Menu
حضارة

إفلاس

لسنواتٍ، أنفقوا الأموال في بذخ أمراءٍ تحتهم خزائنُ لا تنضب، واتخذوا الحراس والحاشية والأتباع، سيارات، خيول، بيوت، حسابات بنكية. أبناؤهم محيطهم زوجاتُهم، شركاؤهم في الأعمال التجارية، كلهم تصرفوا كمن ملك هذه الدنيا للأبد.

كل هذا تحت الاحتلال، ومن سلطاتٍ تدرك أنها محض وهم، جرى التصرف بما أُتيح لهذا الشعب من موارد على أنها كنوزٌ هبطت من السماء، واستخدمت في كل ما لا يفيد، دون أدنى اعتبارٍ للواقع المعيشي أو السياسي الذي يعيشه شعبنا. وهنا، من المفيد التذكير بأن هذا المال المُهدَر، لم يدفع ثمنه إلا أبناء شعبنا، من حقوقهم وحريتهم.

من تابع التدفق المالي المستمر منذ الأيام الأولى لمشروع السلطة، يدرك جيدًا أن استخدام هذا المال في التنمية، لم يكن خيار الممول أو المتلقي أبدًا، بل كان الهدف ضمان خلق منظومة فلسطينية مطيعة للمجتمع الدولي، تتغذى منه شهريًا وموسميًا، ويمكن خنقها وابتزازها في أي لحظة. وفي مواجهة ذلك كان رد الفعل الرسمي كما تعلمون، لا شيء، فقط مزيدٌ من الصرف ومزيدٌ من الهدر والتعيينات الفارغة.

ما سبق لا ينفصل عن النظام الضريبي الذي تم انشاؤه ليدمر الاقتصاد، وأُضيفت له نظم الجباية الشريرة المتعاقبة التي استحدثت في غزة بعد الانقسام من قِبَل حكامها، أو التي أدارتها حكومات السلطة الفلسطينية عن بعد مستهدفة بها الغزيين، لتقوض المشاريع الصغيرة، وتكرس الموارد المحدودة في يد قلة أحاطت بنخبتيْ الحكم البائستين.

اليوم، علينا كفلسطينيين أن نقف أمام هذا كله، وندفع ثمنه سياسيًا ومعيشيًا مرة أخرى، فيتقدم القائمون على أمر غزة لمسارٍ خطرٍ تحت ضغط الاحتياجات المعيشية التي عجزوا عن تلبيتها بعد كل هذا الهدر، فيما تعلن السلطة الفلسطينية إلقاء عبء فشلها المالي على الجمهور، والموظفين الذين سيدفعون الثمن من معيشة أولادهم.

ما يتم تقديمه كمشاريع ومسارات لمواجهة حالة الخنق المالي التي يتعرض لها الفلسطينيون، هي محض ممراتِ هروبٍ من المسؤولية، تلقي بها السلطات الرسمية عواقب فشلها على الجمهور، أو تبحث عن مخارج سياسية لازمات سوء إدارتها سياسيًا وماليًا، لتقدم معادلة للجمهور مفادها: إمّا أن التنازل عن الثوابت الوطنية أو الجوع وضنك المعيشة.

الحقيقة أن حشر شعبنا بين هذه الخيارات السيئة له معنى واحد، فشلٌ شاملٌ لمن قاد هذه المرحلة؛ فشلٌ سياسي، وإداري، و أخلاقي، وهذا الفشل يستوجب المحاسبة، كخطوة أولى نحو الإنقاذ الوطني من هذا الحضيض البائس.