Menu
حضارة

المُقاطعَة مُقاوَمَة

محمد كناعنة

قاطع انتخابات الكنيست

                     

لَم تَكُ الدعوة لِمُقاطعَة إنتخابات الكنيست الصَهيوني دَعوة عَبثِيّة ولَم تَكُ يَومًا نشاطًا أو مَوقفًا مَفصولًا عَن ثَوابِت شعبنا الفلسطيني بِعَدمِ الإعتراف بشرعيّة الإحتلال مهما طالَ الزمان، بل هي من صُلبِ برنامجنا الوطني التَحَرّري، وهي جُزء من مشروع شامل لِمقاوَمة هذا الإستعمار الكولونيالي، المُشاركَة هي مُقدّمة أساس للتطَبيع مع الإستعمار، مُشارَكة الشَعب المُحتَل في "برلمان" كيان الإستعمار ما هو إلّا منح شرعية لهذا الإستعمار.

مُنذُ الإعلان عن تقديم موعد الإنتخابات للكنيست الصهيوني تنادَت حَركَة أبناء البَلد في الداخل الفلسطيني إلى الدعوة لإطلاق الحملة الشعبية لِمُقاطعة هذه الإنتخابات، لَم تَكُ هذه هي الحملَة الشعبية الأولى فقَد سَبقَ للحركة أن نَظّمَت عَدّة مرات وعلى مَدارِ عِقدين ماضِيَين مثلَ هذه الحَملات بَعدَ أن كانَت تُدير الحَملَة سابقًا تحتَ إسم وفي إطار مَشروع أبناء البَلد السياسي الوطني القائِم على حَل الدَولة الديموقراطية العلمانية على كامل التراب الوطني الفلسطيني والعَودة للاجئين إلى مُدنهم وقراهم في إطار برنامج التحرير مع عَدم الإعتراف بشرعيّة الإستعمار الصهيوني في فلسطين، ما مَيّزَ الحملَة في الإنتخابات الأخيرَة هو حضور الكُلّ الفَلسطيني في إطار هذا المَشروع الرافض للتطبيع السياسي مع كيان الإحتلال، الحضور الشَبابي المُمَيّز، الحضور الإعلامي وإرتفاع وتيرَة الرَفض لدى الآجيال الجديدة، فقَد كانَ للشَباب الفلسطيني صَوت عالي ومركزي في هذا المَشروع وبرزَ صَوت المُخيّمات المُنادي بعدَم التَصويت للكنيست الصَهيوني على إعتبار أنّ ذلكَ فيهِ طعن لحق العَودة ومنح شرعية للمؤسّسَة الصهيونية القائِمَة على أنقاض التهجير والطرد والتطهير العرقي في فلسطين.

في المُقابِل جُنَّ جُنون الأحزاب العربية المُشاركَة في الإنتخابات الصَهيونية من حملَة المُقاطعة على إعتبار أنَّ هذه المُقاطعَة تَمس تَمثيل هذه الأحزاب بإعتباراتهم الحزبية الضيّقَة ورغمَ قولنا منذُ بدايَة الحملَة وكما في كل مَرّة تحدّثنا بها سابقًا وعلى مدارِ سنوات الإحتلال بأنَّ معركتنا مع جوهَر المؤسّسَة الصهيونية وليسَ مع الأحزاب العربية مع إدراكنا لتَضَرُّر هذه الأحزاب من نشاطنا الوطني الداعي إلى عَدم مَنح الشَرعية للمؤسّسة الصهيونية وعليه شَنّت هذه الأحزاب حَملَة مسعورة ضد نشاط ونُشطاء الحملة الشعبية للمُقاطعة وباتَ دينَهُم ودَيدَنَهُم تخوين وشَيطَنة هذه الحملة وناشطيها من شباب وصبايا واصلوا الليل بالنهار في جُهدهم الوطني الداعي للمُقاطعة من مُنطلقات فكرية مَبدئيّة، وكانَ الأجدى بهذه الأحزاب أن تَلتَفت إلى خلافاتها الشخصية والحزبية والتي أعطَت سَبَبًا آخَر لِعزوف الناس عن التَصويت، إذ كانَ المَشهَد مُزعجًا لِكُلّ من يَراه، من شتائِم وإتهامات وبيانات وفيديوها تَتناول خلافات هؤلاء "القادَة" الذينَ يُقسمونَ اليَمين بالولاء من على منبرِ كنيست بني صَهيون ولا يُقسمون يمين الولاءِ لِلناس التي مَنحَتهم ثقتها، لا يُقسمون يمين الولاء لِمُجتمعهم فخذلوه في حرب الكراسي والمُخَصّصات المالية وإستحقاقات تحالُف المُشتركَة وتقسيم الكراسي وفي ظلّ هذه الميمَعة بينَ ذاتيّة المُرَشّحين وضيق أفُق القَوائِم في معرَكة "الكَرامة" صالَت وَجالَت الأحزاب الصَهيونية في مُجتمعنا العربي الفلسطيني لِتَحصُد ما يُعادل المَقعدين وأكثَر من أصوات العرب، 130 ألف صَوت عربي للأحزاب الصَهيونية أي ما يُعادل 29% من نسبة المُصوتين.

يُمكننا القَول بأنَّ نجاح حملة المُقاطعَة ليسَ فقط بالنِسب المئويّة، رغم أنَّ نسبة التصويت الرسمية لَم تَتجاوز ال 49% (والحقيقية لا تصل لل 40%) وهذه نسبة غير مسبوقة، لكن النجاح الحقيقي هو في جعل الجَدل مُحتَدِم بينَ تيارين، تيار يسعى للإندماج في مشروعيّة الإستعمار من خلال قبول شروط اللعبة بكل تفاصيلها ويعتبر "إسرائيل" كتَجسيد لِحق تقرير المصير لليهود على أرض فلسطين، هذا التيار الذي يلعب في الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية، وتيار واسِع يَدعو إلى فَك هذه التبعيّة مع المشروع الصَهيوني وبناء برنامج سياسي وطني يرتبط مع رؤية فلسطينية تقدمية للحل، تيار جعلَ مسألَة مُقاطعَة الإنتخابات الصَهيونية محل إهتمام وموقف من الكل الفلسطيني على إعتبار أنَّ قضيتنا واحدة، تيار يؤمن بحق العَودة لِ فلسطين ويرفض الإعتراف بتائِج التطهير العرقي عام 1948، يؤمن بفلسطين واحدَة، هذه الرؤية الفلسطينية لا تَروق للبعض وباتَ التصريح بها نَوع من "الخيانَة" والبعض يعتبرها خدمَة لليمين الصهيوني ودعوة لنكبة ثانية على غرار نكبة عام 48 لا لشيء إلا بسبب عدم قبول الأمر الواقع كما هو والمساهمَة بهِ، معى علمنا بأنَّ هذه المواقف تأتي بسبب الخوف على الإمتيازات لا أكثَر مع علمنا بأنَّ هناك من يؤمن فعلًا بصوابيّة مشاركتهِ من منطلقات فكرية أيديولوجية.

لا شَك بأنَّ نتائِج الإنتخابات الأخيرة تحملُ مُؤشّرًا واضحًا وليسَ جديدًا، يتمَثّل بصعود ما يُسمى بالفاشيّة الجديدة في "إسرائيل" نَعم المُجتمع الصَهيوني آخذ أكثَر وأكثَر في الذَهاب صوت الشَعبويّة الصهيونية وينجرف وراءَ جَوقَة المُحرّضين، وهل بقيَ هُناك من لَم يَبني دعايتَهُ على التحريض على العَرب، بالخفاءِ أم بالعَلن، هذا المؤشر لا شَك بأنّهُ خطير، خطر على حياة الفلسطينيين في الداخل المُحتل من إرتفاع وتيرة المُمارسات الإرهابية بحق هذه الجماهير وحياتها اليومية، وخطَر على عُموم الشعب الفلسطيني، فقد شاهدنا وعاصرنا مُمارسات من هذا القبيل من قبلِ حكومات مُختلفَة "بيسارها ويمينها" ولكن الجَديد هو عَلنيّة هذه المُمارسات وإستخدامها في سباق الأحزاب الصهيونية على الصَوت في الشارع اليهودي، وفي هذا الخَطَر حتمًا يَكمُن خَطر حقيقي على مُستقبل الحركة الصَهيونية وتجسيداتها المادّية،

وعليه وفي ظل هذه النتائِج في مُجتمعنا الفلسطيني تحديدًا ونجاح حملة المُقاطعة بفرض أجندة فكرية وطنية أخرى على ساحة العمل السياسي الفلسطيني في الداخل المُحتل عام 1948 فإنَّ المُستقبل سَيشهَد حراكًا سياسيًا فيهِ إنحياز واضح للحل الديموقراطي التقدمي في فلسطين المَبني على برنامج الدَولة العَلمانية الديموقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني وإنزياح كبير نحوَ وحدة وطنية حقيقية لِمواجهَة تحدّيات المرحلَة.