Menu
حضارة

"تفاهمات"

السفير القطري محمد العمادي

خاص بوابة الهدف

منذ بداية النضال الفلسطيني في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني، عمل الاحتلال على إحباط هذا النضال، بالقمع المميت، وبأدوات التقويض والاختراق، وعوامل التحايل والاحتواء والتعطيل. وكلما تعاظم جهد وطني فلسطيني تزايد الاعتماد الاحتلالي على عوامل وأدوات تجنبه دفع ثمن الاصطدام المُباشر مع الموجات الجماهيرية الصاعدة، وذلك بما ينسجم مع طبيعة وبنية هذا المشروع الاستعماري وتطلعاته في تنفيذ احتلال بلا كلفة أو خسائر.

"التفاهمات" كانت سلاح الاحتلال وأداته لمواجهة تصاعد الفعل الجماهيري الوطني والوحدوي الذي أبدعته جماهير شعبنا المحاصرة في قطاع غزة، وهي ذاتها أداة لعزل القدرة الفصائلية والجماهيرية في قطاع غزة عن الإسهام في مواجهة المشاريع الصهيوأمريكية لتصفية الوجود والحقوق الفلسطينية، هذا السلاح الذي اكتسب قدرة وفعالية مضاعفة بفعل التناحر الفلسطيني- الفلسطيني، واستقطابات الانقسام التي شرذمت شعبنا وقوضت قدراته على مواجهة الاحتلال، بل وأفقدت هذا الشعب حقه في استخدام أدواته ومؤسساته الوطنية التي دفع تضحيات جسام كثمن لتشكيلها وتطويرها.

وبتواتر الحديث عن "التفاهمات"، يتضح للشارع الفلسطيني مع مضي كل يوم، أن الاحتلال غير مستعد لتقديم أي تراجع عن جرائمه المرتكبة تجاه شعبنا، وأن استثماره الأساسي في الحصار والتجويع والترهيب المسلط على أهلنا في قطاع غزة كما هو في الضفة وعموم أرض فلسطين، وأمام حقيقة ما تظهره سياسات الاحتلال يوميًا، يبدو الرهان على مسار "التفاهمات" اليوم مشابه لتلك الرهانات طويلة الأمد على مسار المفاوضات الذي سبق اتفاقية أوسلو وتلاه، وقاد شعبنا إلى مآسي عديدة.

لعل وجه الخطورة الرئيسي في هذه الرهانات الخاسرة، هو في قدرتها على تقويض ثقة الجمهور بالقوى الفلسطينية التي تقدم مصالحها الفئوية الخاصة على المصلحة الوطنية العامة، أو تتعرض للخديعة مرة تلو الأخرى، في مسلسل متتابع من الخداع الاحتلالي والتآمر الدولي والإقليمي، وفي حجم الإحباط الذي تُلقيه هذه الرهانات على أؤلئك الفاعلين والمبادرين الجماهيريين من أبناء شعبنا. فلا يعقل أن يتكرر تعطيل الفعل الجماهيري لحساب هذا الفتات الذي قد يلقيه المحتل على مائدة "التفاهمات"، وكذلك لا يعقل منح الاحتلال هذه القدرة والمساحة للعمل والمناورة بين معسكري الانقسام الفلسطيني، دون اعتبار للتضحيات الجسام التي يقدمها أبناء شعبنا لصد محاولات تصفية قضيتهم.

إن التفاهم الحقيقي الواجب إنجازه هو تفاهم بين أبناء هذا الشعب الواحد، على عمل وطني مشترك بإستراتيجية موحدة، يطلق طاقات جماهير شعبنا، ويعزز قدرتها على الثبات في كل مواقع الصمود والمواجهة.