Menu
حضارة

معلومات جديدة حول عمليّة اغتيالات "فردان" عام 1973

معلومات جديدة حول عمليّة اغتيالات "فردان" عام 1973

وكالات - بوابة الهدف

كشف تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبريّة، الجمعة 10 أيّار/مايو، عن جوانب جديدة من استعدادات الكيان الصهيوني لعمليّة اغتيالات "فردان"، التي نفّذها الاحتلال في بيروت ضد قيادات في منظمة التحرير الفلسطينيّة، وتفجير مبنى لـ "الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين."

وكانت قوّات صهيونيّة قد بدأت تدريبها في بنايات قيد الإنشاء وشاطئ البحر شمالي "تل أبيب"، على تنفيذ عمليّة اغتيالات واسعة في العاصمة اللبنانيّة بيروت، وأطلق عليها في حينها تسمية "ربيع الشباب"، وذلك على خلفيّة العمليّات الفدائية بخطف الطائرات في نهاية ستينيّات وبداية سبعينيّات القرن الماضي. وطالت هذه الاغتيالات المُتحدث باسم "فتح" في حينه كمال ناصر، وقائد العمليّات في "فتح" محمد النجار "أبو يوسف"، والمسؤول عن تفعيل خلايا في فلسطين كمال عدوان، على يد وحدة "كوماندوز النخبة الإسرائيلي-سريّة هيئة الأركان العامّة"، والتي قادها ايهود باراك.

حسب التقرير الصحفي الذي أعدّه الصحفي المُتخصص في قضايا الاستخبارات رونين برغمان، في البداية جرى تكليف وحدة "قيساريّة"، وهي شُعبة العمليّات في "الموساد"، بالاستعداد لتنفيذ عمليّات اغتيال فلسطينيين في عواصم أوروبيّة، واقترح رئيس هذه الوحدة، مايك هراري، بتشكيل وحدة خاصة لتنفيذ هذه المهمات، وأطلق عليها وحدة "كيدون"، وتعني الرمح"، وذلك في مُنتصف العام 1969، وبسبب مُعارضة غولدامئير لم تُنفّذ عمليّات كهذه، لكن هراري أصدر تعليمات لوحدته بمواصلة التدريب.

يقول برغمان إنه في أعقاب عمليّة ميونيخ، وبعد إعطاء غولدامئير الضوء الأخضر لعمليّة اغتيال واسعة، تبيّن أنّ وحدة "كيدون" غير قادرة على تنفيذ عمليّة كهذه في بيروت، وقسماً من أفرادها لم يتدرّب أبداً على إطلاق النار، أو لم يخدم في الجيش، وعلى إثر ذلك جرى تكليف "سريّة هيئة الأركان العامّة"، بقيادة باراك، بتنفيذ عمليّة "ربيع الشباب"، لكن في تلك الأثناء لم تكن لدى "الإسرائيليين" معلومات كاملة حول أماكن تواجد القياديين الفلسطينيين.

في تشرين الأوّل/أكتوبر عام 1972، وصلت رسالة مُشفّرة إلى قاعدة عسكريّة سريّة تابعة لشُعبة الاستخبارات العسكريّة لدى الاحتلال، جاء فيها "أطلب لقاءً عاجلاً"، ويقول برغمان إنّ مُرسل هذه الرسالة هو أحد أهم العُملاء لدى الكيان في الشرق الأوسط، وكان فحوى اللقاء عناوين لمنازل أربعة قياديين في حركة "فتح"، النجار وعدوان وناصر الذين كان سكنهم بجوار بعضهم، بالإضافة إلى خليل الوزير "أبو جهاد"، نائب رئيس الحركة في ذلك الحين، وأشار العميل إلى أنّ القيادي الفلسطيني صلاح خلف "أبو إياد" كان يزور بيوت الثلاثة الأوائل.

كما زوّد العميل الاحتلال بمعلومات كثيرة حول مواقع أخرى تابعة للمنظمة، بينها ورش لصنع أسلحة ومواقع قياديّة ومكاتب، وبعد ذلك قرّرت وحدة "قيساريّة إرسال جاسوسة، تُدعى ياعيل، إلى بيروت، وكان اسم الكود لها "نيلسن"، وتغطية تواجدها في لبنان أنها جاءت من أجل إعداد فيلم وثائقي، وحصلت على عقد مع شركة إنتاج بريطانيّة.

ياعيل وصلت إلى بيروت في مُنتصف كانون الثاني/يناير 1973، ونزلت في فندق، وبعد أيام استأجرت شقة في بناية تقع مُقابل البنايتين اللتين يسكنهما عدوان ويوسف والنجار، ويقول برغمان إنها تعرّفت على أشخاص كثيرين وتجوّلت بحريّة في منطقة سكنها، حاملةً محفظتها وبداخلها كاميرا التقطت بواسطتها صوراً كثيرة أرسلتها لـ "الموساد"، ونشرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" في تقريرها لأوّل مرة، من بينها صور للشارع الذي تقع فيه البنايتين وشُقق المسؤولين الفلسطينيين الثلاثة وصورة لحارس عدوان.

يقول برغمان إنّ الملفات التي أعدّها "الموساد" كانت مليئة بمعلومات كثيرة، بالإضافة لألبومات صور شخصيّة لكل واحد من المُستهدفين ومعلومات وصلت من الجاسوسة ياعيل ومصادر أخرى، كما جمعت الجاسوسة تفاصيل حول مركز الشرطة القريب، ويقع على بُعد (200) متر عن سكناها، ورصدت ثلاث شركات تأجير سيّارات أمريكية من أجل نقل عناصر القوّة "الإسرائيليّة" وعتادهم. وأضاف إنه خلال الإعداد لعمليّة الاغتيال الواسعة، تقرّر أيضاً تفجير بناية تابعة لـ "الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين."

حسب التقرير، حتى هذه المرحلة من التخطيط لم يكن هناك تعاون بين "الموساد" والجيش في عمليّات الاغتيال، ويعود ذلك إلى سياسة لدى الاحتلال مفادها أنّ "إسرائيل بإمكانها نفي اغتيالات يُنفّذها الموساد"، لكن يصعب نفي عمليّات يُنفّذها الجيش وتُرافقها ضجة كبيرة وتُشارك فيها قوّات. ورغم هذه السياسة تقرّر أن تُنفّذ قوّة من الجيش العمليّة في قلب بيروت، وليس "الموساد."

حول الأفكار، يقول برغمان في تقريره إنّ الفكرة الأوليّة التي طرحها رئيس أركان الجيش دافيد إلعزار، أمام باراك، كانت تقضي بغزو البنايتين وإخراج السكان منهما، ومن ثمّ التعرّف على القادة الفلسطينيين الثلاثة وقتلهم، لكن مُخططاً كهذا بدا خطيراً واعترض باراك على الفكرة.

عقب اعتراضه طرح باراك خطة تقضي بأنه "بعد أن نكون مُتأكدين من أنّ الأهداف الثلاثة يتواجدون في بيوتهم، يجب أن ندخل إلى المدينة مع قوّة صغيرة ليس أكثر من 15 مُقاتلاً، والوصول إلى الشقق واقتحامها، وقتلهم ثم الانسحاب، وكل هذا خلال بضع دقائق، وسيكون بمقدورنا أن ندخل ونخرج قبل وصول قوّات أخرى، وحين يُدركون ما حدث سنكون خارج البلاد، والأمر الأهم هو الحفاظ على عامل المُفاجأة."

وحين وصلت عمليّة الاغتيال إلى حيّز التنفيذ، توجّه (6) أفراد من وحدة "قيساريّة" إلى بيروت عبر عواصم أوروبيّة مختلفة، حاملين جوازات سفر مزوّرة، ونزلوا في فندق "سندس" في العاصمة بيروت، واستأجروا سيارات أمريكية كبيرة ركنوها في موقف السيارات التابع للفندق، وفي اليوم التالي التقى أحدهم بالجاسوسة في فندق "انتركونتننتال"، حيث سلّمته المعلومات الجديدة التي جمعتها عن المُستهدفين، وبعد يومين التقيا ثانيةً، بعد أن شاهدت ياعيل المُستهدفين في بيوتهم.

في 9 نيسان/ابريل، تجمّعت القوّات من "سريّة هيئة الأركان العامة" ولواء المظليين بقيادة أمنون ليبكين شاحك، في قاعدة سلاح البحريّة في حيفا المُحتلة، وفي الساعة الرابعة بعد الظهر أبحرت بوارج "إسرائيلية" على متنها الجنود، وعند الساعة السابعة التقى أحد أفراد "قيسارية" مع ياعيل في فندق في بيروت وأبلغته أنّ المستهدفين الثلاثة في بيوتهم، وتم إبلاغ القوة في البوارج بأنّ "العصافير في العش."

وجرت عمليّة إنزال (19) زورقاً مطاطيّاً من ثماني بوارج، حملت أفراد القوّة إلى شاطئ بيروت، بينهم (21) جنديّاً من "سرية هيئة الأركان العامة" و(34) من الكوماندوز البحري و(20) من سريّة المظليين. وفي المقابل كانت قوّات بريّة وبحريّة وجويّة في حالة جهوزيّة، في حال تشوّش العمليّة. وكان العدد الإجمال للجنود الذين شاركوا في العمليّة قرابة ثلاثة آلاف، حسب برغمان.

ولدى وصول القوّات إلى الشاطئ، حمل أفراد الكوماندوز البحري قوات "سرية هيئة الأركان العامة" على أيديهم كي لا يتلف مكياجهم، فقد كان قسم منهم متنكّر كنساء ومنهم ايهود باراك، وعندما وصلت القوّة الصهيونيّة إلى البنايتين اللتين يسكنهما المستهدفون الثلاثة، صعد أفرادها الدرج، وحين وصل كل واحد من الفرق الثلاثة إلى باب شقّة أحد المستهدفين، ألقوا عبوات ناسفة، تسبّبت إحداها بمقتل جارة النجار.

بعد ذلك أطلق الضابط موكي بيتسر النار على النجار وأرداه، كذلك قتل زوجة النجار، وأطلق ناصر النار من مسدسه وأصاب جنديّاً، ثم قتله أفراد الفريق من "السريّة"، وحاول عدوان إطلاق النار من بندقيّة من نوع "كلاشنكوف" بحوزته، لكنه تردّد لأنه شاهد رجل و"سيّدة" عند باب شقته، وقام الضابط إيتاي نحماني بقتله.

وفي إطار عمليّة "فردان" توجهت سريّة المظليين بقيادة ليبكين شاحك إلى حي آخر في بيروت، وتوقفت عند مبنى مؤلف من سبعة طوابق، ويتبع لـ " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "، ولم تكن هذه القوّة تعلم بوجود موقع حراسة أمام المبنى، بسبب نقص في المعلومات الاستخباريّة، ووقع اشتباك مُسلّح أسفر عن مقتل جنديين صهيونيين وإصابة ثالث بجروح خطيرة. بعد ذلك فجّرت سريّة المظليين المبنى، ما أسفر عن استشهاد (35) مُقاتلاً من الجبهة الشعبية، حسب تقرير برغمان.

بعد هذه العملية العدوانيّة بأشهر معدودة، نشبت حرب تشرين أول/أكتوبر، التي سجّلت فيها القيادتين السياسيّة والعسكريّة لدى الاحتلال إخفاقات، أدّت إلى استقالة غولدامئير والإطاحة برئيس أركان جيش الاحتلال إلعزار. وعقّب باراك في الوقت الحالي على الأمر بالقول إنه "بنظرة إلى الوراء، يبدو لي أنه عدنا من بيروت وقادة الدولة استخلصوا من نجاح العمليّة استنتاجات خاطئة. وسلسلة النجاحات في عملية الكوماندوز الدقيقة والموضعيّة، لا يمكن اعتبارها كأنّ الجيش الإسرائيلي كله نفذها. وتبع شعور القيادة بالأمن اطمئنان مبالغ فيه. ولم نُفكّر أنّ ( مصر وسورية) سيفاجئوننا، وأن يتسببوا لنا بتلك الهزة."