقافية للظواهر، ثم تحليل أسباب سيطرة موضوعات معينة في تاريخ محدد، ويبدأ هذا المصطلح الذي يعني (علم الأنساب) من حيث انتهى مصطلح فوكو الأول وهو علم الآثار ـ الحفريات (الاركيولوجيا).

10. حسن خضر: مداخلة ثقافية حول صراعات الإقليم وهويته: داعش وفكرة الشر المطلق، مجلة سياسات، العدد 30، رام الله، 2014.

11. الأشعرية نسبة إلى إمامها ومؤسسها أبي الحسن الأشعري، حيث استدل الأشعري على العقائد بالنقل والعقل، فهو لم يتخذ من العقل حَكَمًا على النص الديني ليؤله أو يمضي ظاهرها، بل اتخذ العقل خادمًا لظواهر النصوص يؤيدها، وأُطلق على مذهبه هذا الجبرية.

12. خالد الحروب: تراجع الإسلاميين في العالم العربي، مصدر سبق ذكره.

13. نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط.2، 1994.

14. أحمد يوسف: استراتيجيات ما بعد الحرب على قطاع غزة: حماس والحاجة إلى مقاربات سياسية وأيديولوجية جديدة، مجلة سياسات، العدد 30، رام الله، 2014.

15. عدنان أبو عامر: الحركات الإسلامية والمشاركة السياسية والديمقراطية.. حماس نموذجًا، في الحركات الإسلامية وأسس الشراكة السياسية في النظام السياسي الفلسطيني (وقائع مؤتمر)، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية – مسارات، رام الله، ط.1، 2014.

16. محسن أبو رمضان: حماس في الحكم- الآثار السياسية والمجتمعية، قطاع غزة (2006-2009)، مكتبة جزيرة الورد، القاهرة، ط.1، 2010.

17. [1]. عمرو الشوبكي: الحركة الإسلامية وإمكانية الاندماج، مصدر سبق ذكره.

18. غازي الصوراني: الماركسية والدين والعلمانية والديمقراطية، غزة، ط.1، 2013.

19. صبحي غندور: عن أيِّ عِلمانيةٍ نتحدّث؟! موقع بوابة الهدف الإخبارية، بتاريخ: 6 آذار (مارس) 2019: http://hadfnews.ps/post/5243