Menu
حضارة

لن تنتصر وحدك

قرار الاحتلال بإنهاء جولة تصعيده العدواني لا يعني إطلاقًا انتهاء شيء من أزمة ومعاناة شعبنا؛ فهذا العدو الغادر لا زال يُبيّت النية للعودة بتصعيد جديد للعدوان على القطاع، فيما يستمر في سياساته الإرهابية في الضفة الغربية المحتلة، فحملات الاعتقال والمصادرة والإبعاد وتعميق المشروع الاحتلالي الاستعماري لم تتوقف للحظة واحدة هناك، في الوقت الذي لا يزال فيه قطاع غزة ينزف تحت وطأة الحصار.

بمنتهى الواقعية، وأبعد ما يكون عن ترديد كليشيهات وحدوية وطنية معروفة، لا أمل لأيِّ طرفٍ سياسيّ فلسطينيّ بالنجاةِ من هذه المرحلة منفردًا، في ضوء طبيعة التهديدات القائمة، وضراوة الهجمة الصهيونية، والدعم الدولي لها، والتراجع والانكفاء الخطير في الموقف العربي، الذي بات بشقه الرسمي الغالب يمثل التأييد والدعم للكيان الصهيوني، بل يمكن أن نزيد على ذلك أنّ لا أملَ لجغرافيا فلسطينية معزولة عن الامتداد الكامل ل فلسطين أن تعطي الفلسطينيين فرصة للانتصار دون غيرها.

اتصالًا بما سبق، لا ضير من الإقرار بحقيقة نجاح الاحتلال في تقسيمنا، ليس لسلطتين فحسب، ولكن في إنجاز انفصالٍ برامجيٍّ؛ بين برامج وتمثيلات الكتل الموزعة على الجغرافيا الفلسطينية، وهذا بالأساس لم ينتج عن عبقرية لدى المحتل الفاشي، ولكن عن سوء أداءٍ سياسيّ وقيادي فلسطيني غير مسبوق، ساهم بشكل واضح في إضاعة بوصلة العمل الفلسطيني.

ففي الوقت الذي يعمل فيه الاحتلال على إستراتيجيات التجزئة والتطويق والقضم التدريجي، لم ننجح في تطوير إستراتيجية وطنية فلسطينية مضادة، ناهيك عن تبني هذه الإستراتيجية وإنفاذها فعلًا وعملًا على الأرض.

خطط التقسيم والمصادرة والتهويد، لا تنفذ بقوة جيش الاحتلال فحسب، ولكن بقوة يأسنا وإحباطنا، التي تؤدي إلى أن يعجز أبناء شعبنا عن التقاط برنامج عمل، أو إشارات أملٍ في الأداء السياسي الفلسطيني؛ إذ لا زالت الحالة السياسية الفلسطينية بغالبيتها المقرِّرة عاجزة عن تحديد ما تريده من الجمهور الفلسطيني وطنيًا ونضاليًا، بل والأسوأ من ذلك، هي مُصممة- أي هذه الحالة السياسية- على تعطيل المبادرات الفردية والجماعية، التي يجتهد بها البعض الفلسطيني من قوى وشخصيات ومؤسسات وطنية، تعطل هذه المبادرات من خلال سياسات القمع الشرطي والضبط الامني والتشكيك والتخوين.

إزاء هذا كلّه قد لا يكون تكرار نداء الوحدة حلًا بنيويًا لإشكاليات السلطة والحكم فحسب، ولكن حل لضرورات إنقاذ الهوية الجمعية، وصناعة الأمل الوطني للجمهور الفلسطيني، وتقديم ما قد يدفعه للثقة بالحالة القيادية الوطنية بكافة تشكيلاتها.