Menu
حضارة

إبن تيمية خارج المقابلات

أيمن عقيل

طالعنا الناقد والأديب اللبناني الدكتور علي نسر بمقالة تحت عنوان «حزب الله وابن تيمية» نشر في صفحة «قضايا وآراء» في جريدة «السفير» وذلك نهار الخميس في 9-7-2015.

المقالة تنجح في أخذ نقاش الراهن إلى أمكنة خطيرة ولكنها مع ذلك ضرورية، وتترتب تاليا أهمية متزايدة لطرح أكثر من مقاربة تدرّ على موضوعة التراث مرونة كافية لتتسع لقراءات بدلا من أن تحتكره، أي التراث، قراءة متفردة. يناقش الكاتب كتابا للدكتور مصطفى سبيتي. لذلك من نافل القول أن مساهمتي تتناول الكتاب بالدرجة الأولى، وبدرجة أقل معالجة الدكتور نسر للعناوين المطروحة في هذا الكتاب.

صدّر الكاتب مقالته بالتسليم بمفردة «الأزمة المذهبية» كتعبير نزيه عما جرى ويجري في العالم العربي، وهذا ما لا يتسق مع سيرورات اجتماعية واقتصادية تحتية يجري التدليس عليها بمفردات تسرق منها شرعيتها، وتستولد عوضا عنها اصطفافات تتوزعها صكوك غفران في ما وراء الموت. في مكان آخر، أشار الكاتب إلى ما سماه «تجدد الأحداث وتشابهها» للإشارة إلى التاريخ الإسلامي، وأعتقد أن في ذلك المنطق قفزا على التاريخ بما هو دينامية تراكم وطفرات نوعية. وأميل الى القول بأننا أمام سياق حضاري مختلف إلى حد كبير، ولكن بعض أطراف الصراع يستسهلون استدعاء المقابلات التاريخية المفتعلة، لخلق عصبيات وخطوط صراع وهمية، مع ما في ذلك من سحب للصراع من المستوى الاجتماعي والسياسي الى المربعات الأولى، حيث يجري استنفار سلع الحقد والعصبيات والقبليات لإدخال الجميع داخل الحلقة المفرغة من اللاشيء - الحضاري.

في مقطع آخر، أشار الكاتب إلى «فتاوى لم تصدر إلا عن خلفيات مذهبية وطائفية تعصبية». الكاتب يقول هنا، بشكل أو بآخر، بأن ضآلتنا تقتصر على تفادي الشغور في كرسي الإرادة الحكيمة التي تمنع استخدام التراث الديني في دهاليز السياسة. أعتقد بأن القول أن فتاوى الكراهية تصدر عن خلفيات مذهبية هي طريقة أخرى للقول بأننا نستطيع أن نستبدل على سبيل المثال المجهود البحثي الخارق لمحمد أركون بوجبات عمرو خالد السريعة والخفيفة التي تدر عليه الكثير من الأموال، في حال افترضنا بأن نوايا الأخير طيبة تماما في ما يتعلق بنبذه لخطاب الكراهية والتكفير. آن أن نعترف أن هذا التراث مفخخ وغير بريء على الإطلاق ولا بديل عن قول الأشياء كما هي، وهذا الدفء التبليغي في وصلات عمرو خالد الدعوية مزور ووهمي، وليس من الذكاء أبدا أن تتكل أمة بكلها وكلكلها على إرادة صاحب الأمر السياسي الطيبة، لكي لا تضطر إلى خوض استحقاق الظلام كلما صعد سدة الإمارة شيطان لا يتورع عن توسل الدين لتحقيق مآربه. لا بد من نزع الصواعق من التراث، لا بديل عن ذلك. وتاليا، يجب ان يكون واضحا بأن الرد على الفتاوى الشريرة هو بالتأكيد ليس بالفتاوى «الحضارية»، فالأخيرة هي بمثابة مهدئات ظرفية لا تملك أن تكون علاجا جذريا. الرد دائما وأبدا هو أن نخرج جميعنا من عالم سياسي يحكمه منطق الفتوى، حتى الجيد منها. وللإنصاف، لا بد من الإشارة في المقابل إلى تأكيد الكاتب على أن مشروع الدولة القومية يحتمل أن ينبثق من فتوى في حال الامتناع عن استخدام هذه الفتوى في تصفية الحسابات المذهبية الضيقة، وفي هذه النقطة تجاوز حصيف ومرن يتفادى الانغلاقات المزمنة للإيديولوجيات القوموية المتنوعة.

في المقطع الاخير، دعا الكاتب «حزب الله» إلى «إحياء الحركات الوطنية». أعتقد أنه من المنطقي مطالبة هذه الاحزاب والتيارات اليسارية والوطنية والقومية أن تكف عن الدلع ولعب أدوار مستعارة لا تشبه واقعها الذي لم تتوقف عن الاحتجاج عليه، عبر سلسلة بكائيات يدمن مثقفوها على إطلاقها بين الفينة والأخرى. لا تستطيع هذه القوى أن تطلب حضورا بداعي إنجازاتها التاريخية، لان التاريخ كما النبوة لا يورث، ولا يجب أن يقتصر دورها بطبيعة الحال على التنويع الشكلي على المشهد السياسي الحالي، لينتهي بها الحال إلى تأدية أدوار هامشية في الاستحقاقات المصيرية. لا نستطيع أن نتجاوز دعوة الكاتب إلى «نسف التاريخ والتشكيك فيه». يكفي مرور سريع على تجربة الأمم التي مارست فعل النهوض من أوروبا إلى اليابان وصولا إلى تايوان، لنكتشف بأن القطع مع التاريخ كذاكرة هو جريمة من العيار الثقيل وتخل مجاني عن تجربة مكلفة، يجدر بها أن تخرجنا من الدوائر الممجوجة والمغلقة. أقترح أن نقرأ هذا التاريخ ببساطة. ليس أن نقرأ إبن الأثير هو المقصود هنا، بل إن تسليط أشد طرق القراءة النقدية والتفكيكية بدائية على تاريخنا، كفيل برفدنا بالخلاصات المناسبة وبإحداث الصدمات المطلوبة، صدمات ضرورية لمرحلة ما قبل النضوج. أما عن التشكيك في التاريخ، فربما الأولى الإقلاع عن فعل الاختيار الإرادوي بين ما نريد وما لا نريد من التاريخ والذاكرة، وذلك بقصد حفظ «النوع العربي والإسلامي» ربما من دفع أقساط الخجل من أجزائه الدموية. يستحضرني هنا قول لأحد المفكرين الذي قال مدافعا عن اليهود في سياق تاريخي يعج بالعنصرية ضدهم: اليهود هم بشر وهم ليسوا بحاجة إلى أن يكونوا أكثر من ذلك ليفعلوا كل تلك الاشياء الشنيعة. حسناً، نحن كذلك أيضا.

المصدر: السفير