Menu
حضارة

كي لا يسود الإحباط

علي جرادات

في الأسبوع الماضي، وفي منتدى مجلة «تايم» أعلن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، ترامب، ومستشاره السياسي، أنه سيكشف عن خطته ل«السلام في الشرق الأوسط» مطلع يونيو/حزيران المقبل؛ أي بعد انتهاء رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو، من تشكيل حكومته الجديدة، وانتهاء شهر رمضان، وكأن القرارات الأمريكية التي أسقطت من التداول قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات، لم تكشف عن هذه الخطة وأهدافها الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية من جميع جوانبها، وبالمعنى الوجودي للكلمة؛ بل ولحسم مسألة سيادة «إسرائيل» على الجولان أيضاً. 

وفي إجابته حول ما إذا اعتمدت خطته المعروفة ب«صفقة القرن» على مبدأ «حل الدولتين»، تهرب المذكور، وشدد على أن «الصفقة» ركزت على الوضع الاقتصادي للفلسطينيين والمسألة الأمنية ل«إسرائيل»، مما يعني أن كوشنر بما يمثل قد طوى صفحة معادلة «الأرض مقابل السلام» لمصلحة معادلة «تحسين شروط المعيشة مقابل الاستسلام».

لكن وكي لا يسود الإحباط واليأس فلنقل إن هذه «الصفقة» على الرغم مما تحمله من تحديات كبيرة، وما تطرحه من مخاطر فعلية، فإنها تبقى مجرد واحدة من عشرات المحاولات الأمريكية «الإسرائيلية» لفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني؛ أي لتحقيق أحلام «إسرائيل اليهودية الكبرى»، كمقاربة اطمأن أصحابها إلى أمنيات «تحويل الفلسطينيين» إلى «غبار الأرض»، وتوسدوا القوة ومقولات عنصرية فوق تاريخية، عمادها «العربي يخضع للقوة» و«ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيد من القوة»، لكن ماذا كانت النتيجة؟

وفقاً لتاريخ الصراع الواقعي على مدار قرن ويزيد من الزمان، صمد الشعب الفلسطيني، وظل موجوداً مكافحاً لم يسلم أو يستسلم، وانبثق من تحت ركام نكبة 48، وهزيمة 67، واستأنف مسيرة ثورات وانتفاضات ما قبل النكبة، وأطلق ثورته المعاصرة متعددة المحطات، من «معركة الكرامة»، إلى الأعمال الفدائية البطولية من خارج فلسطين وداخلها، إلى صمود بيروت الأسطوري، إلى انتفاضة 87 الشعبية الكبرى، إلى هبة 96 وانتفاضة 2000 المسلحتين، إلى إفشال حروب الإبادة والتدمير على قطاع غزة، إلى الهبات الجماهيرية والأعمال الفدائية التي لم تنقطع في الضفة والقدس و«مناطق 48» في السنوات الأخيرة، بما يؤكد تشبث هذا الشعب بحقوقه الوطنية والتاريخية، وعدم استسلامه لاختلال ميزان القوى بالمعنى الشامل للكلمة. 

لذلك، وعليه، كيف لكوشنر وجرينبلات وبنس، وبومبيو وبولتون وفريدمان، أن يتوقعوا استسلام هذا الشعب الذي باتت تجمعه على الرغم من تشتته القسري هوية وطنية كفاحية متجذرة، وذاكرة جمعية عصية على النسيان، وتوحده أهداف تحررية شكلت ولا تزال ناظمَ كفاحه الوطني المديد ومحركه الأساس. 

أما الإصرار الأمريكي «الإسرائيلي» اليوم على تفكيك بنية فلسطينيي الضفة وقطاع غزة، فمحض وهمٍ؛ إذ كيف يكون ذلك وقد صمدوا حين كان تعدادهم ثلاثة أرباع مليون بعد عدوان 67، بينما هم الآن 5 ملايين ويزيدون. 

أما مسعى «أسرلة» فلسطينيي مناطق 48، فمجرد خيال، كيف لا؟ وهم الذين صمدوا حين كان تعدادهم 150 ألف نسمة عام 48، بينما هم الآن 1.7 مليون نسمة؟ وبالمثل، أيضاً كيف لنحو 6 ملايين لاجئ أن يتخلوا عن حقهم في العودة وهم الذين عمّدوه بدمائهم الغزيرة وتضحياتهم الجسيمة، على الرغم من بل بفضل 70 عاماً من مرارات حياة التشرد واللجوء.

وبالمحصلة لم يسفر قرن من الصراع عن معادلة (منتصر بالكامل ومهزوم بالكامل)، وبالتالي كيف للمذكورين أن يتوقعوا استسلام الشعب الفلسطيني بأسره، وقد أصبح تعداده اليوم 13 مليون نسمة، بكل ما يولده ذلك من إرادة مقاومة؟ هذا ناهيك عن أن 25 عاماً من مفاوضات مدريد وأوسلو، لم تحقق لحكومات «إسرائيل» المتعاقبة، ما سعت إليه برعاية أمريكية، دون أن ننكر ما أنتجه هذا المسار التفاوضي العقيم من التباسات وخرائب وانقسامات مدمرة، طالت النخب القيادية، لكن مشكلة الصفقة الأمريكية «الإسرائيلية» هي أساساً مع الشعب الفلسطيني.. إنها مشكلة كل المستعمرين الذين يتبنّون النظرية الخاطئة ذاتها (بالقوة والقمع والبطش تستسلم الشعوب)، فيما الشعوب التحررية وفي طليعتها الشعب الفلسطيني، تنظر إلى تضحياتها مهما تعاظمت، كضريبة حرية واستقلال وسيادة. هكذا أثبتت تجربة كل الشعوب التي تعرضت للاستعمار وقاتلت وانتصرت في نهاية المطاف، فالاستعمار أي استعمار إن هو إلا مشروع للربح، ينهزم لا محالة، عندما يتحول إلى مشروع خاسر، بشرياً وسياسياً ومادياً ومعنوياً وأخلاقياً، والاحتلال «الإسرائيلي» هنا ليس استثناء.