Menu
حضارة

فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن

حاتم استانبولي

السؤال الجوهري: هل كان يمكن لإسرائيل أن تقوم لو لم تتم صفقة سايكس بيكو؟ سايكس بيكو أنشأت حدودًا لدولٍ افتراضية وصنع لها نظم كمبرادورية وعمل على تشريعها في إطار الحدود التي فرضها! من أجل تهيئة شروط مسبقة لقيام (دولة إسرائيل) واحتضان النتائج المأساوية لقيامها لفرض شروط الإقامة الجبرية والذوبان للشعب الفلسطيني وتحويل التناقض من تناقضٍ مع الكيان المستعمر لتناقضٍ بين القضية الفلسطينية وحاضنتها العربية! هذه العناوين التي علينا الإجابة عليها!

هل أدركت الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية أهمية هذا السؤال؟

الوقائع القائمة تقول إنّ أزمات الشعوب هي جدران سايكس بيكو وأنظمتها، هذه الجدران التي نُصِبت لتقطيع أواصر التواصل بين شعوب المنطقة وعملت النظم القائمة على التعاطي مع هذه الجدران على أنها حواجزٌ لحظائرَ خاصة بالنظم الكمبرادورية، وبقدر حفاظها على الجدران بقدر ما يتم رعايتها، وعليها أن تعيد تشريع ذاتها في كل مرحلة وإذا لم تستطع فإن البدائل دائمًا جاهزة من بنية هذه الأنظمة.

الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية عليها أن تعيد النظر في كل بنيتها الفكرية القائمة، التي حصرت نتاجها الفكري على قاعدة حدود وجدران سايكس بيكو.

مائة عام ونحن نحاول توسيع جدران سايكس بيكو، ونعتبر أن خصمنا هو من يقف خلف الجدار، في حين أن من يعيش  خلف الجدران له ذات المصالح ولا يمكن أن يعيش ويتطور بوجود الجدران.

المشكلة أن الجميع يريد التغيير، ولكنهم يريدونه بلا تضحيات. إنهم يعيشون على وهم أن هذه النظم من الممكن أن تُصلِح نفسها، ولا يرون أن قيامها كان لخدمة مشروعٍ وليد رأس المال في المنطقة.

لقد عملت هذه النظم طوال 70 عامًا على حماية الوليد، الذي أصبح الآن شابًا وتغيرت المهمة من حمايته إلى حمايتهم.

الحركة الوطنية الفلسطينية (م. ت. ف.) عانت منذ نشأتها من تعارضٍ داخليّ، بين رؤيتها للتحرر الوطني وبروز بعض اتجاهات داخلها كانت تريد أن تُفصّل مرحلة التحرر بما يتناسب مع معطيات سايكس بيكو، وكانت نتيجة التعارض دائمًا تقود إلى تحويل وجود المحتل المستعمر إلى قضية خلافية حول الشعار الناظم للحركة الوطنية الفلسطينية.

الحركة الوطنية الفلسطينية كان صراعها ما قبل عام 1947 قائمًا مع الاستعمار البريطاني المباشر، وهو الطرف الذي أعطى وعدًا للحركة الصهيونية لإقامة دولة يهودية في فلسطين, وهو الذي عمل على تهيئة الظروف السياسية والديموغرافية لقيام الدولة اليهودية، إن كان على صعيد الأمم المتحدة أو على صعيد الإقليم، والأهم كان عمله على صعيد الإقليم.

إن أخطر ما واجهه الشعب الفلسطيني هو إلغاء هويته في قراريْ التقسيم؛ حيث كان النص يتحدث عن قيام دولتين: عربية ويهودية. إن إلغاء التسمية الفلسطينية ووضعها في الإطار العربي كان في الجوهر هو خدمةً للمقولة الصهيونية بأن الدولة اليهودية ستقام على أرضٍ بلا شعبٍ، وأن الصراع هو مع محيط الدولة العربي (النظم التي أُسِّس لها دولٌ).

والأخطر؛ أن الأمم المتحدة ولأول مرة وخلافًا لميثاقها، توافق على قيام دولة على أساس ديني، وهذا يتناقض مع جوهر ميثاقها، الذي يعتبر أن الدين هو معتقد، ولا يمكن أن يكون أساسًا لدولة.

الدولة الوحيدة التي قامت على هذا الأساس هي دولة الفاتيكان، التي كان قيامُها نتيجة لظروف تاريخية خاصة في أوروبا، ما قبل ظهور العامل القومي في إعادة تشكيل القارة الأوروبية، وانتقالها من مرحلة الإقطاع التي كان للكنيسة دورٌ هام سياسيًا واقتصاديًا فيها، هذه الحالة كانت ما قبل إنشاء عصبة الأمم وتحوّلها إلى منظمة الأمم المتحدة.