Menu
حضارة

في يوم المرأة: صورة المرأة الفلسطينية في الواقع الراهن (ج2)

غازي الصوراني

حول دور المرأة الفلسطينية في النضال الوطني والمجتمعي

من المعروف لكل متابع أو باحث أو مؤرخ لتاريخ نضال شعبنا الفلسطيني و ثورته ضد الاستعمار البريطاني و الحركة الصهيونية ، أن المقاومة الفعلية ، بالتحضير و الإعداد أو المواجهة و الاستشهاد، استندت في سياق تطورها من الفكرة إلى التنظيم إلى الحركة الثورية، على الجماهير الشعبية الفقيرة و الفلاحين بصورة خاصة ، دون أي دور ملموس للنخب الشبه إقطاعية أو كبار الملاك (الأفندية) الذين كانوا واجهة هشة تصدرت قيادة الحركة الوطنية لحماية مصالحها الطبقية و علاقاتها مع القوى العربية الرجعية و غيرها ، و لم يكن غريباً أن جماهيرنا الشعبية المناضلة رفعت شعارها المعروف المعبر عن حقيقة الصراع آنذاك ، "يسقط الاستعمار و الصهيونية و الأفندية" .

وفي خضم هذا الصراع الوطني قامت المرأة الفلسطينية الفقيرة بالمشاركة مع الرجل ، زوجاً كان أو أباً أو أخاً، فباعت ما تمتلكه من مصاغ لتأمين البندقية ، و قامت بدورها في تأمين المعدات و السلاح و الغذاء و المعلومات ، "و بعضهن خضن مقاومة عنيفة بجانب رجالهن في ذلك الوقت و منهن من لبست الزي العسكري ، و تدربت على المقاومة المسلحة ، مثل فاطمة غزال ، التي استشهدت في معركة عزون قبل عام 1948، و مناضلة أخرى أطلقت النار على كابتن بريطاني في مركز جنين و أردته قتيلاً ، و ريفيات حكم عليهن بفترات سجن عالية تراوحت بين سبع لعشر سنوات ، إلى جانب "أخوات القسام" في حيفا القديمة اللواتي خضن غمار مقاومة شرسة بجانب رجالهن"[1].

و في الجانب الآخر من الصورة، نجد أن "نساء النخبة نجحن في تأسيس منظمات نسوية كانت مقتصرة بالأساس على تلك الشريحة من النساء ، من العائلات "العليا" أو "العريقة" شبه الاقطاعية والبورجوازية، المدنية والمتعلمة ، كما أن الأنشطة التي قامت بها نساء النخبة في ذلك الوقت كانت مستمدة بدرجة كبيرة من رؤيتهن لواقعهن الطبقي ، ومحدودة بحدود هذا الوعي ، وعندما نرى كيف انعكس فعل المقاومة (من قبل النسوة الفقيرات) على نساء النخبة ، سنجد أن الفجوة كانت كبيرة ، إذ كانت النخبة ترى دورها بالأساس (دورا فوقيا متعاليا) يقوم على النظرة "الخيرية" ، نظرة الأعلى للأدنى ، الغني للفقير ، ولم تساعد هذه النخبة (من زوجات وبنات كبار الملاك آنذاك) في تشكيل قيادة للنساء الريفيات أو تشكيل أي قاعدة لهن في الريف ، حيث لم تكن نساء الريف هدفا للتنظيم أو للمشاركة في أنشطة نساء النخبة ، الاستثناء الوحيد لذلك ، كان مشاركة الأخت ميمنة[2] ابنة المناضل عز الدين القسام في مؤتمر "نساء الشرق" – القاهرة،[3] عام 1938 ، الذي نظمته هدى شعراوي لمساندة قضية فلسطين ، حيث ألقت معظم المشاركات كلماتهن بالفرنسية والإنجليزية ، وعندما جاء دور ابنة القسام لتلقي كلمتها فقدت الوعي ولم تنطق بكلمة واحدة "[4] ، وهو مشهد معبر نتركه بلا تعليق ، دون أن ننسى أثر نكبة 48 التي  فرضت على المرأة الفلسطينية  أوضاعاً طارئة وقاسية بسبب ظروف اللجوء والتشرد والاغتراب ، بعد انهيار القاعدة الاقتصادية والاجتماعية لمجمل المجتمع الفلسطيني.

وليس من المبالغة في شيء القول بأن المرأة الفلسطينية في مرحلة ما بعد النكبة كان لها الدور الحاسم ، و بصورة عفوية ، في تأجيج المشاعر الوطنية و الحفاظ على الهوية و حق العودة ، إلى جانب تأجيج المشاعر الطبقية و الاجتماعية ، نظراً لشدة وعمق معاناتها، وتماسها اليومي المباشر مع كل مظاهر الحرمان والمرض والمعاناة اليومية، التي فرضت عليها تدبير ما لا يمكن تدبيره لأطفالها وأقاربها، في سياق المعاناة الأوسع على مساحة المخيم، التي تلف الجميع من أبنائه وبناته، في إطار من الرهبة والقسوة والخوف من الغد، والترقب والريبة، والحذر والاستنفار الدائم ، شكلت كلها مدخلا واسعا لاندفاع أبناء المخيم ومشاركتهم النوعية والكمية الهائلة في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية منذ ما بعد النكبة الأولى (1948) إلى يومنا هذا.

 لكن الاشكالية الكبرى بالنسبة للمرأة، وإمكانية مساهمتها في العمل العام ، تكمن في غياب الحركات و الجمعيات و المنظمات النسائية حتى عام 1964 حيث تم تشكيل "الاتحاد النسائي الفلسطيني" ثم "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 1965"  ، لكن هذين الإطارين عجزا عن تأطير المرأة الفلسطينية أو الإسهام في توعيتها لقضاياها العامة والخاصة ، بسبب مظهرهما الشكلي والنخبوي ، واستخدامهما لأغراض سياسية فئوية، فعلى الرغم من عمق تأثير ذلك الدور العفوي للمرأة الفلسطينية ، في مخيمات الضفة و القطاع و الشتات ، و بالرغم مما تعرضت له من صنوف الاضطهاد ، لم يكن هناك أي دور ملموس للحركات أو المنظمات النسائية حتى عام 1964 حينما تأسس "الاتحاد النسائي الفلسطيني" الذي كان من أهم أهدافه "رفع مستوى المرأة اقتصادياً و اجتماعياً و صحياً و رعاية المرأة العاملة و رعاية الأمومة و الطفولة" .

وبعد إنشاء م.ت.ف تأسس "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية" عام 1965 ، و أهدافه "تعبئة المرأة الفلسطينية في جميع المجالات و النهوض بمستوى المرأة الاجتماعي و الاقتصادي و الصحي و الثقافي و القانوني …الخ" إلى جانب بعض الجمعيات الخيرية في الضفة و القطاع ، إلا أنه طوال المرحلة من 1948 –1967 ، لم تتبلور حركة نسائية ذات طابع وطني اجتماعي ، على الصعيد الجماهيري في أوساط النساء الفلسطينيات، و ظل نشاط الاتحادات و المنظمات و الجمعيات الخيرية النسوية ، قاصراً على أعداد محدودة من النساء، عبر اللقاءات و الاجتماعات النخبوية أو في إطار الأحزاب السياسية الوطنية و القومية و اليسارية آنذاك ، وبقي هذا الوضع على حاله حتى هزيمة حزيران 1967 ، و صعود نشاط و فاعلية حركة المقاومة الفلسطينية كعنوان وإطار رئيسي تغلّب على كل النشاطات المدنية و الاجتماعية الأخرى، مما أدى إلى تراجع نشاط الجمعيات و الاتحادات النسائية –على قلته و ضعفه- لحساب فصائل المقاومة الفلسطينية ، التي استوعبت معظم العناصر النسوية، العاملات في النشاط العام و اندماجهن في العمل السياسي عبر علاقتهن التنظيمية كما هو الحال في راهن حزبنا/ جبهتنا التي استطاعت تحشيد نسبة عالية من الرفيقات ضمن الأطر الحزبية والجماهيرية.

و في هذه المرحلة منذ عام 67-1993، شاركت المرأة الفلسطينية بصورة واضحة، رغم نسبيتها، في مسيرة النضال الفلسطيني، بكل أشكاله، في الكفاح المسلح، وعلى الصعيد الوطني الاجتماعي، و في العمل السري المنظم في الضفة و القطاع.

وفي هذا الجانب أشير باعتزاز إلى الدور النضالي الطليعي للرفيقات اللواتي قمن بتنفيذ الكثير من المهمات التي لم تتوقف عند الجانب النضالي أو التنظيمي السري أو الاعتصامات والمظاهرات والمهام الوطنية الأخرى، بل امتدت في تطويرها نحو الإسهام في تشكيل العديد من الأطر والمنظمات و الجمعيات النسوية، ذات الطابع الجماهيري الوطني العام في الأراضي المحتلة عموماً وفي قطاع غزة خصوصاً حيث ساهمت المرأة الفلسطينية بدور ملحوظ في مسيرة العودة وفي العديد من الأنشطة المرتبطة بالأسرى والقضايا الوطنية السياسية والمجتمعية الأخرى، إلى جانب مساهمة المرأة الفلسطينية في المنظمات النسوية التي اتخذت في تشكيلها لوناً سياسياً أو حزبياً يعبر عن الانتماء لهذا الفصيل أو ذاك، ولكن العضوية في هذه المنظمات النسوية (السياسية و الخيرية الاجتماعية)، اقتصرت على أعداد محدودة من النساء ، فرغم نشاطاتها الوطنية الملموسة ، إلا أنها لم تأخذ بعداً جماهيرياً، ولم تتحول إلى حركات ذات طابع اجتماعي أفقي على صعيد المجتمع الفلسطيني أو القطاع النسائي في الضفة و القطاع والشتات.

على أي حال، ورغم تقديرنا لكل هذه النشاطات النسوية، وتعدد منظماتها الذي ساهم، بصورة غير مباشرة أو مرسومة، في خلق مناخ عام من الحوار و التعدد الديمقراطي، بالمعنى الاجتماعي والسياسي العام، في إطار النخب النسوية، إلا أن هذه المنظمات والجمعيات، التي ضمت في صفوفها أعداداً كبيرةً نسبيا لم تكن هذه العضوية تعبيرا عن شكل ومضمون الالتزام السياسي بالمعنى الحزبي المطلوب، بقدر ما كانت –وما زالت- تعبيرا عن طبيعة تكوين هذه الأطر النسوية التي لم تشترط موقفا سياسيا مسبقا ، كما أن انفتاحها أو غياب شروط الانضباط التنظيمي فيها، إلى جانب هامش الحرية المتاح في الحركة أو الممارسة أو الظهور ، كل ذلك وفر المناخ أو عوامل الجذب لمجموعات من النخبة النسائية في المشاركة في هذه الأطر ، مع إقرارنا بوجود قيادات نسائية من الكوادر المنظمة في الفصائل والأحزاب الوطنية عموماً وفي جبهتنا الشعبية خصوصا،ً كانت لهن أسبقية المبادرة والقيادة والدور ، وفي هذا السياق ، لم يكن للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية دورا هاما أو ملموسا بصورة مميزة في الضفة أو القطاع في تلك المرحلة وما بعدها والى اليوم.

وعلى الرغم من هذه الأوضاع، فقد كان لنشاط المرأة الفلسطينية الفقيرة في مخيمات وقرى الضفة والقطاع، دورا بارزا وملموسا بصورة يومية في مقاومة الاحتلال عبر الانتفاضة ، فقد قدمت المرأة الفلسطينية نسبة 7% من شهداء الأعوام 1987-1997 و9% من جرحى الانتفاضة، وأكثر من 500 معتقلة فلسطينية في السجون الإسرائيلية طوال مرحلة الاحتلال والانتفاضة[5] ،فيما قدمت المرأة حوالي 5.9% من شهداء انتفاضة الاقصى خلال الفترة 29/9/2000 – 31/12/2003 بمعدل13.8 لكل 100 الف نسمة، إضافة لحوالي 9.7% من الجرحى بمعدل 2 لكل 1000 نسمة [6]، ومنذ انتفاضة الاقصى تم اعتقال أكثر من 300 إمرأة، إضافة إلى 3 معتقلات رهن الاعتقال سابقا، ولا تزال 109 امرأة رهن الاعتقال ويشكلن 1.8% من إجمالي عدد المعتقلين الموثقين ومن هذه المعتقلات 40 معتقلة ما بين متزوجة وأماً، علاوة على معتقلتين أنجبتا في السجن [7]. وقد تميز هذا الدور بطابعه العفوي غير المنظم في جمعيات أو منظمات غير حكومية أو أطر نسوية أخرى، فقط كانت الدوافع الوطنية –عبر انتماء كل الجماهير الشعبية الصادق للقضية الوطنية مدخلا ووعاءً، عبر عن حالة التوحد الشعبي الداخلي والتفافه حول الشعار المركزي التوحيدي الناظم لكل الجماهير على قاعدة وحدة الأرض والشعب والمنظمة بكل فصائلها من أجل تقرير المصير وحق العودة والدولة .

تجدر الإشارة ، إلى أن دور المرأة في الانتفاضة الأولى، كان أكثر اتساعاً وشمولية في أهدافه الوطنية والديمقراطية والمطلبية من الانتفاضة الثانية ، خاصة وأن مطالب النساء في تلك المرحلة (1987-1992) كانت أوسع مما هي عليه الآن، في ضوء المناخ الديمقراطي آنذاك، الذي انقلب وتغير عبر دور حركة حماس التي نجحت في التأثير السلبي على الشعارات والقضايا الديمقراطية والمطلبية للمرأة الفلسطينية، مما أدى إلى تراجع ملموس في هذه القضايا ، وقد زاد من قوة هذا التراجع أن حركة " حماس" استطاعت التأثير في قطاع واسع جداً من المرأة الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة ، اللواتي تخلين عن كل طروحات وشعارات القوى الديمقراطية والعلمانية في م.ت.ف، لحساب شعارات حركة حماس ذات الطابع الديني والغيبي المرتبط بالتراث والعادات والتقاليد ، حيث نجحت حماس في هذا التوجه، مستغلة في ذلك الحالة الدينية والتراثية للمجتمع الفلسطيني المحافظ، إلى جانب ضعف وعي المرأة الفلسطينية وتقبلها لشعارات حماس وتوجهاتها الدينية بصورة طوعية وعفوية .

فمنذ قيام السلطة الفلسطينية عام 1994 ، استمرت هذه الأوضاع على ما هي عليه ، بل تفاقمت بسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، وانتشار الفساد المالي والإداري ، الذي تطور بصور غير مسبوقة في المجتمع الفلسطيني ، وأدى إلى إنتاج العديد من المظاهر السلبية من حيث تزايد الفجوة بين الفقراء والأغنياء ، واستحواذ مجموعات في أجهزة السلطة على قسم هام من الثروة والدخل ،  ارتفاع نسب الجريمة والفلتان الامني وانتشار نظام المحسوبيات وفق قواعد التعامل مع "أهل الثقة" على حساب مبدأ أهل الخبرة والكفاءة ، إلى جانب تزايد الهبوط السياسي في أداء السلطة الفلسطينية ، وعجزها عن تحقيق الحد الأدنى من الأهداف الوطنية ، بحيث بات المناخ السياسي والاجتماعي مهيئاً لاشتعال الصراع والتناقضات الداخلية مع حركة حماس ، وصولاً إلى تفاقم هذه التناقضات  وتحولها إلى صراع دموي، تم حسمه لحساب حركة حماس في منتصف حزيران 2007 ، التي استطاعت منذ ذلك التاريخ أن تفرض رؤيتها الدينية السياسية أو ما يعرف بمنطق ورؤية الإسلام السياسي على المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، الذي عاش منذ ذلك التاريخ ، نوعاًَ من التراجع الملموس في كل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية للمواطنين عموماً وللمرأة بشكل خاص . 

كما أدى الصراع والانقسام بين حركتي فتح وحماس، وحكومتيها غير الشرعيتين في الضفة وغزة، إلى تزايد حالة التشرذم والتفكك السياسي والقيمي للحركة النسائية الفلسطينية، التي توزعت من حيث الولاء والتنظيم والمصلحة الشخصية، فيما بين حركة فتح والسلطة في رام الله ، وحركة حماس في غزة ، مع بقاء مجموعات قليلة من النسوة في إطار القوى اليسارية والوطنية الأخرى خاصة في حزبنا/ جبهتنا استطعن اثبات وجودهن السياسي والجماهيري بالمعنى الطليعي في إطار العمل التنظيمي والوطني والنسوي العام.

على أي حال ، و بالرغم من هذه الصورة ، و تعدد المعوقات ، فهناك المئات من النساء الطليعيات اللواتي ساهمن بدورهن في مسيرة الكفاح الوطني عموماً و في مسيرة النضال الاجتماعي – الحضاري من أجل تخليصها من كل الموروثات السالبة، و تحريرها و خلاصها من كافة المعوقات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية على وجه الخصوص.

كما أشير أيضاً ، إلى مبادئ الأمم المتحدة ومنظومة حقوق الإنسان ، التي شكلت أساسا مرجعياً ، أضفى مشروعية كاملة وشاملة على المطالب التي رفعتها الحركة النسائية، و شكلت المواثيق الدولية التي تعني بحقوق الإنسان، خصوصاً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إطاراً قانونياً لمساواة المرأة في الحقوق المدنية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية،  وجاءت اتفاقية القضاء علي كافة أشكال التمييز ضد المرأة كتتويج لسياق قانوني تشريعي منصف للمرأة، ويستجيب لمطالبها في المساواة، ورفض التمييز ضدها من أي نوع كان . إلا أن العلاقات الاجتماعية والسياسية المنقسمة السائدة في بلادنا حتى اللحظة، ما زالت تشكل قيداً على تحرر الإنسان، بسبب تعمق عوامل ومظاهر الانقسام والصراع على السلطة والمصالح الفئوية ، التي فاقمت بدورها من مظاهر الانحطاط والتخلف الاجتماعي نتيجة تكريس التطور المشوه والتبعية وهيمنة الشرائح الاجتماعية البيروقراطية والطفيلية والكومبراورية على فريقي الصراع في الضفة وقطاع غزة، ما أدى إلى انتشار وتعمق مظاهر الاستغلال الاقتصادي والاضطهاد الطبقي والبطالة والفقر التي انعكست بصورة سالبة على حياة المرأة في "مجتمعي" الضفة والقطاع.

علي أي حال، إن المرأة الفلسطينية التي شاركت في مسيرة الكفاح الوطني ، وَأجَّلت بصورة طوعيه أو إكراهية، نضالها من أجل حقها في المساواة مع الرجل في المرحلة السابقة ، من حقها على كافة القوى الوطنية الديمقراطية عموماً واليسارية خصوصاً أن نقف إلى جانبها بكل وعي و التزام ، دفاعاً عن كل حقوقها في المساواة و الحرية الشخصية و المدنية القانونية و غير ذلك من الحقوق ، عبر إنهاء حالة الاغتراب للمرأة داخل هذه القوى والأحزاب، وتعميق المفهوم والعلاقة الرفاقية القائمة على الاحترام العميق والحرص والتوازن الكامل والمساواة ، إذ ان تطبيق هذه الممارسة داخل الحزب يشكل مدخلا لتطوير العلاقة الإيجابية مع المرأة عموماً والمرأة العاملة خصوصاً ، بما يجسد الموقف الجدلي الصحيح في الجمع بين النظرية والممارسة . وفي ضوء هذه الرؤية يصبح نضال المرأة من أجل حقوقها الشخصية و الاجتماعية و المدنية والسياسية أمر مشروع و ضروري ، خاصة في ظل انقسام السلطة وتفككها وعجزها عن القيام بتغيير أو تخفيف معاناة المرأة في معظم جوانبها الحياتية و القانونية ، بما يتطلب وضوح موقف كافة القوى السياسية في المطالبة بإلغاء كافة التشريعات و القوانين و الأنظمة القديمة ، مثل قانون حقوق العائلة لسنة 1954 المعمول به في قطاع غزة ، و قانون الأحوال الشخصية الأردني لسنة 1976 المعمول به في الضفة الغربية.

حول مشاركة المرأة في الأحزاب والفصائل الفلسطينية

بداية، أشير إلى أن تراجع دور الحركة النسائية، كحركة ديمقراطية اجتماعية مطلبية في فلسطين، هو انعكاس مباشر عن تراجع دور م.ت.ف ومعظم فصائل الحركة الوطنية في تفعيل القضايا و المطالب الوطنية الديمقراطية للمرأة ، و إذا كان لهذا التراجع أسبابه الموضوعية و الذاتية، إلا أنه شَكَّل غطاء أو ذريعة لانتقال العديد من الكوادر النسائية، نحو العمل في المنظمات و المؤسسات الأجنبية غير الحكومية ، التي انتشرت في مرحلة ما بعد أوسلو بصورة كمية واسعة غير طبيعية ، لاستيعاب هذه الكوادر من النساء والرجال، بل و ساهمت في خلق المناخات و المغريات المادية، التي أدت إلى فك ارتباط هذه الكوادر بأحزابها، و تحويل معظم النشاطات النسائية، والمجتمعية الأخرى، وتمركزها في هذه المنظمات، بعيداً عن إطار العمل السياسي و دوره في العمل الجماهيري المنظم ، استجابة لإغراءات [8]NGO'S ، المتمثلة في الرواتب والامتيازات المالية والإدارية الأخرى فيما يتعلق بالأجور والنفقات العالية بذريعة التدريب والسفريات والوفود والمصروفات الباذخة المخصصة لما يسمى بـ "المؤتمرات والندوات" حول قضايا نخبوية، بعيدة تماماً، عن قضايا الناس وهمومهم الوطنية والطبقية، وفق مضامين وشعارات محددة سلفاً من الممول الغربي، في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وغيرها من الدول ، بهدف وحيد يندرج تحت ما يسمى بـ"السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل" تتفرع منه عناوين جانبية باسم "الحكم الصالح" أو "حقوق الإنسان" أو "الجندر" أو "التنمية المستدامة" ... إلخ هذه القضايا التي لا يمكن تحقيق أي منها طالما بقي الاحتلال الصهيوني جاثماً على أرضنا، رافضاً بقوة العدوان والبطش، أي خطوة تستجيب لقرارات الشرعية الدولية أو غيرها من القرارات.

وفي هذا الجانب، فإننا لا نجافي الحقيقة، عندما أؤكد على أن الأحزاب السياسية، ذات الهوية اليسارية، وخاصة جبهتنا الشعبية أتاحت أوضاعاً أفضل للنساء، من حيث المشاركة التنظيمية والسياسية والمجتمعية، وتبوء المواقع القيادية، والمساواة في الحقوق وهو موقف جبهاوي اعتمده حزبنا على قاعدة المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، على الرغم من أن العديد من الفصائل والحركات السياسية (خاصة حركتي حماس والجهاد) وبعض الجمعيات والاتحادات ذات الطابع اليميني، بالغت في مراعاة التقاليد، وصمتت عن سلوك عضواتها "الحريص" على عدم تحدي قيم المجتمع، خوفاً على قاعدتها الشعبية، التي يمكن أن تهتز جراء طرح مسألة تحرر المرأة بشكل واسع، لكن تحليلنا هذا لا يلغي أو يتجاوز بعض الممارسات في بعض الفصائل اليسارية وبدرجات أقل في حزبنا ، لازالت تجسد أو تقترب من المواقف والرؤى والسلوكيات النقيضة لطروحات والمبادئ اليسارية، حيث نلاحظ أن بعض النسوة من الرفيقات أو غيرهن مازلن يلبسن الحجاب ويتمسكن ببعض العادات والتقاليد البالية، إلى جانب الضعف الشديد في وعيهن للقضايا الديمقراطية المجتمعية التي تنطلق من مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.

وفي هذا السياق، يمكن القول أن التركيبة الذهنية لمجمل عضوات الأطر النسائية في فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية وبعض فصائل اليسار، هي تركيبة أقرب إلى ذهنية وسلوكيات المجتمع التقليدي بكل مظاهر تخلفه، وكذلك الأمر بالنسبة لعضوية المرأة في الجمعيات والاتحادات والمؤسسات المرتبطة بالمرأة، حيث نلاحظ ممارستهن للذهنية والسلوكيات التقليدية أو المحافظة، ما يؤكد على ذلك أن أكثر من 90% من النسوه المشاركات في كافة الاتحادات النسوية في إطار م.ت.ف يلبسن الحجاب ، ونسبة لا تقل عن 2% منقبات، ما يعني – وهذه إشكالية – أن القاعدة النسوية لهذه الاتحادات لا تختلف عن مثيلتها في حركات حماس والجهاد وفتح، بما يؤكد على ضعف أحزاب وفصائل م.ت.ف في تأهيل الكوادر والقيادات والقواعد النسائية المنتمية إليها أو  المحسوبة عليها، إلى جانب استمرار اتساع الفجوة –الثقافية والفكرية والسلوكية - بين القيادات النسائية وبين قواعدها، وهذا كله لا يلغي الدور الطليعي الكفاحي والتضحوي المتميز للعديد من الكوادر النسائية في الحركة الوطنية الفلسطينية.

إن مصداقية الموقف الموضوعي إزاء المرأة ، من وجهة نظر حزبنا/جبهتنا ، وهي وجهة نظر تنطلق من الرؤية الماركسية ومنهجها ، يجب ألا ترتبط بالأزمة المجتمعية وقيمها الهابطة وتقاليدها الرجعية، بل يجب علينا أن تؤكد نظرياً، وعلى صعيد الممارسة، على رؤيتها التقدمية، التي تقوم على توسيع وتعزيز الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمرأة الفلسطينية في المجتمع، وأن تلتزم بتطبيق شروط العضوية فيها – كما نصت عليه مواثيق مؤتمراتنا – وخاصة أن نتخذ موقفاً علمياً تقدمياً من مسألة المرأة وأن يلتزم حزبنا بممارسة هذا الموقف عبر ثقافة داخلية تقوم على نبذ التعصب، وإعطاء دور أساسي للمرأة، مساوٍ لدور الرجل، وأن برنامجها نحو المجتمع، برنامج ديمقراطي تقدمي يقوم على دعم حقوق المرأة، خاصة المشاركة السياسية وأخذ مكانتها في كل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقانونية وغير ذلك من القضايا الحياتية ، وذلك انطلاقاً من أن المرأة تستطيع أن تلعب دوراً رئيسياً لأنها تمثل نصف المجتمع، وأن ثقافة الديمقراطية ونبذ التعصب تصب في مصلحة المرأة وحقوقها وحرياتها، مثلما تصب باتجاه إنهاء الانقسام وتراجع الاتجاهات التعصبية ووحدة واستقرار المجتمع، لأن جذر المشكلة يعود –ضمن أسباب متنوعة- إلى ضعف مصداقية ووعي الأحزاب بمبادئها وأفكارها ، وضعف منهجيتها الديمقراطية وممارستها إلى جانب ضعف ثقافة المشاركة والحوار مع المرأة كند حقيقي للرجل .

في ضوء ما تقدم ، فإن من أهم أولويات حزبنا/جبهتنا ، في سياق عملية النضال الوطني الديمقراطي ، الوقوف ضد كل المحاولات التي تهدف إلى خنق صوت المرأة الفلسطينية وحقها في التعبير عن رأيها و مطالبها القانونية المجتمعية العصرية الحديثة التي تتطلع إليها، لأن قضية المرأة في رأينا تتجاوز التفاصيل العامة –رغم أهميتها- المرتبطة بمواضيع الزواج الإكراهي المبكر أو الموقف ضد تعدد الزوجات أو التوريث أو الشهادة في المحاكم ، فهي قضية وطنية ديمقراطية ترتبط بعملية التطور و النهوض، لنصف المجتمع ، و بالتالي فإن الانتصار في هذه القضية سيشكل الخطوة الرئيسة عبر العمل المنظم المشترك بين الرجل و المرأة معاً ، نحو تقدم مجتمعنا على طريق التطور الديمقراطي العقلاني الحديث عبر الانعتاق من كل مظاهر التخلف و التبعية و الفقر و القهر و الاستبداد. 

أخيراً ، تظل مهمة تحرر المرأة وانعتاقها ، مرتبطة بعملية تغيير البنية الاقتصادية الاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية ، كهدف رئيسي ، يوفر الفرص والعوامل الموضوعية والذاتية للمرأة في بلادنا، لكي تبدأ دورة جديدة في حياتها ، تقطع تماماً مع كل أشكال الظلم والقهر والاضطهاد الذي تعرضت له تاريخياً وما تزال تتعرض له، وهذا يعني ويتطلب في آن واحد ، إعادة تجديد البنية التنظيمية والفكرية والأخلاقية للأحزاب والحركات اليسارية الديمقراطية في بلادنا ، بما يمكنها من إلغاء كل أشكال تخلفها ومواقفها تجاه المرأة ودورها الموازي والمساوي تماماً لدور الرجل ، شرط أن تمتلك هذه الأحزاب رؤية استراتيجية تنطلق بداية من أن انتصار الطبقات الكادحة يشكل الخلاص الوحيد ليس للفقراء الذكور فحسب وإنما أيضاً للمرأة المقهورة ولكل المجتمع ككل، مدركين أيضاً أن الشرائح الكادحة والفقيرة عموماً ومن العمال والفلاحين خصوصاً لا يمكن أن تحقق تحررها التام ، إلا إذا تحققت الحرية التامة للمرأة ، والمساواة الاجتماعية لها ، ما سيضمن مشاركة المرأة بصورة فعالة إلا أبعد الحدود جنباً إلى جنب مع شريكها الرجل في النضال الثوري الديمقراطي من أجل تحقيق الأهداف الكبرى في التحرر والتقدم والاشتراكية والوحدة.


[1] إصلاح جاد – دراسة حول : الأطر و المنظمات النسوية غير الحكومية – الحركة النسوية الفلسطينية – مواطن – رام الله – 2000 ص70

[2]  في شتاء عام 92 ، قمنا ضمن وفد من الشخصيات الوطنية على رأسه المناضل بهجت أبو غربية في الأردن بزيارة خاصة للأخت ميمنة عز الدين القسام ، بمناسبة الذكرى السابعة والخمسين لاستشهاد والدها ، حيث كانت تقيم في أحد المناطق الفقيرة في عمان في بيت غاية في التواضع ، وبسؤالنا إياها عما إذا كان قد زارها أحد من المنظمات النسائية أكدت أنها لا تعرف أحدا منهن .

[3]  تشكل الوفد النسائي الفلسطيني من نساء من عائلة الحسيني و أخريات من عائلة النشاشيبي ، و المعروف أن تقاسم المناصب بين هاتين العائلتين و الصراع بينهما آنذاك قسم المجتمع الفلسطيني بأكمله .

[4] إصلاح جاد – مصدر سبق ذكره ص71 .

[5]  تقرير المرأة والرجل في فلسطين –المجد للصحافة- صوت النساء –العدد 76 – 15/7/1999 .

[6]  التقرير السنوي لوزارة الصحة لعام 2003، مرجع سبق ذكره، ص108.

[7]  تقرير التنمية البشرية لعام 2004، مرجع سبق ذكره، ص77.

[8] والمعروف أن كبار الموظفين في المنظمات غير الحكومية يتقاضون راتباً شهرياً يصل في المتوسط إلى ما يزيد عن (3000 – 5000دولار)  ما يعني أن كل واحد منهم يحصل على دخل شهري يعادل ثمانية أضعاف دخل الأسرة الفقيرة، التي تعيش عند خط الفقر (500 دولار شهرياً) ويعادل أكثر من ستة وعشرون ضعفاً للأسرة التي تعيش تحت خط الفقر المدقع  (300 دولار شهرياً).  وهي رواتب  لا تدفع كاستحقاق موضوعي لجهود مبذولة ومتميزة أو لكفاءات غير اعتيادية ، بل  إن معظم هذه الرواتب تدفع بصورة مبرمجة من الجهات  الممولة لتحقيق اغراضها السياسية في إطار السلام المزعوم مع دولة العدو الإسرائيلي ،  تحت غطاء شعارات "حقوق إنسان " "تنمية مستدامة أو غير مستدامة" " جندر" "حكم صالح" وغير ذلك من الشعارات ... (فمن يدفع للزمار يحدد النغمة ).