Menu
حضارة

ألمانيا والقبضة الحديدية

ربيع بركات

فور الإعلان عن التوصل إلى اتفاق على تطبيق الحكومة اليونانية رزمة من إجراءات التقشف، بعد ليل طويل من المفاوضات الشاقة لرئيسها مع قادة ووزراء مالية دول منطقة «اليورو»، انتشر على وسائط التواصل الاجتماعي وسم (هاشتاغ) يصف الاتفاق الموقّع بـ «الانقلاب». وقد شكّل الأمر احتجاجاً عفوياً على معاكسة الاتفاق لإرادة غالبية اليونانيين الغارقين بأزمة اقتصادية واجتماعية كبرى، وهي إرادةٌ ظهرت في الاستفتاء الأخير، الذي أسفر عن رفض سياسات التقشف التي طلبتها «الترويكا» (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي).
و»الانقلاب» هذا يمثّل معضلة حقيقية. فقد سبق للحكومات اليونانية الماضية أن فشلت في تمرير سياساتها التقشفية. وعلى مدى خمس سنوات، كان حاجز الاعتراض الشعبي على هذه السياسات أكبر من أن يُطوّع. لم يُظهر اليونانيون تقبّلاً لوضع بلادهم الاقتصادي المزري، ولا للعجز التام عن معالجة الآثار الكارثية لاستخفاف حكومات النخبة السياسية التقليدية بموجبات الانضمام إلى منطقة «اليورو». فقرروا استبدال هذه النخبة، التي لطالما كانت أسيرة حزبين يتداوران على السلطة («الديموقراطية الجديدة» و»الحركة الاشتراكية الهيلينية») ونادي عائلاتٍ سياسيةٍ «عريقة» (كرمنليس وباباندريو مثالاً). هكذا، جاء صعود حزب «سيريزا» إلى الحكم من خارج «الاستابلشمنت»، ليس اليوناني فقط، بل الأوروبي أيضاً. فـ «اليسار» الأوروبي التقليدي قوامه جملة من الأحزاب «الاشتراكية» أو «العمالية» أو «الاجتماعية الديموقراطية»، التي تتشابه في ما بينها لناحية العقيدة والرؤى الاقتصادية العامة، المتصالحة مع موجبات السوق الاقتصادية الأوروبية بشكلها الراهن، فيما «سيريزا» في جوهره، ردُ فعل على هذه الموجبات.
وبرغم أن المحادثات الأخيرة أسفرت عن التوافق على برنامج الإنقاذ الثالث لليونان، إلا أن خريطة الطريق التي أُقرت ما زالت تنتظر التطبيق. ومسار التطبيق هذا يُتوقع أن يكون وعراً، تكثر فيه المطبّات. فقد بات على زعيم «سيريزا» أليكسيس تسيبراس اليوم أن يسوِّق سياسات تقشفية في بلاده، تفيض عما كان قد رفضه في حملته الانتخابية التي أوصلت حزبه إلى الحكم، كخفض الرواتب التقاعدية وزيادة الضريبة على القيمة المُضافة، فضلاً عن تنفيذ إجراءات خصخصة لقطاعات حيوية في البلاد.
على أن «الانقلاب» هذا من وجهة النظر الألمانية، عمليةُ إحقاق حق وتحصيله. فلألمانيا، صاحبة الناتج المحلي الذي يزيد عن خُمس ناتج الاتحاد الأوروبي، حقُ المطالبة باستيفاءِ ديونها كاملة مع الفوائد. هذا ما تُقر به المعاهدات الدولية، فيما قوانين اقتصاد السوق تسمح لها بالضغط في سبيل ذلك. المسألة إن بُسِّطت، تعني أن دافع الضرائب الألماني غير مضطر لتحمل أخطاء الحكومات اليونانية السابقة وتزويرها المُخلّ بالوقائع والأرقام، والتي قُدّمت إلى الاتحاد الأوروبي تباعاً على مدى سنوات وأخفت نسب العجز السنوي الحقيقي في الموازنة.
«إحقاق الحق» إذاً مسألة تعود بالنفع على دول المركز واقتصاداتها وشبكة المصارف المستفيدة، وهي تسحق في طريقها أعداداً من محدودي الدخل في اليونان (ولاحقاً في دولٍ أخرى من جنوب الاتحاد الأوروبي)، وترهن جيلاً يونانياً شاباً أو أكثر لاستحقاقات مستقبلية مرهقة، من شأنها أن تقلص محفزات النمو، وتنقل ملكيات عامة إلى شركات وأصحاب رؤوس أموال، وتُفقد البلاد قدراً معتبراً من سيادتها.
ألمانيا حاسمة في خياراتها لأن مصلحة دافع الضرائب الألماني تأتي في مقدمة اعتباراتها، ولأن أولويتها لا تقوم على الحفاظ على منطقة «اليورو» كيفما اتفق. فمنطقة العملة الموحدة تحتاج إلى قوانين مسيّرة واضحة، لا يجوز التغافل عنها على أمل الإفلات من المسؤولية إذا وقعت الواقعة، وعَجز فريقٌ ما عن سداد دينه.
من وجهة نظر برلين وغيرها من دول «اليورو» ذات الاقتصادات العائمة، إن خرجت اليونان من مفاوضاتها الراهنة بشروطٍ ليّنة، سيشجع هذا الأمر بلا شكٍ دولاً كالبرتغال وإسبانيا وإيطاليا على طلب تسهيلات مماثلة في ما يخص ديونها لاحقاً.
اليونان، بهذا المعنى، عبرة لمن يسير على منوالها داخل «اليورو». لا تجرّبونا، تريد المستشارة الألمانية أن تقول. وهي بذلك، تُظهر أن لبلادها يداً من حديد إذا اقتضى الأمر، عمادُها الاقتصاد هذه المرة، بعدما كانت أحلام «الرايخ» تقوم على الغلبة العسكرية قبل أكثر من سبعين عاماً.
برلين تؤكد اليوم إصرارها على قيادة قطب دولي، بدأ مسار تشكّله بُعيد انهيار جدارها ذات خريف سوفياتي من العام 1989. وهي توضح لجميع أفراد «الأسرة» الأوروبية أن القطب هذا يقوم على توازنات دقيقة، لا مجال للعبث بها.
على أن الأداء الألماني، وإن كان يقوم على قوة اقتصادية وحقوق مالية ورؤية إستراتيجية واعتبارات داخلية مشروعة، فهو قاصرٌ عن حل معضلة الفكاك بين آليات إدارة الاقتصاد الأوروبي ووحدة عملته من جهة، وآليات الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في كلٍ من الدول الأعضاء فيه من جهة أخرى.
وليس معلوماً إن كانت يد الحديد هذه قادرة على تطويع بلدانٍ تفقد سيادتها المالية وتضيقُ فيها دوائرُ النمو وتتردى أوضاعُها الاجتماعية جراء ذلك، مرة بعد مرة، خصوصاً في ظل سير بعض دول «اليورو» على حافة أزمات مشابهة. فإن فعلت، تكون قد افتتحت مسار تعديل الطبيعة السيادية للاتحاد الأوروبي على حساب أعضائه، وهو تحوّلٌ دونه صعوباتٌ وتحديات. وإن أخفقت، كان عليها إعادة تقييم آليات إدارتها للعملة الموحّدة، حتى لا تتحقق توقعات (وتمنّيات) علماء اقتصادٍ أميركيين، دأبوا على القول قبل اعتماد «اليورو» رسمياً العام 2002، إنه مشروع آيل إلى الفشل.

نقلا عن السفير