Menu
حضارة

إدوارد سعيد.. منظومة فكرية جسدت أزمة الوجود العربي

إدوارد سعيد

مدحت عبد الدايم

على الرغم من مرور نحو عشر سنوات على رحيل المفكر العربي إدوارد سعيد إلا أن حضوره لا يزال طاغيا، بشخصيته الفذة، وعبقريته في مد جسور التواصل بين الشرق والغرب، ليظل قيمة وقامة، وأسطورة فكرية لا تفتر، ففي كل شهر تصدر دور النشر بالإنجليزية ولغات أخرى كتباً جديدة عن منجزه الفكري، وفي مقابل هذا العدد الكبير من الكتب التي صدرت عن إدوارد سعيد باللغة الإنجليزية خلال السنوات الأخيرة لم يصدر عنه في العربية سوى شذرات، معظمها مقالات تقريظية أو رثائية الطابع، وكأننا لا ندرك الأهمية الكبيرة التي يمتلكها عمل إدوارد، سواء على صعيد النقد المعاصر في العالم أو لجهة إسهامه الجذري في تحويل مفهوم التمثيل، وتفكيره العميق في ما يتعلق بمفهوم المثقف وقول الحقيقة للسلطة، وحض المثقف على المشاركة السياسية بالمفهوم العميق لهذه المشاركة.

ووفقا لكتاب الناقد فخري صالح "دفاعا عن إدوارد سعيد" والصادر مؤخرا عن" رؤية" للنشر، فإن الكتب الصادرة بالإنجليزية فقط عن "إدوارد سعيد" تكرس لكشف جوانب متعددة في شخصيته، وتستكمل ما سبق إليه نقاد وباحثون من أمثال ناعوم تشومسكي، وهومي بابا، وجاياتري سبيفاك، للتعريف بأعماله وأهميتها، وفي هذا الإطار كان فخري قد أصدر دراسته عن "إدوارد سعيد" محاولا تجاوز التركيز على الاستشراق وعلاقة الشرق بالغرب إلى التشديد على دور إدوارد في إعادة النظر في مفهوم الفلسفة والنقد الإنساني، وتقديم تأملات خاصة بالقضية الفلسطينية، وأزمة الوجود العربي الراهن، وكذلك الكتابة حول ما يسميه في كتاب صدر له بعد وفاته "الأسلوب الأخير" أي ما تصير إليه كتابة الكاتب، أو عمل الموسيقى، أو تأملات الفيلسوف، في أيامه الأخيرة، وهو يتأمل هاوية الموت التي تفتح شدقيها لتبتلعه، كما أن لدى إدوارد سعيد عدداً كبيراً من الدراسات التي كتبها عن الموسيقى الكلاسيكية، بصورة خاصة، والعروض الموسيقية وعروض الأوبرا الحية التي جمعت بعد وفاته وصدرت في كتاب تحت عنوان "الموسيقى في الحدود القصوى".

يكشف الكتاب عن أهمية كتاب إدوارد سعيد الإشكالي "الاستشراق" وما تركه من ميراث كبير يتعلق بدراسة مفهوم الاستشراق، بوصفه منظومة معرفية متجددة في الثقافة الغربية، إذ تحول الاستشراق التقليدي الذي نعرفه إلى ما يسميه إدوارد بدراسات المناطق التي تعيد فحص الشرق، وعالم الجنوب، في ضوء الرؤى الاستشراقية التي تتخفى في رداء معاصر، لكنها في الحقيقة صادرة عن التصورات الذهنية ذات الأغراض التي تحكم علاقة المعرفة بالسلطة، وتجعل من الآخر غير العربي وسيلة لتعريف الذات الغربية، مهملة تلك الذات الشرقية التي تتفحصها وتقوم بتعريفها، انطلاقا من موقع إدوارد في ثقافة العالم، وفي حقل الفكر النقدي، ونظرية المعرفة.

يعرض الكتاب لما تعرض له سعيد في سبتمبر 1999، من حملات أطلقها الإعلام الصهيوني الأمريكي وبعض الصحف والمجلات المتعاطفة مع اليمين الصهيوني في أمريكا وبريطانيا، وكانت مجلة " كومنتري" الأمريكية قد وصفته بأنه "بروفيسور الإرهاب"، ونشرت مقالاً لمحام يهودي أمريكي يدعى" جستس رايد فاينر" يتهم فيه سعيد بتزييف سيرته الذاتية، وأنه لم يدرس في مدرسة سان جورج في القدس ، ولا يصح أن يسمي نفسه لاجئاً، فأهله كانوا أغنياء وقد غادروا فلسطين قبل أن تسقط مدينة القدس نهائيا في أيدي عصابة الهاجاناه عام 1948، كما تبنت "الديلي تليجراف" البريطانية الحملة ونشرت تغطية استعراضية لنتائج البحث الذي قام به المحامي اليهودي، على مدار ثلاث سنوات، حول أملاك عائلة إدوارد سعيد في مصر واستقرار والده في القاهرة لفترة طويلة، ويلفت فخري إلى أن هذه الحملة كان هدفها سياسياً في الأساس، يترافق مع بدء استحقاقات الحل النهائي للقضية الفلسطينية، وترمي إلى تكذيب الرواية الفلسطينية عن الاحتلال والسلب، الذي بنى"إسرائيل" على أنقاض الشعب الفلسطيني وأرضه وحقوقه، وكان إدوارد سعيد ضحية ملائمة، لكونه مفكراً وناقداً وأكاديمياً لامعاً في أمريكا والغرب، ولكونه في الآن نفسه مدافعاً صلباً عن حقوق الفلسطينيين في الصحافة والمجتمعات الأكاديمية وعلى شاشات التلفزيون في أمريكا والعالم .

ويتصدى فخري للهجوم على "سعيد" بترجمة مقالة المحامي اليهودي بهوامشها، كما ترجم مقال الكاتب البريطاني كريستوفر هيتشنز، يرد فيها على ما يعده "أصدق تعبير عن الحق والكذب والزيف"، كما استعرض ما كتبته الصحافة الأمريكية حول الموضوع، محاولاً إعطاء صورة عن المكانة الكبيرة التي يحتلها إدوارد سعيد في الثقافة الغربية المعاصرة، بهدف الكشف عن الأسباب الفعلية التي تقف وراء الحملة، وأضاف ثلاث مقالات عن عدد من كتب إدوارد سعيد، التي تكشف نظرته إلى معنى الهوية ومفهوم المثقف والمشاركة السياسية، وهذه المقالات توضح أسباب اختيار المحامي اليهودي إدوارد سعيد ليشن عليه هجومه، فسعيد يمثل نوعاً من المثقفين العضويين الذين يصفهم في كتابه "صور المثقف"، وهو يفضل على الدوام تبني قضايا المضطهدين والمهمشين ومن لا صوت لهم، ويربط فخري المحاولة الدائمة للهجوم على "سعيد" بالقضايا والموضوعات التي يختارها للكتابة، فمكانته البارزة في الثقافة الغربية المعاصرة جعلته على الدوام هدفاً لسهام الحركة الصهيونية في الغرب ولليمين الأمريكي في الوقت نفسه، في ظل ما كتبه عن الثقافة الإنسانية انطلاقا من رؤية شمولية واسعة، ومعرفة بالعديد من اللغات، فضلا عن براعته في الحوار حول السياسة ومصائر البشر المعقدة.

ويلفت فخري إلى رفض سعيد للنظريات الأصولية في فهم الأدب والتاريخ، كتلك التي ترى في الأصل الغربي الأوروبي مصدر كل إشعاع حضاري، ويشيد بموقفه تجاه القضية الفلسطينية، خصوصا من خلال كتابه "غزة-أريحا: سلام أميركي" (1994). وبروز فكرة المنفى لديه والتي جاءت كبؤرة إشعاع متصل في نصوصه، وأبرزها:" الثقافة والإمبريالية" (1993)، و " ما بعد السماء الأخيرة: حيوات فلسطينية" (1986)، وكيف أنه كرس لفضح العبث اليهودي بالهوية الفلسطينية.

 

المصدر: الشرق