Menu
حضارة

عن سرقة الصوت والصورة

خاص بوابة الهدف

لوقت طويل من تاريخ شعبنا كانت الشرعية والرمزية ترتبط بالدور النضالي، او على الأقل بوزن حقيقي للأشخاص يرتبط بدورهم ومجالهم الاجتماعي، ورغم حدة التحولات التي انتجتها اوسلو على مستوى تصعيد الشخصيات للمواقع العامة، الا انه بقيت هناك حدود تحكم الرصيد المجتمعي والجماهيري لهذه الشخصية او تلك.

في عالم اليوم تصطنع الأسماء والصفات كما لو كانت قادمة من فضاء منقطع عن الواقع في هذا الكوكب، حيث بات بإمكانك أن ترقب بوضوح تطوير ممنهج لمصادر جديدة للنفوذ على عقولنا، وللترميز، وصناعة الشخصيات، والغريب أن المنظومة المسيطرة على هذا العالم وأذرعها في منطقتنا لم تعتد تكتفي بمنح ازلامها وصنائعها مواقع القوة والنفوذ الرسمي وشبه الرسمي، بل باتت أكثر استعداد للتغول على الجمهور من خلال تدخلها في هندسة عملية الصعود المجتمعي وفقا لمعاييرها.

الظهور اليومي في الفضائيات، وشراء حساب بآلاف المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، كفيل بصناعة "محلل" أو "ناشط"، وحصول أحدهم على جوقة اعلامية تكتب المقالات عن روعة ما يكتبه، او تفتح تغطية تلفزيونية على إحدى الفضائيات حول مقالته الأخيرة، كل هذه الأدوات باتت "صنعة" يتقنها حرفيين، ويمولها ضخ مالي هائل يهدف لشراء مساحات لـ "مؤثرين" على الرأي العام في عالمنا العربي.

صفقة صناعة النجوم واضحة الملامح، فهذه المنظومة تمنحك النجومية والوظيفة والمال، وتسمح لك بنمط حياة يفوق مستواك الاجتماعي المعتاد بكثير، على نحو يسلخك عن أي شعور بالانتماء للجمهور الذي تتحدث عنه وباسمه، وفي المقابل أنت تقدم الولاء لهذه المنظومة ورموز أكبر منك فيها، و تتشارك مع نظرائك دعم بعضكم بعضا وتزيين كل ما قد يقوم به أحدكم لهذا الجمهور، باعتباره فتح معرفي جديد، أو انجاز علمي غير مسبوق.

وجه الخطورة في هذه العمليات ليس صناعة ساسة فسدة جدد، أو تصعيد أناس لمواقع وظيفية غير مستحقة، كما دأبت المنظومة الاستعمارية وذيولها في بلادنا منذ زمن طويل، ولكن بالأساس تأتي هذه الخطورة من صناعة من ينتحل صوت الجمهور، والمعارضة، أي باختصار أن تتقدم المنظومة المسيطرة لتسيطر على مساحة النطق باسم من يعارضها وباسم ضحيتها، عبر أدوات و أناس هي من صنعتهم وتتحكم بهم.

إن المساحة التي تسمح لمنظومات السيطرة والاخضاع ونظم الفساد الملتحقة ذيليا بالاستعمار، بالسيطرة على "صوت الجمهور"، هي مساحة تنتج بفعل تراجع الدور التنظيمي للقوى الحقيقية الممثلة لهذه الجماهير، وعجزها عن امتلاك أدوات العمل الاعلامي، وتطوير نظريتها ومنظومتها الخاصة بهذا الشأن، وهو ما يطرح جدول مهمات عسير على طاولة هذه القوى، تتصل باستعادة قدرتها على التأثير في المشهد الاعلامي، باتجاه تغليب صوت الجماهير على من عاداه.