Menu
حضارة

انقلاب السودان ووقائع حكم العسكر

محمّد جبر الريفي

منذ حصول السودان على الاستقلال الوطني عام 1956، بقرار من مصر الناصرية، حيث عُرض عليه إما الاستمرار في الوحدة مع مصر التي كانت ضمن إطار النظام الملكي لأسرة محمد علي وبمشاركة الاستعمار البريطاني، فيما أطلق عليه الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، أو بالانفصال فاختار الانفصال بدولة مستقلة، وبذلك إنهار شعار مشروع وحدة وادي النيل مقابل نزعة الانفصال التي غذتها الثورة المهدية ضد الاستعمار البريطاني.

لقد شهد السودان بعد الاستقلال الوطني العديد من الانقلابات العسكرية وكلها أخفقت في وضع البلاد على طريق الديموقراطية والتنمية؛ فظل السودان لفترات طويلة حكرًا في نظام الحكم على ضباط الجيش، وأبرزها كانت في بداية أعوام الاستقلال، بتولى الحكم الفريق إبراهيم عبود الذي أطاحت به ثورة مدنية كبرى، كما ظل السودان سلة إفريقيا يعاني من العديد من الأزمات الاقتصادية التي عكست نفسها على الحياة الاجتماعية، فزادت من مظاهر البؤس الاجتماعي في كثير من مناحي الحياة المختلفة، وكانت هذه الحالة الاجتماعية المتردية بيئة خصبة لتسييس المجتمع من خلال تعميق الوعي السياسي لدى المواطنين ونمو الأحزاب السياسية، خاصة الحزب الشيوعي القوي الذي كان له فاعليته السياسية في الوسط النقابي مما أهلّه لممارسة دور بارز في إطار المعارضة السياسية ضد نظام العسكر الفاشي. حصل ذلك في عهد الرئيس جعفر النميري الذي ارتبط عهده بتنسيق هجرة يهود الفلاشا إلى دولة الكيان الصهيوني، غير أن عملية الحزب المخطط لها سياسًيا وعسكريًا من قبل الضباط الشيوعيين بالإطاحة بالرئيس النميري لم يكتب لها النجاح، وكانت نتيجتها إعدام هاشم العطا الذي هرب إلى ليبيا وقام نظام العقيد القذافي بتسليمه، ليتم إعدامه هو وغيره من الذين شاركوا في الانقلاب.

في خضم الحياة السياسية عرف السودان أيضًا الحكم المدني الحزبي وكانت فترة هامة على المستوى القومي شهدت انطلاقة في دور السودان العربي، خاصة في عهد رئاسة إسماعيل الأزهري في منتصف الستينيات، والذي اقترن عهده كذلك بمؤتمر القمة العربي في الخرطوم؛ مؤتمر اللاءات الثلاث الذي انعقد بعد هزيمة يونيو حزيران 1967، وتمت فيه المصالحة بين مصر والسعودية المتعلقة بحرب اليمن التي نشبت على إثر قيام ثورة سبتمبر بالإطاحة بالنظام الأمامي الملكي فيها. لقد كان هَم العسكر الرئيسي الاستمرار في الاستحواذ على السلطة السياسية واحتكارها منعًا لحكم الأحزاب السياسية، خاصة التي تقودها زعامات تقليدية وتقوم على أساس ديني وقبلي وجهوي، لذلك تميزت الفترات التي يقضيها رئيس النظام العسكري بالمدد الطويلة كما هو الحال أيضا في عهد جعفر النميري، وكان اللواء سوار الذهب الاستثناء الوحيد من بين العسكريين في عدم تمسكه بالسلطة. أما عهد نظام البشير العسكري فقد استمر ثلاثين عامًا وهي أطول مدة يقضيها رئيس سوداني في الحكم، وقد جاء بانقلاب قام به الضباط الإسلاميين وبإيعاز ودعم من الجبهة القومية الإسلامية بزعامة الشيخ حسن الترابي على حكومة الأحزاب الديموقراطية برئاسة رئيس الوزراء الصادق المهدي الذي اعتقل قرابة خمسة أشهر، وفي تلك الفترة أشرف الترابي على الحكم عشر سنوات في محاولة لأسلمة المجتمع بفرض قوانين الشريعة وتجميع القوى الإسلامية المتطرفة بعد خروجها من أفغانستان والترحيب بتنظيم القاعدة الإرهابي وعلى رأسه أسامة بن لادن قائد التنظيم الذي جاء إلى السودان بذريعة الاستثمار، كما أشاع وقتها إعلام النظام، خشية اتهام الدولة برعاية الإرهاب الدولي، ولكن سرعان ما دب الخلاف داخل أركان نظام البشير بين العسكريين والمدنيين لينتهي بتقليص سلطات الترابي وخسارة دعم الحركة الإسلامية.

في عهد البشير انشغلت البلاد في مواجهة التحديات الداخلية الانفصالية في الجنوب وعلى التمرد في إقليم دارفور التي ارتكبت فيه قوات الجنجويد فظائع وجرائم حرب، على أثرها تم استدعاء البشير لمحكمة الجنايات الدولية باعتباره مجرم حرب، وفي الحرب ضد الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان لم يستطع نظام البشير الاحتفاظ بوحدة السودان بطرح مخطط ديموقراطي يسمح بالتعايش في دولة إثنية، وبالتالي كانت نتيجة الحرب الأهلية التي كانت أطول حرب أهلية التفريط بالوحدة الوطنية بانفصال الجنوب وتأسيس كيان سياسي بمؤازرة قوى خارجية معادية في مقدمتها دولة العدو الصهيوني.

أما على المستوى الاقتصادي فقد ظلت دولة السودان في عهد نظام البشير نهبًا للموارد من قبل الشركات الربحية الرأسمالية المحلية والعالمية، مما جعل الاقتصاد السوداني يعاني من أزمات عديدة خانقة؛ أبرزها انخفاض قيمة الجنية السوداني وانسداد الأفق التاريخي للتطور والتخلص من علاقات التبعية والتخلف. هكذا كان واقع السودان في عهد البشير، لم يجن فيه الشعب السوداني المعروف بطيبته وأمانته وبثقافته السياسية والأدبية وصوفيته، غير فرض قوانين الشريعة الإسلامية وارتداء الحجاب والجلد والاتهام الملفق والجاهز بالردة عن الدين.

الانقلاب العسكري في السودان الذي أطاح بالرئيس عمر البشير، قد يكون مؤشرًا هامًا لعودة دور الجيش في تغيير نظام الحكم في المنطقة العربية (العسكرتارية)، وقد حدث قبل ذلك في مصر ضد الرئيس الإخواني محمد مرسي، وذلك لبعث حالة من الاطمئنان بين الشعب تبعد شبح الفوضى السياسية والأمنية التي قد تجتاح البلاد وترعاها قوى إقليمية ودولية، كما يحدث الآن في بعض دول المنطقة. وقد يكون الدافع لإعادة دور المؤسسة العسكرية أيضًا ضعف الأحزاب السياسية التي ظلت غير قادرة على تنظيم الجماهير الشعبية وتعبئة طاقاتها، وقد سبق أن كان هذا هو الأسلوب الذي ساد في فترة الخمسينيات والستينيات التي شهدت انقلابات عسكرية وطنية حازت على التفاف شعبي؛ لأنها وضعت البلاد على طريق التحرر والانفلات من سياسة التبعية للقوى الاستعمارية الغربية، غير أن تلك الانقلابات العسكرية التي شكلت ما يعرف في إطار النظام السياسي العربي الرسمي بالأنظمة الوطنية العربية، وذلك مقابل الأنظمة السياسية الرجعية، لم تستطع فتح الطريق نحو عملية تنموية حقيقية، تخرج البلاد من مرحلة التخلف الحضاري، وكذلك لم تؤسس حياة ديموقراطية صحيحة، بل اتخذت موقفًا سلبيًا معاديًا لقضية الديموقراطية وتداول السلطة، وبذلك تحولت في نهاية الأمر إلى أنظمة قمعية.

ومع الترحيب بعزل البشير وإنهاء حكمه الاستبدادي الفاسد؛ إلا أن محاذير تحول حكم البلاد إلى نظام فاشي جديد بقيادة المجلس الانتقالي العسكري الذي تولى السلطة برئاسة عبد الفتاح البرهان ما زالت قائمة، إذا لم تستطع القوى السياسية والمهنية النقابية (تجمع المهنيين) التي كانت وراء الاحتجاجات الشعبية من القيام بممارسة مهمتها النضالية في الوصول بالسودان إلى تشكيل حكومة مدنية في إطار نظام سياسي وطني ديموقراطي يفتح آفاق التحرر والتطور والتقدم الاجتماعي للشعب السوداني.