Menu
حضارة

هذا رأيي في أزمة غرداية

د. بشير مصيطفى

هذا الرأي جاء نتيجة احتكاكي بأطراف النزاع في ولاية غرداية في إطار مبادرة ( التهدئة ) التي أطلقتها شهر أوت 2014 وحيثياتها موثقة في الاعلام المقروء والمسموع والمرئي .

هذه المبادرة بدأت بلقاءات في الميدان مع بعض أعيان الاباضية ( أعضاء مجلس الأعيان ) ومع أعضاء ( مجلس المالكية ) وانتهت ببيان نصر بالصحافة وبشبكة التواصل الاجتماعي وهذا نصه :

بيان

يا عقلاء وأعيان وادي ميزاب ... ساعدونا قبل فوات الأوان

توسع رقعة المناوشات والمواجهات بين شباب بعض أحياء وادي ميزاب يومي الأحد والاثنين الماضيين – الواقعان في 06 و 07 أفريل 2014 - مؤشر خطير على احتمال تفاقم الوضع نحو حالة يصعب تفكيكها . وأغلب الحالات المشابهة في عدة مناطق من العالم تؤكد هذا الاحتمال مع اختلاف الأسباب والدوافع السوسيولوجية . وربما ستتطور الأمور بشكل يتجاوز التوقعات لا قدر الله .

ولقد زار كاتب الدولة الأسبق للاستشراف والاحصائيات السيد بشير مصيطفى مدينة غرداية خلال الأسبوع من 29 مارس الى 05 أفريل 2014 في مسعى لعرض مبادرته الهادفة الى استدراك الحل قبل فوات الأوان حيث حظي مصيطفى باستقبال لائق من طرف رؤساء وأعضاء بعض مجالس أعيان المدينة من كلا طرفي النزاع الى جانب شخصيات علمية وتربوية مستقلة ، وقد تناول المسعى موضوع إلتفاف الجميع حول مبادرة نبيلة للتهدئة يجري الاعداد لها . ولقد لمس مصيطفى من كلا الطرفين نية حسنة وصادقة للتعاون في هذا الاتجاه كي يتم الاتفاق على أرضية مشتركة للتهدئة ترضي الجميع وتعمل بشكل وظيفي على : حفظ الأرواح و الممتلكات ، حماية المنشآت ، وبسط الأمن في جميع الأحياء دون استثناء .

المبادرة تبدأ بالتهدئة وتنتهي بأعمال ملموسة على الأرض تضمن حالة الأمن وترمم ما انكسر وترفع نسبة الوعي وتنهي مسببات الكراهية بشكل نهائي .

التشاور لازال في بدايته ولكن شروط التهدئة متوفرة من الناحيتين : النفسية والاجتماعية .

وقد حرص مصيطفى في حديثه الى أعيان وعقلاء غرداية الذين التقاهم من كلا طرفي النزاع على التنبيه الى قضية مهمة وهي :

احتمال تحول المنطقة الى ساحة أخرى للتجارب في مجال صناعة النزاعات وتوجيه الأحداث نحو مشاهد أكثر عنفا وأوسع أبعادا ومن ثمة تحول سكان المنطقة الى موضوع دراسات النزاع بعدما ظلوا لفترة تاريخية طويلة ساحة للتسامح والتعايش المبني على التكامل ، وأيضا استغلال الأحداث في أعمال تخدم مصالح الفئات التي تتصيد الفرص لتحقيق منافع شخصية.

إن صبغة التكامل التجاري والاجتماعي بين طرفي المناوشات في وادي ميزاب – وهي غير وضعية التنافس – تفرض على الجميع الحرص على وضعية التعايش بل دعمها وتجاوز حالة النزاع في أسرع وقت ممكن لأن الجميع في آخر مطاف الفتنة سيكون خاسرا .

ولذا نهيب من جميع إخواننا وأحبتنا من سكان وادي ميزاب ومن نخبتهم المنتشرة عبر ربوع الوطن وفي الدول الأخرى مساعدتنا في تصميم وإخراج مبادرة التهدئة التي شرعنا فيها منذ أسبوع مع تثمين والاستفادة من جميع المحاولات السابقة والتي تندرج في هذا الاطار .

وسأظل أنا وجميع من يحمل نفس الرؤية أو رؤية متقاربة من أهل المنطقة أو من غيرهم من خيري وطننا الحبيب رهن إشارة سكان غرداية في تحمل مسؤوليتنا الكاملة في أداء واجب الوساطة وتقريب الرؤى ، وسنرى – إن توفرت هذه الارادة الخيرة - كيف يسترجع وادي ميزاب – سريعا سريعا – إن شاء الله محياه المشرق العامر بالاخاء والأمن والتعاون والجمال .

....

بعد سنة من نشر هذا البيان تفاقمت الأوضاع بسقوط ضحايا وأضيفت للمشهد إشارات جديدة جعلتني أخرج بالرؤية التالية في تفسير النزاع ووصف الحلول :

من حيث أسباب الأزمة :

سببان اثنان اشتركا في استدامة الأزمة وهما : ضعف مؤشرات التنمية وضعف الأداء القضائي في نفس الوقت ( الذين أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ). ضعف مؤشرات التنمية زاد من الصراع حول الموارد الشحيحة ( العقار ومناصب الشغل ) وزاد من معدل البطالة وسط الشباب .

ضعف المنظومة القضائية قلل من أداء القضاء في متابعة مستعملي العنف وقلل من دور استشراف وتوقع الأحداث ( غياب اليقظة الاستراتيجية في المجال الأمني ) .

والدليل على هذا الرأي هو : التعايش بين العرب المالكيين والأمازيغ الاباضيين لمدة 10 قرون بسبب قوة الجهاز الأمني ( حضور الدولة وقوتها ) وازدهار الاقتصاد ( تجارة وفلاحة وسياحة ) .

عوامل مساعدة لتفاقم الأوضاع :

السببان السابقان أساسيان ولكن تولدت عوامل مساعدة جراء التحولات الاجتماعية في المنطقة وهي :

أولا - سلطة الشباب الجديد المستقل عن سلطة مجالس الأعيان عند الاباضية والمتأثر بشبكات التواصل الاجتماعي .

ثانيا - الفرق المذهبي غير المتسامح بين الاباضية والمالكية الذي تغذي من السببين المذكورين.

ثالثا - وضعية الانعزال الاجتماعي والثقافي للاباضيين ( ضعف الاندماج مع العرب : السكن ، المساجد ، المقابر ، المدارس ، المراكز الثقافية ، المحاكم ) مما أفرز مناطق تماس ( كل الأحداث تجري في مناطق التماس الناتجة عن عدم الاندماج ) .

رابعا - الخطاب الموصوف بالكراهية عبر شبكات التواصل الاجتماعي .

خامسا - العامل الخارجي المتمثل في حركات الانفصال ونداءات التدخل الخارجي تحت عنوان حماية الأقليات العرقية .

الحلول :

أولا - تكريس حضور الدولة وتطبيق القانون العام بصرامة على مستعملي العنف وبسرعة .

ثانيا - تكريس الاندماج بين أطراف النزاع من الناحية الفنية ( البناء والمعمار ، التعايش ، الاقتصاد والتجارة ، المساجد ، المقابر ، المدارس ، الخطاب ...الخ )

ثالثا- نشر فرص التنمية المحلية وتحرير ملكية العقار وتسهيل الاستثمار ومكافحة البروقراطية.

رابعا - إطلاق خلية لليقظة الاستراتيجية ( أمنية – اجتماعية – سكانية – ثقافية ) ضمن مؤسسة ولاية غرداية وظيفتها استشعار الأحداث قبل حدوثها .

 

د.بشير مصيطفى- وزير الاستشراف سابقاً في الجمهورية الجزائرية/ المصدر: محيط