Menu
حضارة

موت وحياة حل الدولتين

غرانت روملي وأمير تيبون

فجوة كبيرة بين الأجيال الفلسطينية
يمتد الانقسام حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية على أساس خطوط جيلية. وقد شرع الفلسطينيون الشباب يفقدون صبرهم مع جماعة حشد تونس وصنيعته: السلطة الفلسطينية. ونتيجة لذلك، يمر الكثيرون منهم بطور تحول سياسي، متخلين، كما فعل ابن عباس نفسه، عن هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة لصالح تحقيق المواطنة والحقوق في دولة إسرائيلية ثنائية القومية. وقد وجد استطلاع أجراه مركز السياسة والأبحاث المسحية الفلسطيني في العام 2013 أن 65 في المائة من الفلسطينيين فوق سن الخمسين ما يزالون يفضلون حل الدولتين، مقارنة بنسبة 48 في المائة فقط ممن يفضلونه بين الشباب من الفئة العمرية بين 18 و28 عاماً.
يبدو الحافز لدى هذه الفئة الديموغرافية الأصغر عمراً منطقياً. ففي اجتماع عقد أخيراً بين نحو دزينة من الصحفيين الشبان الإسرائيليين والفلسطينيين، والذي نظمته منظمة مؤيدة للسلام، سُئل المشاركون عما إلى كانوا يدعمون حل الدولتين. وكان كل الإسرائيليين يؤيدونه، مع أن البعض، عاكسين مخاوف الكثير من اليهود الإسرائيليين، اعتقدوا أن من الخطير جداً السعي إليه في هذه الآونة. وعلى الجانب الفلسطيني، أيد مشارك واحد فقط حل الدولتين. أما البقية، وهم مجموعة من الفلسطينيين الشباب المعتدلين العلمانيين، فقالوا إنهم يفضلون الحصول على الجنسية الإسرائيلية. وقال أحد الفلسطينيين للإسرائيليين: "إنكم تستطيعون ركوب سياراتكم، وقيادتها إلى المطار، والالتحاق برحلة جوية إلى باريس. أما أنا فعلي تسجيل طلب قبل أشهر، وأن أمر عبر نقاط التفتيش، وأن أحصل على أذونات خاصة من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. إن إسرائيل لن تقوم بمنحنا دولة أبداً، لكنها تستطيع أن تعطينا حقوقنا. إنني أريد أن أكون مثلكم".
بالنسبة للفلسطينيين الشباب الذين نشأوا في ظل وجود السلطة الفلسطينية، لن يكون زوال تلك الدولة الزائفة والفاسدة والمستبدة، وضم الضفة الغربية إلى المؤسسات الإسرائيلية، بمثابة الخسارة الكبيرة. وقد فسر خليل الشقاقي، خبير استطلاعات الرأي الفلسطيني البالغ من العمر 60 عاماً، وجهات النظر المتعارضة لصحيفة "نيويورك تايمز" في العام 2014، فقال:
"اسألوا ابني فقط. سوف يقول لكم إن جيلي فشل ويجب أن يخرج من المسرح، وأن يأخذ معه عقيدته السائدة، والحل القائم على الدولتين معها أيضاً".
"لقد تشكلت وجهات نظر جيلي خلال ذروة الحركة الوطنية الفلسطينية؛ أما وجهات نظره، فقد تشكلت خلال سنوات أوسلو الفاشلة، في أيام فساد واستبداد السلطة الفلسطينية، والإنترنت والإعلام الاجتماعي. إننا واقعيون؛ أما هو فمثالي. إننا نطالب بالاستقلال والسيادة؛ وهو يطالب بحقوق متساوية".
لم يحدث منذ السنوات التي أعقبت الحرب العربية-الإسرائيلية في العام 1948 أن شهدت السياسة الفلسطينية مثل هذه القسمة الجيلية الصارخة. وراء حينذاك، أسس الناشطون الفلسطينيون الشباب مثل ياسر عرفات وجورج حبش حركات تحررهم وأحزابهم الخاصة، سارقين زمام القيادة من شيوخهم المهزومين. أما اليوم، فإن موجة جديدة من الشباب ستشعل صراعاً على الأرجح بين حركة التحرير (منظمة التحرير الفلسطينية)، وبين جهاز بناء الدولة (السلطة الفلسطينية)، وهو صراع يغلب أن تخسر فيه الأخيرة.
سوف يعيد حل السلطة الفلسطينية السياسة الفلسطينية مرة أخرى إلى أوقات ما قبل أوسلو، عندما تبنى المسؤولون عقلية حركة التحرير أكثر من عقلية الدولة في الانتظار. وسوف تستقر السلطة عند الطرف الذي يسيطر على أكبر حزب سياسي، فتح. لكن فتح نفسها ستكون قد ضعفت، بما أنها مرتبطة وثيقاً بالسلطة الفلسطينية التي قدمت لها القيادة من البداية. وسوف يكون الاعتراف بأن السلطة الفلسطينية كانت تجربة فاشلة بمثابة الاعتراف بأن أكبر استثمار للحزب السياسي الفلسطيني الأبرز كان فشلاً ذريعاً أيضاً.
ظهرت حركة حماس باعتبارها الحزب السياسي المناهض للمؤسسة في خضم الانتفاضة الأولى التي بدأت في العام 1987. وعندما أفضت عملية أوسلو إلى خلق حكومة فلسطينية في الانتظار، عمدت حماس إلى معارضتها بشدة. وبحلول العام 2006، قررت حماس القبول بالحكم بما يكفي لخوض الانتخابات وكسب السيطرة على قطاع غزة. لكن فتح لم تكن تنطوي على نية لجعل غزة تذهب إلى منافستها، وكانت النتيجة حرب العام 2007 الأهلية. وإذا ما قيض للسلطة الفلسطيية أن تنهار، فإن مسؤولي حماس سوف يصطفون وراء المنعطف للتعبير عن فرحتهم بمصير استثمار لم يتمكنوا من السيطرة عليه أبداً.
يمكن أن تؤدي عودة إلى مرحلة ما قبل أوسلو من القومية الفلسطينية أيضاً إلى تحوُّل منظمة التحرير الفلسطينية ثانية إلى دولة ضعيفة معتمدة على جيرانها والجهات الراعية، تماماً كما كان حالها في معظم فترات وجودها. وسوف يجد بعض رعاة الفلسطينيين الإقليميين العرب من الصعب عليهم أن يتخلوا عن السلطة الفلسطينية وحل الدولتين- على الأقل لأنهما عملا كورقة توت تغطي على تطبيعهم للعلاقات مع إسرائيل في العقود الأخيرة. وبالنسبة للدول الأخرى الأكثر رفضوية، مثل قطر وتركيا، فإن التخلي عن حل الدولتين لصالح حملة من أجل الحقوق المتساوية ربما يسمح لها بتحويل دعمهما من حماس –ربيبتها الراهنة- إلى منظمة التحرير الفلسطينية.
حل الدولة الواحدة
إن منظمة تحرير فلسطينية متخففة من عبء إدارة السلطة الفلسطينية، وتتمتع بدعم القوميين الفلسطينيين الشاب، وتتلقى مساعدة متجددة من رعاة إقليميين، لن تقوم فقط بتغيير الديناميات على الأرض في المناطق المحتلة؛ إنها ستولد أيضاً ضغطاً دولياً حقيقياً على إسرائيل. وحتى الآن، فشلت التهديدات الخارجية في تغيير الحسابات الإسرائيلية. وحتى مع أن البعض في اليسار الإسرائيلي كانوا قد أملوا في أن يقنع شبح فرض عقوبات أوروبية على البناء الاستيطاني حكومة إسرائيل ببعث حل الدولتين، فإن ذلك لم يعد مرجحاً الآن. فقد كانت الخطوات الأوروبية على هذه الجبهة في الحد الأدنى نسبياً، والتي استهدفت المستوطنات بينما تجنبت المساس بالاقتصاد الإسرائيلي داخل حدود العام 1967.
في انتخابات العام 2015، حاول اليسار الإسرائيل إقناع الناخبين بأن إسرائيل تواجه خطراً محدقاً على الساحة الدولية، من العقوبات الاقتصادية إلى الإدانات الرسمية، إلى الاعترافات بدولة فلسطينية. لكن الناخبين لم ينخدعوا بذلك، لأن خوفهم من التنازلات عن الأراضي في الضفة الغربة تغلب على خوفهم من أي إجراءات جديدة مناهضة للاستيطان توضع في بروكسل. ومع ذلك، وفي غياب التقدم نحو حل دولتين، يمكن أن يشرع النقاش الدولي حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بالتحوُّل في اتجاه واقع الدولة الواحدة، ومن المرجح أن يشرع العالم في المطالبة بأن تمنح إسرائيل للفلسطينيين في الضفة الغربية و القدس الشرقية حقوقاً متساوية. وعند تلك النقطة، سوف يجد الإسرائيليون في رؤية التهديد الدولي أكثر إثارة للخوف من كلفة إقامة دولة فلسطينية.
هذه الانزلاقة سوف تستغرق وقتاً، خاصة بالنظر إلى طاقم الشخصيات الموجود حالياً في المشهد الدولي. وأوباما، الذي يدرس الآن بذل محاولة أخيرة لإنقاذ حل الدولتين، ربما يسمح لكيري بالقيام بمحاولة وحيدة أخيرة، حتى مع أن الجولة الأخيرة من محادثات السلام كانت قد أُطلقت تحت نفس الذريعة. ولكن، مع مثل هذه الكيمياء السيئة بين عباس ونتنياهو، فإن الزعيمين اللذين يبدوان وأنهما يتقاسمان فقط رغبة في البقاء في السلطة وخيبة أمل عميقة من إدارة أوباما، فإن أي محادثات جديدة لن تحقق أي شيء على الأرجح. وربما تنهار أي جولة جديدة حتى أسرع مما فعلت الجولة الأخيرة.
سيكون من شأن أي تحول في اتجاه حاصل الدولة الواحدة أن يخلق معضلة صعبة بالنسبة لإسرائيل، بما أن المسؤولين لن يكونوا قادرين على المحاججة ضدها عن طريق التماس مسألة الأمن. وخلال سنواته الست في المنصف، رفض نتنياهو أي خطوات في اتجاه تحقيق دولة فلسطينية عن طريق المحاججة بأن أي أرض تخليها القوات الإسرائيلية وتسلمها للسلطة الفلسطينية سوف تستولي عليها مباشرة حركة حماس، أو "الدولة الإسلامية" المعلنة ذاتياً، أو حزب الله. وأمضى عباس كل الفترة التي قضاها في المنصب وهو يحاول (ويفشل) إقناع الإسرائيليين بأن قواته الأمنية تستطيع أن تقمع العناصر الأكثر عنفاً في الضفة الغربية وغزة. ولكن خطابته لم تعد تستطيع، منذ حرب العام 2007 الأهلية، أن تتغلب على هزيمة فتح المذلة على يد حماس والطرد اللاحق لكافة قيادة فتح من غزة. وبذلك، عاش نتنياهو أوقاتاً سهلة في اقتراح أن الدولة الفلسطينية ربما تشكل تهديداً لإسرائيل. ومع ذلك، سيكون من الأصعب عليه بكثير أو على أي رئيس وزراء إسرائيلي في المستقبل أن يقول لا لجيل جديد من الفلسطينيين الذين يدعون إلى منحهم الجنسية الإسرائيلية وحقوق التصويت، وإما ليس إلى أي تغيير في البنية الأمنية القائمة.
سوف تكون الاستراتيجية الإسرائيلية المضادة الأكثر وضوحاً لمثل هذه الدولة من أجل الدولة الواحدة هي القيام بحركة من أجل وضع الفلسطينيين على مسار الدولة. وبما أن الفلسطينيين سيكونون بصدد الحصول على دولة، كما يمكن أن يقول رئيس وزراء إسرائيلي، فإنها لن تكون هناك حاجة لمنحهم حقوق التصويت لكن القيادة الإسرائيلية الحالية ترفض وضع حجر الأساس لمثل هذه الدولة، محتجة أحياناً بحجج معقولة (مثل المخاوف بشأن الأمن والافتقار إلى وجود نظام حكم فلسطيني قابل للحياة)، وفي بعض الأحيان تتمسك بالحجج الدينية حول حق إسرائيل في الأرض. وعند نقطة ما، سوف يتساءل المجتمع الدولي عما إذا كانت السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الضفة الغربية مؤقتة حقاً، أمام وضع سيجري حله قريباً، وإذا لم يكن كذلك، ما الذي ينبغي عمله إزاء المليونين من الناس يعيشون تحته.
سوف يعني منح الحق في التصويت للفلسطينيين الذين يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية نهاية الدولة اليهودية، وليست هناك أي فرصة لموافقة الفلسطينيين على ذلك. لكن حملة من أجل دولة واحدة يمكن أن توقع مع ذلك ضرراً كبيراً بإسرائيل، أكبر بكثير مما فعلته أي حملات مناهضة لإسرائيل ومؤيدة للفلسطينيين في السابق. وقد جعل كيري إسرائيل تتذوق طعم الامتعاض الذي قد تواجهه بشكل علني عندما حذر في أحاديث خاصة في العام الماضي من أن إسرائيل يمكن أن تصبح من دون التوصل إلى اتفاق سلام "دولة فصل عنصري". وعلى الرغم من أن كلماته أثارت غضب المسؤولين في القدس وأعضاء من  المجتمع اليهودي المنظم في الولايات المتحدة، فقد تحدث حتى وزير دفاع نتنياهو السابق والمقرب كثيراً منه، إيهود باراك، عن تحذير مشابه.
مسار متعارض إلى السلام
كل هذا يشير إلى أن النتيجة الأكثر ترجيحاً لأفق قيام دولة واحدة وشيكة سيكون تطبيق حل الدولتين. وسوف تكون تلك هي الطريقة الواضحة التي تستطيع بها إسرائيل إسكات منتقديها وقتل أي مطالبات للفلسطينيين بحقوق مدنية. سوف يتم استقبال موقف إسرائيلي يرفض منح المواطنة أو حقوق التصويت للفلسطينيين، لكنه يعرض أفق منحهم سيطرة واضحة على معظم الضفة الغربية بكثير من الاستحسان.
وبعبارات أخرى، فإن الطريقة التي تصبح أكثر ترجيحاً باطراد لأن تحقق للفلسطينيين دولة مستقلة هي -فيما ينطوي على الكثير من المفارقة- هي تخليهم عن محاولة الحصول على دولة. فقط عندما يجعل الفلسطينيون الإسرائيليين يدركون أن الوضع الراهن لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية، ويصلون إلى شيء يعتبره الإسرائيليون عزيزاً حتى أكثر من الضفة الغربية -السيطرة على إسرائيل نفسها كدولة يهودية- عندئذ فقط سيشرع الإسرائيليون في النظر إلى حل الدولتين باعتباره خيارهم الأقل سوءاً. لكن الأمور إذا وصلت في النهاية إلى هذا التقاطع في الطرق، فإن الدولة التي سيتم منحها للفلسطينيين لن تكون تلك التي كانوا يطالبون بها على مدى العقدين الأخيرين. وبدلاً من اتباع خطوط حدود العام 1967، فإن إطارها سيستند إلى مخاوف إسرائيل الأمنية والديمغرافية. وفي الجولة الأخيرة من محادثات السلام، كان نتنياهو راغباً في مناقشة أمر دولة فلسطينية تشكل نحو 90 في المائة من الضفة الغربية، مع تبادلات محدودة في الأراضي. وإذا ما قررت إسرائيل ذات يوم أن تدعم قيام دولة فلسطينية من أجل قتل احتمال الدولة الواحدة، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً ستكون نسخة نتنياهو المختصرة منها.
لدى الولايات المتحدة القليل من الخيارات لمواجهة هذا الانزلاق نحو الدولة الواحدة، لكن أحدها هو العودة إلى الصيغة التي استخدمها بوش في العام 2004. وفي تلك السنة، وفي مقابل انسحاب إسرائيلي من غزة، أرسل بوش رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون، والتي طمأن فيها إسرائيل إلى دعمه لموقفها في المفاوضات المستقبلية مع الفلسطينيين. وفي تلك الرسالة، ميز بوش بين المستوطنات الإسرائيلية الكامنة عميقاً في الضفة الغربية، والتي يتوقع بشكل عام أن يتم إخلاؤها في حال التوصل إلى اتفاق مستقبلي، وبين المستوطنات الأكبر حجماً والأقرب إلى حدود العام 1967، التي يُتوقع بشكل عام أن تصبح جزءاً من إسرائيل المستقبلية. وفي الحقيقة، كان بوش يفصل بذلك حدود العام 1967 عن عملية السلام. وكانت إحدى أولى الخطوات التي اتخذها أوباما في اتجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي هي التراجع عن رسالة بوش وتأكيد أهمية حدود العام 1967. وربما يجد الرئيس القادم للولايات المتحدة هذا الإرث المنسي لبوش وشارون مفيداً أكثر لإحراز تقدم في حقبة من أحادية الجانب الإسرائيلية والفلسطينية.
في وضع كهذا، سيمكن عرض هذه النتيجة بمصداقية للناخبين الإسرائيليين، ليس كعمل لين لتحقيق العدالة أو كعمل خيري (الحجج التي لا تلقى صدى عادة)، وإنما باعتباره عملاً صعباً لأجل الحفاظ على الذات. وكان دوف فايسغلاس، الذي عمل مديراً لموظفي مكتب شارون خلال مفاوضات فك الارتباط من غزة، قد قال أن شارون قدم الانسحاب للناخبين الإسرائيليين بـ"ليكودية بليغة". لم يلجأ شارون إلى استحضار أوهام السلام الدائم، وإنما أطر قراره على أنه ضروري لبقاء إسرائيل. وسوف يحتاج تنفيذ انسحاب من الضفة الغربية إلى تفسير بعبارات مماثلة. وعندئذ فقط سوف تتوقف التهديدات التي تصاحبه عن التفوق على الفرص المفترضة التي ربما يعرضها اتفاق سلام بعيد ما.

مترجم عن Forigen Affairs