Menu
حضارة

ثلاث حكومات في الربيع

د. سامي محمد الأخرس

يبقى الحال عما هو عليه في أكثر الجبهات تعقيدًا، وأكثر القضايا مظلومية، حيث كان في السابق طرفين هما حكومة الاحتلال الصهيوني من جهة، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وفيما بعد حكومة السلطة الفلسطينية من جهة أخرى، يتم فيهما تغيير الشخوص ولكن لم يتغير شيء على مستوى القضية الأساسية، حتى عندما وقع الطرفان اتفاق أوسلو كل ما تغير أنه أصبح لدى الشعب الفلسطيني وزراء، ووكلاء وزارات، وقضاة، ومدراء، وضباط وجيش من المسميات الوظيفية، وتغير المسمى من فدائي إلى موظف، وتحول الصراع من صراع وجود لصراع مماطلات وتمويه...إلخ، حتى صعد للمشهد طرف ثالث جديد حكومة غزة التي أنشأتها حركة حماس بعدما انفصلت عن جسد السلطة وأقامة كيانها في غزة بعد أحداث 2007، وعليه أصبح المثلث مكتمل الأضلاع، حكومة الإحتلال، حكومة رام الله، حكومة غزة، وشاءت التوقيتات أن يكون شهر نيسان (الربيع) تفتح براعم ثلاثة حكومات معًا، حيث جرت الانتخابات الصهيونية وفاز نتنياهو بأغلبية مقاعد الكنيست والتي من خلالها يسعه تشكيل حكومته الجديدة، والمؤكد إنها بكل برامجها، استراتيجياتها، تكتيكاتها لن تتغير عن الاستراتيجية الرئيسية القديمة لحكومات الاحتلال، أو لحكومات زعيم الليكود نتنياهو. أما الرئيس الفلسطيني فقد كلف الدكتور محمد إشتيه بتشكيل حكومة فلسطينية بعد إقالة حكومة د. رامي الحمد لله، واستطاع الأول أن يشكل حكومته الجديدة دون مشاركة الفصائل الرئيسية بمنظمة التحرير الفلسطينية، بل حافظت على قوامها من قوى وأحزاب فلسطينية كل هدفها وزير هنا ووكيل وزارة هناك، وضمان حصتها المالية من المخصصات، وعليه فقد صاحب تشكيل حكومة إشتيه حالة تشاؤمية عامة لدى الشعب الفلسطيني الذي يعاني أزمات عميقة تحتاج كتيبة من الحكماء والفدائيين للخروج من عنق الزجاجة، وعليه فإنها حكومة وظيفية لن تتمكن من تحقيق أدنى متطلبات الشعب الفلسطيني، حيث يتوقع لها أن تكون حكومة قاصر أبعد ما تكون عن تحقيق الأهداف والمتطلبات الإستراتيجية الفلسطينية، أو تقديم فعل ناج في ملفات مفاتيح شيفرتها بيد قوى إقليمية ودولية. ومع هذا الواقع سارعت حماس المسيطرة على غزة بالإعلان عن عملية تدوير وزاري، بمثابة حكومة جديدة تستهدف السير بالتوزاي مع خطوات السلطة الفلسطينية مستهدفة الاستجابة لمتطلبات فرضها الواقع عليها؛ أولها، ملف التهدئة وتخفيف حدة الحصار عن حماس في غزة، وهي أولية أولى لهذا التدوير الوزاري الداخلي في غزة، ولضمان تهيئة مناخ مناسب للمرحلة القادمة بعد تشكيل حكومة الاحتلال الصهيوني وإدارة مخرجات التهدئة وتخفيف الخناق عن غزة وحماس. أما الثاني، فهو ململة الشارع الغزاوي وخروج شباب حرّاك (بدنا نعيش) ذو الأهداف والشعارات الاجتماعية – الإقتصادية، وهو ما أحدث زعزعة في القبضة الحديدة التي تمارسها حماس وحكومتها على الشارع الغزاوي، وأن شذوة النيران المشتعلة لم تنطفئ بعد، وعليها التحرك اقتصاديًا في هذا الشأن وهو ما فعلته – وإن لم تعلن عنه-، وعليه فهذا الحراك أحد أهم أسباب عملية التدوير الوزاري وهو تدوير لن يحقق أي من الأهداف التي تحاول حماس تحقيقها؛ لأنها لا تمتلك من الإمكانيات رغم المساعدات القطرية التي يتم تمويل غزة من خلالها أو عبرها. وكذلك وإن أقدمت دولة الاحتلال على تخفيف حدة خنق غزة، فلن يتحقق ما تأمل به حركة حماس نظرًا للأزمات العميقة التي تعيشها غزة منذ عقد ونيف، وكذلك سياسات حماس الاجتماعية والاقتصادية التي لم تؤسس لبنى تحتية وطنية، بل أسست لبنى تحتية حزبية محضة، أضف لذلك عدم الإعتراف الإقليمي والدولي بحكومة حماس التي لم يتبق لها سوى قطر – إيران – تركيا، ناهيك عن الحالة التي عليها جماعة الأخوان المسلمين التي فشلت في كل الملفات العربية وأخرها الملف السودان ي وسقوط نظام البشير.

إذن من خلال هذا الإقتضاب المبسط للحالة السياسية في الجغرافيا الملتهبة، فإن الواقع يشير إلى بقاء حالة الثبات في معظم الملفات الرئيسية المطروحة على طاولة الحكومات الثلاث، وصعوبة وتعقيد إحداث اختراق لهذا الثابت في العلاقة بين حكومة الاحتلال وحكومة السلطة الفلسطينية دون تدخل دولي مؤثر وضاغط، وهو مستبعد في المستقبل القريب، بما أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيد ترتيب أوراق المنطقة عامة، وروسيا تعيد ترتيب حضورها في المنطقة متسللة عبر الملف السوري الذي لم يحسم بعد. أما على صعيد العلاقة بين حكومة الاحتلال وحكومة غزة فمن المتوقع إحداث اختراق جزئي في ملف عملية الترويض بين الطرفين من خلال بعض التسهيلات المجتمعية – الاقتصادية، وهو الحد الأقصى من الطموح في الوقت الراهن للطرفين، أو وضمان عدم توتير المنطقة بما أن المصالح تلاقت وتقاربت، فدولة الاحتلال لا تسعى لحرب تزيد من أزماتها الإقليمية في الوقت الذي أصبحت تبني جسور المودة مع الدول العربية، وتقيم شبكة علاقات معها، وهو الهدف الإستراتيجي الصهيوني الذي سعت إليه دولة الاحتلال منذ زمن بعيد، وكذلك حركة حماس التي لا تريد أي أزمات جديدة تضعف من حالتها المهزوزة في السنوات الأخيرة، ويمكن لأي مغامرة أن تعرضها لسقوط كلي وتلاشي سيطرتها على غزة. إذن فحكومات الربيع الثلاث لن تغادر مربعاتها القائمة إلا بأضيق الحدود.