Menu
حضارة

مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (الجزء التاسع والأخير)

د. وسام الفقعاوي

التطور هو سمة وطبيعة الحياة التي لا ثابت فيها سوى التغيّر والتجدد، في حين أن الجمود هو سمة وطبيعة المؤسسات الاجتماعية التقليدية أو السلفية التي تنزع دائمًا نحو إما العودة إلى الماضي وإسقاطه على الحاضر كما هو، أو التقوقع على الذات خوفًا من "غريب" قادم، قد يخلخل بنيانها من خلال ضرب دعاماتها الافتراضية التي تعتقد أنها بحالة قوية، وليس عرضة للزعزعة والخلخلة وصولًا للانهيار أمام ما يسمى "الصدمة الحضارية أو الفارق الحضاري الشاسع، لكن من حيث تدري أو لا تدري تلك المؤسسات الاجتماعية، بأنه كلما اتسعت الهوة الحضارية ستخرج الحياة، أي (التغيّر والتجدد)، إلى الثورة والتحطيم.

فما الاستبداد والقهر والاضطهاد الذي أصاب حرية الفكر في زماننا العربي الحديث والمعاصر، سوى تعبير عن مستوى الانحطاط الذي وصلته السلطة السياسية في قهرها لمجتمعاتها في سياق المحافظة على سلطانها واستمرار حكمها، وبالتالي نفوذها وسطوتها وجاهها وثروتها، وكثيرًا ما استعانت هذه السلطة، بالسلطة الدينية، أي من نسميهم بمشايخ السلطان، في تشريع استبدادها واضطهادها وديكتاتوريتها، بما يضمن خضوع مجتمعاتها للسلطتين، من بوابة تعميم الجهل والإكراه وتقييد الحرية. 

عن حرية الفكر:

لا نغالي لو ذهبنا في القول إلى إننا نعيش اليوم الظلمة الأصولية وليس الصحوة، أو اليقظة، أو الانبعاث. والصحوة العقلية لن تجيء إلا بعد انجلاء هذه الظلمة، وهذه لن تنجلي قبل أن تأخذ مداها وأبعادها، قبل أن ترتكب كل حماقاتها وتفجيراتها، قبل أن تفقد مصداقيتها؛ فقبل انفجار الثورة الفرنسية كانت أوروبا تعيش ظلمة إقطاعية وأصولية استبدادية، ثم كان التنوير الفلسفي والانفجار الثوري الذي لحقه مباشرة، وهكذا انحلّت العقدة، وانفرجت أسارير التاريخ من جديد، ونهضت أوروبا لتدخل مرحلة جديدة نحو العصرنة والحداثة[1].

اقرأ ايضا: مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (ج 8)

إن الجمود الفكري المتعلق بمواضيع الدين والظاهرة الدينية وتاريخيتها؛ تشكل مقتلًا لحركة الحرية والإبداع في كل المجالات الأدبية والفنية والفكرية والسياسية، وبهذا ندخل في صلب ما يمكن تسميته بإشكالية العلمانية خاصة في المجتمعات العربية، حيث انتكست حرية الاجتهاد في تأويل النص الديني (القرآن الكريم)، سواء في القرون الغابرة أو في زمننا المعاصر. والحقيقة أن إعادة تأسيس حرية الاجتهاد ضرورة ملحة لأنه من دونها لا مجال لتأسيس الحريات العامة المختلفة[2]، ولا مجال لانتعاش حرية الضمير وحرية التعبير وحرية الاجتماع وحرية تشكيل الجمعيات وحرية الإنسان في الاختيار، والتي تعطي للإنسان كامل مساحة حريته، بحيث لا تتضاءل الحرية وتصبح فقط دفاعًا عن الطبقة المسيطرة -دينية كانت أم ليبرالية أم غير ذلك- اقتصاديًا وسياسيًا ولاستمرار أمنهم وراحتهم واستمرار ازدياد دخلهم[3].

وبالرغم من قيمة كل الكتابات والتحليلات التي تناولت مسألة انحسار حرية الفكر وانتشار سلطة الاستبداد والقهر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فإن أحدًا لم يتجاوز في بحثه عن سبيل لتخطي الاستبداد، من خلال البحث فيما وراء السياسة وصولًا إلى الثقافة، بما أن الأخيرة هي خطاب يؤسس لكل ممارسة، حتى السياسي منها، والحق أن ظروف الإخفاق الراهن – في مسألة الحريات والديمقراطية وغيرها- تقتضي الحفر فيما وراء كل ممارسة عن جملة المفاهيم والتصورات المعرفية المؤسسة لها في العمق؛ فدون هذا الحفر ستبقى الشروط المنتجة للإخفاق قائمة في العمق، بلا أي تجاوز. ومن هنا ضرورة البحث عما يؤسس لغياب كل ما هو إنساني وديمقراطي في عالمنا في بنية الثقافة السائدة، وليس في مجرد الشرطين الاجتماعي والسياسي، على أهميتهما.

اقرأ ايضا: مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (ج7)

إن الأهمية الرئيسية هنا، تكمن في ضرورة التفكيك المعرفي للتسلط والاستبداد في الواقع العربي، الذي دون تفكيكه ستظل مسألة الحريات غير واردة الحضور، كما ستظل حائلًا دون تبلور ديمقراطي أصيل. وعلى هذا فإن أزمة الحريات والديمقراطية في الوطن العربي، ليست أزمة تنظيمات أو وثائق سياسية ودساتير بقدر ما هي أزمة ثقافة لا تنتج سوى التسلط والاستبداد؛ لذلك فإن تجاوز ذلك الواقع غير مشروط بمجرد النقد السياسي الممارس من قبل فصائل المعارضة، بقدر ما هو مشروط بنقد ثقافة التسلط والاستبداد ذاتها؛ فدون هذا النقد الأخير لن ينتج الخطاب غير الاستبداد، حتى وهو يفكر في الحريات والديمقراطية[4].        

إن الطغيان والاستبداد والتسلط والديكتاتورية، مفردات لا تكاد تغيب عن قاموس حياتنا اليومية، السياسي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي معًا، ولن تغيب على الأرجح في المدى المنظور، وكأنها هي القاعدة كنزوع "طبيعي" في واقعنا القائم وغيرها استثناء، لا سيما في مجتمعاتنا غير المنتهية بعد من تحولها من حالة الجماعة الطبيعية (القبيلة) القائمة على رابطة الدم والنسب، إلى حالة المجتمع السياسي أو المدني القائم على علاقة الحياة الإنسانية المشتركة والعقد الاجتماعي. "ففي الحكم الاستبدادي أو الديكتاتوري هناك واحد فقط يحكم بلا قانون ولا قاعدة مسيّرًا الجميع وفق رغباته وأهوائه ونزواته الخاملة كما يرى مونتسكيو في كتابه "روح الشرائع" وهو ما يؤكده فولتير في كتابه "القاموس الفلسفي" عندما يعتبر أن ما يسميه الطاغية أو المستبد هو ذلك الحاكم أو العاهل الذي لا يعرف قانونًا سوى أهوائه، والذي يغتصب خيرات رعيته ويستعملهم في الذهاب لأخذ خيرات جيرانه[5].

اقرأ ايضا: مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (الجزء السادس)

تأسيسًا على ما سبق، فإن الأساس الذي يجب أن نسعى إليه هو أن يكون العقل عقلانيًا، وأن يُجسَّد في السلوك، في تفاعله مع احتياجات وتطلعات الجماهير الشعبية والاندماج في مساماتها، والخضوع لمنطقها ومستقبلها، من خلال عملية التجريد والتوضيح والتعقيل، لكي نتمكن من استبدال وتجاوز أوضاع الاستبداد والقهر والطغيان والديكتاتورية والاستغلال، واستبدال المنطق الموروث أو سلبياته المعرفية تحديدًا التي تتمظهر وتتجلى منذ القرن الرابع عشر حيث تعيش المجتمعات العربية حالة من المراوحة الفكرية على تراث الغزالي وابن تيمية وابن القيم الجوزية، أو ما يسمى التواصل المعرفي مع هذه المحطات السالبة في التراث القديم، خاصة بعد إزاحة ابن رشد، وابن خلدون، والفارابي، والكندي، والمعتزلة فرسان العقل في الإسلام من جهة، ومع الأنماط الاقتصادية والاجتماعية القديمة والحديثة أو الرأسمالية الرثة التابعة من جهة ثانية، وهو تواصل حَرِصَت عليه الطبقات الحاكمة في بلادنا بمختلف أشكالها وأنماطها التاريخية والحديثة والمعاصرة حتى يومنا هذا، وهو حرص استهدف دومًا إبقاء الوعي العفوي للأغلبية الساحقة من الناس في حالة من الجهل والتخلف بما يضمن استمرار مصالح الشرائح البيروقراطية والطفيلية الحاكمة[6].  

يبقى السؤال كيف لنا أن نخرج من الظلمة التي تخيم على مجتمعاتنا اليوم وتبقيها رهينة للجهل والتخلف والاستبداد؟!

في سياق الإجابة: التنوير كضرورة

لا جدال في أن عالمنا العربي والإسلامي في أشد الحاجة إلى حركة تنويرية في محاولة لإخراجه من حالة الجمود والجهل والتخلف والاستبداد التي تسيطر عليه منذ قرون طويلة، ولا جدال أيضًا في أن هذا أمر يقتضي بذل جهود كبيرة لتغيير العقلية العربية والإسلامية التي تتلمس طريقها وسط موجات من الاضطراب الفكري والظلمة التي تخيم على مجتمعاتنا العربية.

اقرأ ايضا: مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (الجزء الخامس)

والمتأمل في أوضاع مجتمعاتنا لا يحتاج إلى كثير من الجهد والعناء لمستوى التخلف والجهل إلى جانب الارتباك والحيرة المسيطرين على خطوات هذه المجتمعات. فهناك تيارات فكرية تحاول أن تشد هذه المجتمعات إلى الوراء متعامية عن مستجدات العصر، وما طرأ على العالم من تطورات جوهرية، وهناك في الوقت نفسه تيارات أخرى تحاول أن تجذبه من واقعه القائم بقوة قد تفقده توازنه وتقتلع معه جذوره، بل وتفقده هويته، ويبدو الأمر كما لو أنه خيار بين تيارين متطرفين يمثلان إفراطًا في جانب، وتفريطًا في جانب آخر بين تياري الأصالة والمعاصرة؛ ولكن الأمر على هذا النحو يعد تبسيطًا لمشكلة حضارية متجذرة على ما يبدو، ومن هنا فإن الحاجة تدعو إلى الوقوف على المشكلة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

فمن المعروف أن أوروبا في العصور الوسطى كانت تعيش في حالة من الظلام الدامس، وكانت واقعة تحت سلطة كنيسة طاغية تتعقب المفكرين أينما كانوا، وقد ظل الصراع هناك محتدمًا بين العلم والدين وبين المفكرين واللاهوتيين قرونًا عديدة، وقد نتج عن هذا الصراع انتصار الفكر وتقلص السلطة الكنسية واستقلال العلم عن الدين.

اقرأ ايضا: مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (الجزء الرابع)

ولقد قادت الانطلاقة الفكرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر العديد من المفكرين التنويرين، وبخاصة: جون لوك، وديفيد هيوم، ونيوتين في إنجلترا، وفولتير والموسوعيين في فرنسا، وليبتز وليسنج وكانت على وجه الخصوص في ألمانيا، وأصبح التنوير يمثل حركة عقلية أوروبية رأت في العقل الوجود الحقيقي للإنسان، وسعت إلى تحرير الحضارة من الوصاية الكنسية والنزعات الغيبية والخرافات، ودعت إلى التسامح، وآمنت بتقدم الإنسانية عن طريق تشكيل الحياة على أسس طبيعية وعقلية وعن طريق البحث العلمي.

ولم يكن التنوير يهدف فقط إلى الثقافة الأخلاقية للقلب وللعقل على المستوى الفردي، وإنما كان يهدف أيضًا إلى تغيير المجتمع، والسعي  إلى ما يعود بالخير والمنفعة على البشرية. فالتنوير إذن لم يكن هدفه الفرد فقط، وإنما كان في الوقت نفسه يستهدف المجتمع؛ وهكذا نرى أن مفهوم التنوير الأوروبي يعني التحرر من التعاليم الموروثة التي تم القبول بها على أساس سلطة ما، كما يعني إعادة صياغة الحياة على أساس من النظر العقلي، وإرادة العمل عن طريق العقل.

اقرأ ايضا: مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (الجزء الثالث)

ويرجع الفضل إلى الفيلسوف الألماني "إمانويل كانت" في استخدام هذا المصطلح كتعبير عن الحركة العقلية التي بدأت في أوروبا في القرن السابع عشر وبلغت أوجها في القرن الثامن عشر، وقد امتد تأثيرها في الحضارة الأوروبية كلها وفي الشعوب المتأثرة بالحضارة الأوروبية.

ويحدد" كانت" هذا المصطلح (التنوير) بقوله: "إنه خروج الإنسان من مرحلة اللارشد التي تسبب هو فيها"، واللارشد يعني عجز الإنسان عن استخدام عقله دون معونة من غيره.. وشعار التنوير هو: "لتكن لديك الشجاعة في استخدام عقلك.. وليس التنوير في حاجة إلا إلى الحرية".

اقرأ ايضا: مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (الجزء الثاني)

وعلى الصعيد العربي يعد ابن رشد من أعظم رواد التنوير في العالم، وقد كان لأفكاره في التمسك بالعقل تأثيرها البالغ في الشرق والغرب. كما كان هناك أيضًا مؤيدون ومعارضون لأفكاره وهذا شأن الأفكار العظيمة، لكنه في ذات الوقت أسيء فهمه وتعرض للتشويه والعقاب وحرق كتبه، فهو يعتبر فيلسوف تنويري على المستوى العقلي والديني على السواء، وتنوير ابن رشد يختلف في أهدافه ووسائله عن التنوير الأوروبي نظرًا لاختلاف الظروف والملابسات التي سادت في المجتمع الأوروبي والمجتمع الذي عاش فيه ابن رشد، ففي الوقت الذي اتخذ التنوير الأوروبي طريق العقل مبتعدًا عن الدين، انصهر الدين والعقل في بوتقة التنوير الرشدي في تركيبة فريدة[7].

        لقد أُطلقت كلمة التنوير بالمعنى المتعارف عليه اليوم، في إشارة إلى الحركة الفكرية التي ازدهرت في أوروبا في القرن الثامن عشر، رافعة لواء التسامح مع الآراء المخالفة للرأي السائد، خاصة فيما يتعلق بالمعتقدات الدينية، والتحرر من الأغلال المقيّدة للفكر والتعبير، والمتمثلة فيما يفرضه الرأي الشائع من قسر وإجبار، وقد يصل إلى حد الإرهاب، على مسايرة التقاليد والأعراف السائدة، والمصادقة على ما يقوله القدماء دون مناقشة؛ فليس التدين ولا الدين هو المعادي للعلم أو للتنوير الحقيقي، أو للحرية، أو للتسامح، أو الإصلاح كما يعتقد كثيرون، بل الوثنية الدينية[8].

اقرأ ايضا: مفهوم العلمانية: التعريف والأنساق والحالة الفلسطينية (الجزء الأول)

وعليه، ونحن نعيش اليوم في القرن الحادي والعشرين لا يمكن مقارنة الوضع العربي الراهن للمجتمعات العربية والإسلامية بالوضع الراهن للمجتمعات الأوربية المتقدمة جدًا، فهذا محال وعبث، وفيه ظلم كثير وتثبيط لعزائمنا، ولكن يمكن أن نقارن وضعنا الراهن وتخبطنا في مشكلة الأصولية بوضعهم قبل مائتين أو ثلاثمائة سنة، عندما كانوا يتخبطون هم أيضًا في المشكلة نفسها، هنا تصبح المقارنة مفهومة.

        قد يذهب البعض إلى أن مشروع التنوير هو وهم من أوهام الحداثة الذي انقضى عهدها، فهو يذكرنا بزمن عندما كان يمكن استخدام ألفاظ من قبيل: العقل، الطبيعة، الحقوق، الصدق، الأخلاق، الحرية، التقدم باعتبارها تجسيد للإمبريالية الغربية؛ لكن قد لا يلتفت كثير إلى أن ما يترأس هذه القائمة باستمرار هو العقل، وهذا العقل ليس حكرًا على الغرب وإمبرياليته، بحيث إننا بحاجة لتنوير يجمع بين "سوسيولوجيا الفضيلة" و "أيديولوجيا العقل" و "علم سياسة الحرية"، وهذه أفكار لا يزال لها صدى اليوم، خاصة وإنها تحمل تراكمات أكثر من قرنين من التجارب الإنسانية والذكريات التاريخية، والآن ثمة أفكار أخرى تنافس اهتمامنا مثل: العدالة[9] والمساواة والاشتراكية ومفاهيمها بشكل عام.

        يبدو أنه صار علينا أن نميز بين ما قاله عصر التنوير عن نفسه وبين ما يمكن أن يعنيه التنوير اليوم بالنسبة لنا، نحن المحدثين بلا حداثة، الذين أتينا بعد عصر التنوير، وعلى ذلك نحن مطالبون إلى تحويل التنوير إلى مشروع  عقلي وروحي أساسي لأنفسنا بلا رجعة.

خاتمة موجزة في العلمانية: إعادة تذكير

        نعيد التأكيد في خاتمة هذه السلسلة، بأن مفهوم العلمانية عندنا نحن العرب والمسلمين بشكل عام ذو معان عديدة متباعدة جدًا، بين اعتبارها وجهًا من وجوه الإلحاد والكفر والتهجم على رجال الدين والمقدسات الدينية، أو اعتبارها وسيلة هدامة لنزع الصفة الإسلامية عن الشخصية العربية ومجرد سلاح إضافي في يد الغرب لقمع العرب وطمس شخصيتهم التاريخية، وبين اعتبارها مُنتج بشري في سياق تطور البشرية والحضارة الإنسانية عمومًا، تبلورت باعتبارها مذهب قانوني – سياسي في سياق حاجة الإنسان الموضوعية إلى فصل أمور الدنيا عن أمور الدين، أو أمور الحكم عن أمور الشريعة ومقتضياتها، أو فصل المدنس عن المقدس، بما يعني في المآل النهائي أن الدين يقع في المجال الفردي الخاص، بين الإنسان والخالق مباشرة دونما وسيط، بينما العلمانية تقع في المجال العمومي.

        وفي السياق نفسه، فإن الانفصال بين الدولة والمجتمع المدني يشكل شرطًا أساسيًا للعلمانية التي بدورها انفصال بين الدولة والدين، الأمر الذي يفترض تكونًا تامًا للدولة بحيث تستغني عن الضمانة الدينية، مثلما يفترض وجود مجتمع مدني مستقل عن الدولة وتارك ملء الحرية للدين. فالحرية الدينية، مثلها مثل حقوق الإنسان، تستلزم استقلالية المجتمع المدني عن الدولة. والدولة، باعترافها بحقوق الإنسان وبالحرية الدينية، إنما تعترف بوجود مجتمع مدني إلى جانبها وخارج عن نطاقها؛ إذن فالانفصال بين الدولة والمجتمع المدني هو الشرط الضرورة للحرية الدينية[10]. يعني ذلك في المحصلة أن العلمانية في جوهرها مسألة سياسية، لا مسألة دينية.

        في كل الأحوال، لا يمكن التطرق إلى العلمانية إلا من خلال القبول بمبدأ الحرية: حرية الإيمان، وحرية الفكر، وحرية المعتقد، وحرية التصرف، وحرية السلوك، وحرية سن القوانين، وحرية اختيار السلطة ومحاسبتها. ووفق هذا المصدر، وضمن هذا التسلسل تفهم العلمانية على إنها موقف إنساني متحرر من قيود مسبقة موروثة من عادات وتقاليد اجتماعية، أو معتقدات دينية أو مذهبية، أو أيديولوجيات مرصوصة المقولات والمفاهيم.

        وفي المحصلة، فإن العلمانية ليست نفيًا للاعتقاد، بل هي تحرير له من القيود والإكراهات الخارجية. ولا غرو بالتالي أن يكون الفكر الديني الحديث قد عرف في ظل العلمانية تطورًا في العمق ما أتيح له أن يعرفه في ظل الأنظمة الدينية؛ ووفق هذه الرؤية، فإن الموقف الموضوعي تجاه مفهوم العلمانية يقوم على الأسس التالية: تأمين الحرية الدينية، وفصل الدين عن الدولة، واعتبار الشعب أو المجتمع مصدر التشريع والقوانين، وتعزيز المحاكم المدنية العامة لضمان المساواة التامة في الحقوق والواجبات، وعقلنة الدولة والمجتمع وتعزيز الثقافة العلمية العقلانية وفق آليات الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية، وتحرير الدين من سيطرة الدولة وإساءة استعماله لأغراض سياسية، وكذلك تحرير الدولة من هيمنة المؤسسات الدينية. وفي هذا الجانب، نشير بوضوح، إلى أن العلمانية ليست مذهبًا فلسفيًا، بل مذهبًا قانونيًا – سياسيًا بالدرجة الأولى[11].  

        وبكون العلمانية مذهب قانوني – سياسي فإنها تعتمد إلى جانب العديد من المبادئ على مبدأ النقد، وتعمل على تعقل شروط السلطة في المجتمع، مع توجه عام يتوخى تأسيس المجال السياسي كمجال معرفي مستقل عن الافتراضات الإيمانية الغيبية، لذلك فالعلمانية تعتبر مطلبًا سياسيًا تاريخيًا بالنسبة لواقع صراعات السلطة في العالم العربي، وفي واقعنا الفلسطيني الذي لا يزال يمر بمرحلة تحرر وطني وديمقراطي، وانقسام حاد وكارثي في نظامه السياسي سواء منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية، وعندما نقر براهنية المطلب العلماني في أفق المناخ السياسي السائد، فإننا لا نقول بشعار مستنفذ القيمة كما قد يذهب البعض، بل على العكس تمامًا فرغم حالة الظلام الشديد التي تخيم على واقعنا العربي ومنه الفلسطيني، فإن قضية العلمانية باتت مطروحة في المناخين المعرفي والسياسي، وباتت محلًا للسجال الذي سيبقى يغذي دائرة الوعي السياسي باستمرار.  

        ما سبق يدعونا، لأن نعمل في سبيل تحقيق المجتمع الديمقراطي السليم الذي تعلو فيه سلطة القانون فوق الجميع، ويكون الكل فيه مواطنًا محترمًا ومحميًا بقوة القانون وتتعادل فيه الفرص وفقًا للكفاءات بغض النظر عن الدين أو الانتماء السياسي أو المذهبي أو العشائري.. مواطنية للأرض والوطن؛ لأن المواطنة تعني الانتماء الكامل للوطن والعمل لمصلحته وصونه وحمايته والدفاع عنه واستقلاله وسموه ورفعته.

        هنا يعلو دور المثقف الديمقراطي العضوي، كما أحزاب وحركات اليسار الديمقراطي التي عليها أن تعمل جديًا لتخطي أزمتها وفتح مجال التواصل مع جماهيرها، وهذا يجب أن يوضع في سلم أولوياتها؛ سواء على صعيد النضال التحرري ضد التحالف الإمبريالي الصهيوني، أو على صعيد النضال الاجتماعي الديمقراطي الداخلي، بما يضع أقدامنا ويتقدم بنا نحو الحداثة والمواطنة والديمقراطية والعلمانية، وبدون ذلك لن يستقيم نضالنا الوطني التحرري، حيث سيبقى يفتقد لأحد الأسس الرئيسية التي تشكل دعامة لدخولنا "لعصر الانتصارات" على الذات أولًا ثم على العدو قولًا وفعلًا ثانيًا.

المراجع:

[1]. هاشم صالح: مدخل إلى التنوير الأوروبي، دار الطليعة للطباعة والنشر و رابطة العلمانيين العرب، بيروت، ط.1، 2005.

2. جورج قرم: العلمانية في السياق العربي الإسلامي: ملاحظات منهجية للتعامل مع مفهوم العلمانية في الإطار العربي، مجلة الآداب، تشرين ثانً (نوفمبر) 2007.

3. ديفيد هارفي: الوجيز في تاريخ النيوليبرالية، ترجمة: وليد شحادة، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2013.

4. علي مبروك: السلطة والمقدس: جدل السياسي والثقافي في الإسلام، مركز الإنماء العربي، ط.1، 2005.

5. حسين الهنداوي: استبداد شرقي أم استبداد في الشرق؟، دار المدى، ط.1، 2016.

6. غازي الصوراني: الديمقراطية وسؤال العلمانية في مشهد الإسلام السياسي الراهن، موقع سما الإخبارية، 13 تموز (يوليو) 2012:

http://samanews.ps/ar/post/132185

7. محمود حمدي زقزوق: الدين والفلسفة والتنوير، سلسلة إقرأ، دار المعارف، 1996.

8. جلال أمين: التنوير الزائف، دار العين للنشر، القاهرة، ط.2، 2005.

9. غيرترود هيملفارب: الطريق إلى الحداثة: التنوير البريطاني والتنوير الفرنسي والتنوير الأمريكي، ترجمة: محمود سيد أحمد، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت ، 2009.

10. جوروج طرابيشي: هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية، دار الساقي، بيروت، ط.1، 2006.

11. غازي الصوراني: الديمقراطية وسؤال العلمانية في مشهد الإسلام السياسي الراهن، مصدر سبق ذكره.