Menu
حضارة

معركة المقاطعة

في اتجاهين متعارضين تسير خارطة تطور المواقف والمساعي الخاصة بالموقف من القضية الفلسطينية؛ فبينما تتجه النظم الرسمية عربيًا وإقليميًا ودوليًا نحو مزيدٍ من الانحياز للكيان الصهيوني، تتخذ المواقف الشعبية والجماهيرية اتجاه التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته، والتأييد المتزايد لفرض المقاطعة والعقوبات على الكيان الصهيوني.

في هذه المعادلة تتّضح القيمة الأساسية لتضامن الشعوب، ولجهود القوى المعادية للاستعمار والإمبريالية في مساندة نضال الشعب الفلسطيني، والتوعية بقضيته، واستقطاب الجماهير لمواقف أكثر جذرية ومبدئية تساند هذه القضية، وكذلك يتضح التناقض بين مصالح النظم المسيطرة المترابطة مع بعضها البعض، وبين مصالح وتطلعات الشعوب والنوايا الإيجابية التي تختزنها هذه التطلعات.

يظهر وضوح هذا التناقض في مواقف النظم العربية الرسمية المصرة على المضي قدمًا في طريق التطبيع مع الكيان الصهيوني، بل وفي تعاونها معه على نحوٍ مفضوحٍ لتصفية القضية الفلسطينية. والأسوأ من ذلك في سيرها باتجاه نسج تحالفٍ أمنيّ وسياسيّ مع هذا الكيان، يفتح أبواب البلدان العربيّة أمام الاختراق والهيمنة الصهيونية، مراهنةً بذلك على الحفاظ بالسُّلطة ومواقعها وعروشها، في وقتٍ يتّخذ هذا التحالف أشكالًا غايةً في التوحش والعدوانية بحق شعوبنا العربية، ويلقي بنتائجه في اليمن قصفًا وقتلًا لأهلها، كما يفعل في كل بلد عربي.

المشهد رغم خطورته ليس بتلك القتامة؛ ففي وطننا العربي تتواصل حملات المقاطعة للكيان الصهيوني محققة نتائج إيجابية هامّة، على مستوياتٍ مختلفة، برزَ منها انضمام رياضيين وفنانين ورموز مجتمعية متعددة لجهود المقاطعة، واتخاذ الكثير من هؤلاء مواقف مبدئية تتمثل في الانسحاب من المسابقات الرياضية والمناسبات العالمية المختلفة، احتجاجًا على مشاركة الصهاينة فيها، وكذلك في تصعيد الحملات المناهضة للاتفاقيات التجارية مع الكيان الصهيوني، على غرار تلك الجهود المهمة الرافضة لصفقات الغاز مع الكيان الصهيوني؛ هذه الصفقات التي يبني عليها الكيان الصهيوني رهانات كبرى في تمويل مساعي تطوير البنية التحتية لإنتاج وتصدير الغاز، وتوسيع هيمنته على حقول الغاز العربي في شرق المتوسط.

هذا الجهد الشعبي العربي بات يتضافر مع حملات يحركها الانحياز الإنساني والأممي، تجري في مختلف دول العالم وتطالب بمقاطعة الكيان الصهيوني وفرض العقوبات عليه، مسترشدة بما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

وإذ تبدو هذه الجهود محدودة في درجة تأثيرها على مواقف الكثير من الحكومات الغربية الإمبريالية، فإنها تثبت أثرًا فعالًا في تكبيد دولة الاحتلال خسائر اقتصادية وسياسية، والأهم من ذلك هو فضح صورته أمام الجماهير في مختلف دول العالم، وحرمانه من خطاب الضحية الذي يحاول دومًا تسويقه وتبنيه.

الكيان الصهيوني منذ زراعته في منطقتنا مستلبًا أرض فلسطين، كان ولا زال وجودًا غريبًا، ونبتًا سرطانيًا ترفضه المنطقة وشعوبُها، هذه الحقيقة تشكل دومًا وقودًا ملائمًأ وأرضية خصبة تتحرك بها جهود المقاطعة، التي يبدو أنّ لها دورًا أساسيًا في المرحلة المقبلة من النضال ضد الكيان الصهيوني، وهو ما يوجب تنظيم هذه الجهود مع الحفاظ على لامركزيّتها، وكذلك ضخّ طاقة حقيقية من القوى الوطنية الفلسطينية، والقوى العربية الحية، لتفعيل هذه الجهود في كل نقطةٍ من الامتداد العالمي لهذه المعركة، ففي كلّ مكسبٍ تحققه هذه الحملات هناك فرصةً إضافيةً لتخفيف معاناة الإنسان الفلسطيني في الحد الأدنى، وآفاقًا لتعزيز مراكمة النقاط وصولًا للهزيمة الكاملة للمشروع الصهيوني وتقويض عوامل بقائه، من خلال رفع فاتورة وكلفة وجوده على رعاته وحلفائه حول العالم.